عمر طاهر زيلع.. سيرة مكان.
حين يستعيد عمر طاهر زيلع رحلته الطويلة مع الثقافة، يبدو كمن يفتح نافذة على جازان أخرى؛ مدينة كانت القصيدة فيها خبراً، والكتاب حدثاً، والأمسية موعداً ينتظره الناس، وكانت الأسماء التي صنعت تاريخها الأدبي تلتقي وتختلف وتتحاور تحت سقف واحد. عاش زيلع ذلك الزمن من داخله، لا مراقباً على أطرافه؛ عرف رواده، وعمل معهم، وحمل شيئاً من مسؤولية مؤسساته، ثم بقي حتى اليوم واحداً من خزائن أسراره وذاكرته. وفي سيرته ما يجعل الحديث عنه يتجاوز منجزه الشخصي. فقد جاور محمد بن أحمد العقيلي، وعمل مع محمد بن علي السنوسي، وعاصر أجيالاً متتابعة من أدباء المنطقة، وكان قريباً من اللحظة التي أخذ فيها العمل الثقافي في جازان ينتقل من المبادرات الفردية والمجالس الخاصة إلى المؤسسة والمنبر والكتاب المطبوع. ولد عمر بن طاهر زيلع في جازان عام ١٣٦٥هـ/١٩٤٥م، ونشأ في بيئة كان للعلم واللغة فيها حضور مبكر. بدأ من الكُتّاب، وأخذ النحو عن والده، وتلقى العربية والفقه والحديث على الشيخ أحمد بن إبراهيم الأهدل، ثم دخل التعليم النظامي حتى المرحلة الثانوية التي لم يكملها لظروف خاصة. لكن انقطاع الدراسة لم يقطع صلته بالمعرفة. عوّض زيلع ذلك بقراءة واسعة يصعب معها وضعه داخل تخصص واحد. قرأ الشعر والتاريخ واللغة والفقه والتفسير والأدب، وحفظ من المتنبي وابن زيدون وشوقي، وظل الشعر رفيقاً له من موقع القارئ المتذوق، بينما وجد صوته الحقيقي في الحكاية. وللقصة معه أصل قديم. كان الطفل الذي يستمتع بسماع الحكايات ثم يعيد روايتها للآخرين، قبل أن يكتشف بعد سنوات أن تلك المتعة الأولى كانت تدريباً مبكراً على السرد. وحين بدأ الكتابة، لم يدخل المشهد بإعلان كبير، نشر في الصحافة باسم ابنته «أديبة»، ثم انتقل إلى اسمه الصريح، وكتب المقالة والقصة والنقد، وأصبحت له في «عكاظ» زاوية «ألق». أما قصته «الليل لا يمطر شعراً» فقدمت عند نشرها بوصفها صوتاً جديداً. غير أن التحول الأكبر في حياته لم يبدأ من قصة أو مقالة، بل من مكان سيصبح اسمه مرتبطاً به لعقود: (نادي جازان الأدبي). سبق النادي لقاء جمع زيلع بمحمد علي السنوسي في العمل، ثم امتدت العلاقة إلى الثقافة. وعندما تأسس النادي عام ١٣٩٥هـ برئاسة محمد بن أحمد العقيلي ونيابة السنوسي، دخل زيلع المؤسسة من باب مكتبتها. عمل موظفاً فيها، ومقرراً لمحاضر مجلس الإدارة، ثم سكرتيراً للنادي. وهذه البداية تقول الكثير عن تجربته اللاحقة. لم يصل إلى الإدارة من خارج تفاصيل المؤسسة، عرف الكتاب الذي يدخل مكتبتها، والرسالة التي تصل إلى مكتبها، ومحاضر مجالسها، والندوات والضيوف والمؤلفين. شاهد النادي وهو يتشكل أمامه يوماً بعد آخر، حتى أصبح جزءاً من ذاكرته اليومية. وفي عام ١٤٠٤هـ دخل مجلس الإدارة، وبعد وفاة محمد علي السنوسي عام ١٤٠٧هـ، انتقلت إليه مسؤولية القيام بأعمال رئيس النادي. ومن تلك اللحظة بدأت مرحلة ستصبح واحدة من العلامات المهمة في تاريخ أدبي جازان، واستمرت حتى إعادة تشكيل المجلس عام ١٤١٣هـ. كانت سنوات زيلع سنوات ذهبية