تصف الأديبة الشاعرة الدكتورة فوزية أبوخالد،في أحد المقالات،الكتابة عن تجربة الشاعر الأمير بدر بن عبدالمحسن ،رحمه الله تعالى، كمَنْ يريد أن يَصُبَّ نهرا لا نهاية له في كأس،أو مَنْ يريد أن يكتبَ بحبَّة رملٍ واحدة صحراء شاسعة . وهذا القول يجعلنا نقدّر المبادرة المباركة التي ابتدرتها وزارة الثقافة ممثلة بهيئة الأدب والنشر والترجمة بطبع كتاب يحتوي على خمس عشرة دراسة بحثية تقرأ تجربة الأمير الشاعر بدر بن عبدالمحسن الشعرية والتشكيلية والمغناة،فكل التقدير لوزير الثقافة ورئيس مجلس إدراة هيئة الأدب والنشر والترجمة صاحب السمو الأمير بدر بن عبدالله بن فرحان آل سعود الذي كتب في صدارة الكتاب قراءة مركزة ومكثفة يقول فيها : (أبحرَ البدر بتفرد منقطع النظير في القصائد الغنائية والعاطفية والوطنية،وفن الأوبريت، وخاض تجربة كتابة نص درامي،وإدارة واحدة من أهم المؤسسات الثقافية،الجمعية السعودية للثقافة والفنون إبَّان تأسيسها عام ١٩٧٣م ،وانعكس إبداعه الشعري على الفنون البصرية عبر لوحاته الفنية) . توالت بعد ذلك سائر القراءات المقدمة من عدد من الباحثين والباحثات من المملكة العربية السعودية ومن خارجها،فجاءت الدراسة الأولى بعنوان(قراءة جمالية في أدوات الدهشة في شعر بدر بن عبدالمحسن،ديوان «هام السحب»نموذجا) وهي للدكتورة رانية محمد شريف العرضاوي،وقد تميزت الدراسة برصانتها وشمولية محتواها ؛ ولذلك كانت في أوائل القراءات،وتسعى الدراسة بدأب في الإمساك بلحظة إشكالية تدور حول الشعور بالدهشة والإدهاش في تلقي شعر البدر بعامة،وفي تلقي المقدار المغنَّى منه بخاصة،وقد وظفت الدراسة آليات نظرية التلقي بمهارة من خلال ثلاثة متكآت : المسافة الجمالية،أفق التوقع،والفراغات النصية . وحاولت الدراسة إنجاز مهماتها وحصرها في الأدوات التالية : الأداة التصويرية،والأداة الموسيقية،والأداة الشكلية البصرية في نماذج مختارة من ديوان «هام السحب» . وتقف المقاربة هنا على مرتكز مفصلي من خلال الممارسات النقدية في نصوص غير تقليدية وغير مألوفة في تاريخنا الأدبي والنقدي . الدراسة الثانية كانت للدكتور حاتم الزهراني بعنوان (الكلام الغريب والليالي الوضح ، تقاطعات الهوية الشعرية والهوية الوطنية في تجربة بدر بن عبدالمحسن) . وهي مقاربة عميقة تنظر في التقاطعات بين الهوية الشعرية والهوية الوطنية في النص الشعري للبدر ،وترمي الدراسة إلى إظهار تميّز التجربة الشعرية للأمير بدر بن عبدالمحسن وبيان فرادتها في تشكيل الهوية الثقافية،ففي آخر أمسية للبدر ،سُئل عن ظاهرة محورية الوطن في شعره وإنتاجه،فأجاب قائلا : (إنَّ أكثرَ ما حفَّزني للكتابة هو بَعْث الروح الوطنية) . والمقاربة هنا ترى أن التجربة الشعرية للبدر تتعاضد مع رموز الطبيعة والثقافة،وتضفي على الوطن أبعادا إنسانية،وتتضامن النصوص مع التجذر في المكان ؛ولذلك نرى في التجربة الشعرية متعلقات الذاكرة الثقافية من خلال التعبير عن الطقوس والرموز والصور والذهاب بعيدا مع التفاصيل الدقيقة ومع المواقع المخصوصة التي تميّز مجتمع عن آخر . يطل علينا الناقد الأكاديمي،من دولة اليمن الشقيقة،الدكتور فتحي أحمد صالح الشرماني بدراسته الثقافية،وهي في صلب اهتماماته بالنقد الثقافي،وهي بعنوان (تمثلات الثقافة الجديدة في شعر بدربن عبدالمحسن،قراءة في أنساق المخاتلة وآليات التحول) . ولأنَّ شعر البدر ظل خمسة عقود ذخيرة وطنية في ذاكرتنا الثقافية فإنه سيكون علامة فارقة ومتميزة في الوعي بالتحولات الثقافية المعاصرة ،والدراسة هنا ستنحو في المجرى الثقافي من حيث سبر معالم العشق المتمرد لدى الشاعر باعتبار العشق صفة ثقافية