للنادي. ليس لأن رئيسه كان كثير الظهور، بل لأن المؤسسة نفسها كانت حاضرة. تكثفت حركة النشر، واتسع النشاط المنبري، وتعاقب الضيوف، ووصلت أسماء أدبية وثقافية من خارج المنطقة إلى جازان، ووجد مبدعون شباب مساحة للظهور. كان النادي يؤدي الوظيفة التي ينبغي أن تؤديها المؤسسة الثقافية، وهي ألاّ تحتكر الضوء، بل توزعه. وتلك واحدة من أجمل المفارقات في سيرة زيلع. فقد أمضى سنوات يساعد في نشر كتب الآخرين، ويقدم أسماءهم، ويهيئ لهم المنابر، ثم اكتشف لاحقاً أنه ربما فعل ذلك على حساب مشروعه الشخصي. وعندما سئل بعد سنوات طويلة إن كان قد اعتنى بالنشر للآخرين ونسي نفسه، لم ينكر الأمر. لكنه لم يبد نادماً، حيث كانت الثمرة، بالنسبة إليه، تستحق شيئاً مما دفعه من وقته. وفي سنوات إدارته اتخذ الحضور الثقافي شكلاً مادياً أيضاً. أُنشئ للنادي مقر صُمّم وفق احتياجات العمل الثقافي والإداري، وافتتح عام ١٤١٣هـ، بقاعاته ومكتبته ومساحاته المخصصة للأنشطة. كان المبنى إعلاناً بأن الثقافة في جازان لم تعد ضيفاً يبحث عن مجلس يستقبله، أصبح لها بيتها. ولم تكن قيمة تلك المرحلة في كثرة الفعاليات وحدها. الأهم أن النادي كان يعمل في زمن ثقافي شديد الحيوية. كانت الصحافة الأدبية ساخنة، والتيارات تتجادل، والقصيدة والقصة والمقالة يمكن أن تفتح نقاشاً يمتد أسابيع. وكان المثقفون يختلفون حول التجديد والتراث واللغة وشكل الكتابة وحدود النقد، فيما كانت تحولات المجتمع السعودي نفسها تلقي بظلالها على المشهد. وقد عرف زيلع تلك السجالات من قرب. لم يقدمها بعد مرور العقود بوصفها زمناً مثالياً، تحدث عن احتدام بلغ أحياناً التنابز، وعن خلافات تبدأ بالفكرة ثم تنتقل إلى الشخص، وعن معارك استنزفت أصحابها وأخذت من طاقاتهم ما كان يمكن أن يذهب إلى الكتابة والإبداع. لكن تلك الصراعات لا تختصر تجربته، ولا ينبغي أن تتحول إلى عنوان لها. فما يلفت في زيلع أنه استطاع أن يبقى على صلة بأطياف متعددة وبأجيال مختلفة، وأن يفصل، قدر استطاعته، بين إدارة المؤسسة ومزاج المعارك التي كانت تدور حولها. كان يميل إلى تهدئة الانفعال، ويعرف متى يترك العاصفة تمر بدلاً من أن يمنحها عمراً إضافياً. وربما لهذا طال حضوره. فبعد انتهاء مرحلة رئاسته لم يتعامل مع النادي باعتباره منصباً انتهى، ولم يخرج من المشهد لأن الكرسي انتقل إلى غيره. بقي قريباً من المؤسسة، وعمل من مواقع مختلفة، ثم عاد في تشكيلات لاحقة، وتولى رئاسة جماعة السرد حتى عام ١٤٣٢هـ. كانت علاقته بالمكان أطول بكثير من سنوات الرئاسة، بدأت من المكتبة، وعبرت الإدارة، ثم عادت إلى الأدب. وخارج النادي كانت له حياة أخرى لا تقل التصاقاً بالناس. عمل سنوات طويلة في الجمعية الخيرية بجازان، مديراً ثم أميناً عاماً، وظل فيها نحو ثلاثة عقود قبل أن يتفرغ للكتابة وأعماله الخاصة. ومن الصعب فصل هذه التجربة الاجتماعية الطويلة عن حسه السردي، فالكاتب الذي يرى الناس في حاجاتهم اليومية لا يعود إلى الورق بالعين نفسها التي دخل بها. أما منجزه الأدبي فتوزع بين القصة والرواية والمقالة والنقد والكتابة الثقافية. أصدر «القشور»، و»البيداء»، و»دعوة للقمر»، و»إشارات»، وكتب مقدمات لأعمال أدبية، من بينها الأعمال الشعرية الكاملة لمحمد علي السنوسي. ولم يكن غزير الإصدارات قياساً إلى العقود التي أمضاها في الثقافة، لكن ذلك النقص الظاهري يفسره جانب آخر من حياته، لأنّ كثيراً من طاقته ذهب إلى المؤسسة والآخرين. والصحافة بدورها استهلكت سنوات طويلة من عمره. كتب مئات المقالات، وخاض من خلالها في الأدب والثقافة والمجتمع، ثم وصل في مرحلة متأخرة إلى مساءلة قاسية للكتابة نفسها؛ ماذا يبقى من كل هذا؟ وما قيمة أن يقضي الكاتب عمره منتظراً أن يقرأه الناس؟ قد يبدو السؤال متشائماً، لكنه سؤال رجل امتلأت خزائنه بالأوراق قبل أن تمتلئ الشاشات بالنصوص. عاش زمن المقالة الورقية التي تنتظر صباح الصحيفة، وزمن الخطابات ومحاضر الاجتماعات، والكتب التي تمر بمراحل طويلة حتى تخرج من المطبعة، ثم شاهد العالم الثقافي كله ينتقل إلى هاتف صغير. ولهذا فإن أهم ما يملكه عمر طاهر زيلع اليوم ربما لا يوجد في كتبه وحدها. إنه ما يتذكره. في ذاكرته محمد بن أحمد العقيلي لا بوصفه اسماً في كتاب، ومحمد علي السنوسي لا بوصفه شاعراً راحلاً، وإنما رجلين عرفهما وعمل معهما. وفيها البدايات الأولى للنادي، والكتب التي قرر نشرها، والأسماء التي مرت بمنبره، والجيل الذي كان ينتظر فرصته، والرسائل والمواقف والحوارات التي لم تسجلها الصحافة. وفيها جازان وهي تبني مشهدها الثقافي الحديث رجلاً بعد رجل وكتاباً بعد كتاب. ومن هنا تصبح مذكراته، إن اكتملت، أكثر من سيرة ذاتية. ستكون شهادة على مرحلة كاملة بكلّ أسئلتها، كيف كان المثقفون يلتقون؟ كيف كانت المؤسسات تُدار؟ كيف ظهر الجيل الجديد؟ ماذا كان يحدث خلف اجتماعات النادي؟ وكيف كانت العلاقة بين رواد المنطقة ومن جاء بعدهم؟ ثم كيف نجحت مدينة بعيدة عن المركز في صناعة مشهد أدبي تجاوز حدودها وأوصل أصواتها إلى خارطة الثقافة السعودية؟ لقد مر عمر طاهر زيلع بكل ذلك تقريباً. بدأ قارئاً صغيراً يستمع إلى الحكايات، ثم أصبح قاصاً وصحفياً، ودخل نادي جازان من مكتبته، وجلس بعد سنوات في موقع قيادته، وقاد واحدة من أكثر مراحله ازدهاراً، وأسهم في بناء مقره، وفتح أبوابه للكتب والمثقفين والأجيال الجديدة، ثم عاد إلى مقعد المثقف بعدما انتهت الرئاسة. وقد يكون هذا أجمل ما في حكايته، أنه لم يجعل المنصب خاتمة السيرة. اليوم، وبعد رحلة قاربت ستة عقود مع الكلمة، لا يحتاج عمر طاهر زيلع إلى استعادة صخب المعارك القديمة كي يثبت مكانه. يكفي أن ننظر إلى ما بقي بعد أن هدأت الأصوات؛ كتب نُشرت، وأسماء وجدت طريقها، ومؤسسة كبرت، وأجيال تعاقبت، وذاكرة رجل ما زالت تحمل تفاصيل زمن ثقافي كامل. وحين سئل عن مذكراته وما إذا كان سيكملها، ترك الإجابة معلقة بينه وبين الزمن! ربما يكملها، وربما يكملها غيره. لكن ذاكرة بهذا الثراء لا ينبغي أن يكتب بقيتها الآخرون. عمر طاهر زيلع لا يحمل سيرة رجل واحد، يحمل في ذاكرته جانباً من سيرة جازان نفسها. (*) كاتب وصحافي سعودي