مخاتلة للنسقية الشعرية التي تأسس عليها العشق العربي سابقا،ودراسة الرمز من حيث الفعل المخاتل المخالف لسطوة النسق . وجاءت الدراسة الرابعة للدكتور طلال أحمد الثقفي بعنوان (الوطن في استعارات البدر،من التصور إلى الهندسة) . والمقصود هنا دراسة التركيب الأسلوبي والإنزياحي المؤدّي إلى تصورات ذهنية كاشفة للكيفية التي بنى الشاعر البدر فيها عالمه ورؤاه من خلال الوطن العزيز وخاصة في ديوان «هام السحب» . وتتناول الدراسة جانبين من الاستعارات،الجانب الأول أنماط الاستعارات التصويرية ،وهي التي تعتمد على المفردات الخام وعلى طريقة انتظامها لتكسبها القيمة الجمالية في بناء الصورة الشعرية،وتخضع لموهبة الشاعر وقدرته على هندسة البناء ونظم التراكيب للكلمات المتجاورة،ليتولد منها تراكيب جديدة في ثياب تصويرية حديثة،والجانب الآخر الاستعارات المسترسلة وهي التي تتكون من استعارة مفردة مركزية تتعاضد معها في البناء استعارات أُخرى . ومن خلال هذين الجانبين يمكن تسليط الضوء على تجربة البدر الشعرية والكشف عن القيم الإنسانية والفنية والجمالية في إنتاجه . بعدها تقدم الشاعر الإعلامي السوري ياسر الأطرش بمساهمته البحثية من خلال دراسة بعنوان (الرومانسية والثنائيات الضدية في شعر بدر بن عبدالمحسن آل سعود) . اعتمدت المقاربة هنا النظر في الضديات الثنائية للتعبير عن مشاعر السلب والإيجاب من الصفات الوجودية،وتركز الدراسة على الطبيعة ودورها في شعرية البدر . الدراسة السادسة من دولة الكويت الشقيقة ،وكانت بعنوان (تداوليات خطاب الوطن في شعر صاحب السمو الملكي الأمير بدر بن عبدالمحسن) للدكتور فهد الهندال،تناولت الدراسة تجليات الوطن في شعر البدر من حيث توظيف الفضاءات الذهنية في النصوص الشعرية لتشكل صورة متكاملة عن الوطن . واعتمدت المقاربة المنهج التداولي الذي يقرن التحليل النصي والتأويل السياقي . الدراسة السابعة كانت للأستاذة فاطمة الغامدي بعنوان (العنوان في قصائد «هام السحب»للأمير بدر بن عبدالمحسن) . وهي تركز حصرا على قراءة العناوين قراءة أسلوبية من حيث التركيب الفردي وغيره ،وتنظر في التركيب الفني للعناوين من حيث عدد الكلمات ومن حيث نوعية التركيب المفرد والجملة بأنواعها،ومن حيث التعريف والتنكير ،وهي مقاربة في صميم النقد الحديث . الدكتور عادل خميس الزهراني كانت دراستة بعنوان (سيمياء الحب الصامت في شعر البدر ،حفريات جمالية) وهي تعتمد المنهج السيميائي للحصول على خلاصات من دلالة المفهوم والكشف عن الشبكة السيميائية المرتبطة به،وذهبت الدراسة إلى تحليل النصوص لتجلي الكيفية التي يعبر فيها الخطاب الشعري للأمير بدر بن عبدالمحسن عما أسمته القراءة الحب «الصامت «وهو ظاهرة سوسيو ثقافية خاصة في النصوص،واشتغلت على توظيفها كثير من القصائد،وظل صوت الشاعر / العاشق علامة مقاومة معبرة عن موقفها بإظهار الحب وإشهاره ورفض صفة الصمت . وجاءت الدراسة التاسعة للدكتورة هند بنت عبدالرازق المطيري بعنوان(جماليات المزج التصوري في الصور القائمة على التضاد في نماذج من شعر الأمير بدر بن عبدالمحسن) . ركزت هذه المقاربة على سبر التصوير القائم على التضاد سعيا لاستحضار الإدهاش لدى المتلقي في ظل أن شعر البدر له سيرورة مجتمعية مشهودة وقائمة على أنها استعارات تمثيلية في سياقات من التواصل المجتمعي،ولكنه إبداعٌ مفارق للإرث الشعبي ومغاير عن الثقافة السائدة،وهذا الملمح هو ما تفردت فيه نصوص البدر وجعل قصائده تنحاز دوما للإبداع الشعري الموسوم بالفرادة،ولو جاءت في أشكال كلاسيكية . الدراسة العاشرة للدكتورة حصة بنت زيد المفرح بعنوان (تراسل الفنون في تجربة الأمير بدر بن عبدالمحسن :كتاب «ومض «أنموذجا) .وكانت مقاربة متمايزة عن سائر القراءات من حيث الاهتمام بكتاب «ومض « للأمير بدر بن عبدالمحسن،وكان تركيز البحث على ثلاث من الظواهر وهي : تراسل الفنون من خلال العتبات بين الكتابة والخط والنحت والتصوير ،والتراسل الكائن في المتن على مستوى فنون الكتابة بين النثر الفصيح والشعر الشعبي،التراسل الموجود بين فن الشعر مع فن الرسم،وأخيرا توسعت الدراسة في تقصي التراسل الشعري مع الغناء، وبذلك انفردت هذه المقاربة بالمباحث الخاصة بها،واعتمدت الدراسة على آليات غير مطروقة كثيرا في الدراسات السابقة . من مصر كتبت الدكتورة رشا الفوال دراسة بعنوان (سيادة الطابع البصري المكاني واستثمار الزمن النفسي القلق في قصائد صاحب السمو الملكي الأمير بدر بن المحسن آل سعود) . وهي تتكئ على التحليل النفسي مع التركيز على مباحث من دلالات المكان والقيم الجمالية للقصائدوالتركيز على دراسة الزمن النفسي وعلى الصور الفنية القائمة على مزج الواقعي بالمتخيل وفي ختام المقاربة جاء النظر في عنصر المشهديات المعتمدة على تفاصيل المكان البصري . كانت الدراسة الثانية عشرة للدكتورة غيداء بنت حامد الغامدي،وجاءت بعنوان (الزمان والمكان في شعر بدر بن عبدالمحسن) . تناولت الدراسة عناصر الزمان والمكان وأثرهما في قصيدة البدر ،وخلصت الدراسة إلى تنوّع الزمان في تجسيد المعاني وتنوّع حضور الزمان وأثره في تعدد النصوص وارتباط المكان المشحون بمشاعر وأفكار الشاعر ورؤاه . تقدمت بعد ذلك دراسة قامت بها الدكتورة عائشة الدرمكي من سلطنة عُمان الشقيقة،وهي بعنوان (صورة الذات والآخر في مدونة البدر ، دراسة في العلامات الشعرية) . وكان التركيز فيها على الخطاب الشعري في تصوراته عن العلاقات بين الذات والآخر في نصوص الأمير بدر بن عبدالمحسن،وعلى تسليط البحث في العلامات الشعرية الصورية،فالعلاقات التي تبتنيها الذوات في الخطابات الشعرية تعتمد على أنماط التلفظ التي اتخذتها تلك النصوص من حيث قدرتها على التوليد،وحاولت الورقة البحثية سبر مجموعة من المعطيات والعلاقات البنائية والتركيبية وغيرها التي بدورها أسست وشكلت النص الشعري . الورقة الرابعة عشرة كانت للناقد المصري الدكتور محمد شحاتة العمدة وهي بعنوان (دلالات التراث الإنساني في التجربة الشعرية للأمير بدربن عبدالمحسن) . وكانت دراسة للتراث وأثره في نصوص البدر ،وخلصت الدراسة إلى نتائج منها أهمية الوعي الشمولي للأمير الشاعر واستحواذه على قدر عال من الثقافة السعودية وإلمامه بها بشكل لافت،وخاصة فيما يتعلق بالواقع المعيش والتاريخ وامتلاك الخبرة الواسعة بمعرفة القبائل وعاداتها وتقاليدها ولهجاتها في المملكة،وأدّى ذلك إلى المعرفة الناجعة بكيفية توظيف عناصر التراث الشعبي في خطابه الشعري خاصة في جانب الرموز المحلية والشخصيات الأسطورية وفي فنون الأداء الشعبي. وتراث البيئة الصحراوية بعامة . وفي الختام كانت المقاربة التي قام الشاعر محمد إبراهيم يعقوب وهي بعنوان (جمالية المفارقة في شعر الأمير الشاعر بدر بن عبدالمحسن) . وقد اعتمدت الدراسة على ديوانين الأول «ما ينقش العصفور في تمرة العذق» والديوان الآخر « شهد الحروف» . و جرى التركيز في الدراسة على قراءة المحاور التالية : المفارقة اللفظية،المفارقة الدرامية ،المفارقةالرومانسية،المفارقة السقراطية ،تجاهل العارف ) . والمقاربة تعتمد التقصّي لأغوار المفارقات المتنوعة والبحث عن المطالب الجمالية فيها،وخلصت الدراسة إلى أن التجربة الشعرية للأمير بدر بن عبدالمحسن تمتلك سمات خاصة متمايزة وفارقة،ولها تأثيرها المتواصل في التجارب الشعرية اللاحقة .