تدخلنا رواية «غرباء حميمون» للكاتب عزيز محمد في جو من الألفة الحميمة المشوبة بالغربة. منذ البداية يتخذ العنوان مدخلًا للعمل، فيجعلك تتساءل عن موقعه داخل هذه السردية، ولا تقبض عليه ربما حتى تصل إلى المنتصف، لكنه قبضٌ بأثر رجعي، يعيدك إلى البداية، فتعيد معه وضع ما قطعته داخل البنية المتكاملة للعمل، فيبدو كأنك قد قرأت النصف الأول مرتين، مرةً وأنت تجهل دلالة العنوان وتبحث عنها، ومرةً أخرى بعد أن منحك العنوان مفتاحًا جديدًا لقراءته. يتجاوز هذا النوع من العناوين عتبة النص إلى بنيته الداخلية فيخلق عتبة أخرى تعود إليها بعد عبورك لروح الفكرة. فهو في البداية سؤال، ثم يتحول تدريجيًا إلى مفتاح، وعندما تحصل على المفتاح لا تفتح به ما سيأتي فقط، وإنما تعود به إلى ما قرأته بالفعل. وهنا تحديدًا تكمن قوة «غرباء حميمون» في وضعه ثنائية «الغربة/الألفة» في ذهن القارئ منذ الصفحة الأولى، مفسحًا المكان للسرد ليملأ المسافة بين الكلمتين، إلى أن تبدأ في إدراك أن الأمر ليس انتقالًا من الألفة إلى الغربة، أو العكس، وإنما هي ألفة تحمل داخلها بذرة الغربة. وهذا ينسجم مع مدخل الرواية التي تبدو في مجملها رسالة فضفضة طويلة كانت مؤجلة منذ زمن يوجهها بطلها لشخصية (قريبة/ بعيدة) وهي الأخت التي غادرت المنزل هاربة منذ زمن دون أن يعرف أحد عن أخبارها شيئًا، مرتبطًا بها بما تبقى لديه عنها في صورة ذهنية بعيدة، لكن وجودها في ذاكرته يسمح له ربما بأن يستعيد قليلًا من نفسه ويحاول من خلال هذه الذكرى ترتيب أحداث حياته. ومن هذه النقطة نلتقط الصورة الأوسع للسردية التي يتبنى فيها عزيز أسلوبًا شمسيًا في وصفه للأشياء والأحداث، فهي تبدو ساطعة، يفيض عليها الضوء، لكنه لا يكشفها بل يحيك حولها غلالة تجعلها غريبة، فالشمس التي تخرج الأشياء من عتمتها، تمنحها بالمقابل عتمة أخرى، تلك العتمة التي تخلق إحساسًا نوستالجيًا ناقصًا يتذكر التفاصيل القريبة البعيدة بألفة مشبعة بالغربة، فالذاكرة لدى شخوصه تخرج من عباءة الاستعادة وتلبس درع مواجهة المسافة التي صنعها الزمن, “بعدها قررنا أن نخفي غيابك, أعني حضورك الذي صار محسوسا لفرط ما كان ينسى في السابق. يخرج اسمك صاخبا, فلم يعد ينطق. وبمرور الأيام, أوقفنا النقاش في كل مايخصك. لكن الصمت لم يكن أقل إزعاجا. يمكن أن تعيدك أقل حركة خافتة إلى الأذهان, كأن يجلس أحدنا بعيدا في ركن, أو كأن يصعد آخر الدرج بلا صوت. يملك حضورك دائما الطابع المباغت نفسه, لأن أحدا لم يتوقع كمونك هناك”ص19. وهو إذ ينجح في منحنا ذلك الإحساس بالتشتت والارتباك، فقد نجح في إدخالنا إلى ذاكرة الشخصية، فلا نعود نراقب وعي (محمد) من خارجه، وإنما نسير معه في متاهته، من تفصيلة إلى أخرى، ومن ذكرى إلى أخرى، حتى نتلمس المسافة التي تفصل حاضره عن ماضيه، ونعيش شيئًا من شعوره بالغربة والعجز عن القبض على ما فقده في ماضيه محاولا استعادته في حاضره. وتأتي هذه الغربة من امتداد الشعور بالنقص حول السكوت المتراكم حول ما كان ينبغي قوله أو تحريره عبر الشعور به “في النهاية ينتصر الكتمان كما يحدث دائما في هذه القصص, كما حدث دائما في هذا البيت”ص18، ويستعين (عزيز) برمزية العمارة التي تتخذ طابع الأبدية في حضورها مع الإنسان، من خلال بطلها المهندس (محمد) الذي يستشف كل مايشعر به عبر تغيراتها وعبورها من الأساسي للمادي(الفكرة/ التصور إلى المادي المتجسد في المكان)، فبينما تعبر الشخوص الزمن، تبقى الجدران والنقوش والأمكنة شاهدة على مرورها، تعود الشخصيات عبر الذاكرة إلى أمكنتها القديمة، وتحمل آثارها معها إلى الخبر المعاصرة، فتغدو العمارة وسيطًا بين زمنين، زمنٍ عاشته الشخوص، وزمنٍ تنظر إليه الآن من خلال حاضرها، ولعل هذا ما يجعل التفاصيل المكانية في الرواية موغلة في الحميمية، فهي تستعيد المكان من خلال أثر الإنسان فيه وأثره هو في الإنسان. ولا تكاد الرواية تتجاوز من المنطقة الشرقية غير الخبر، حتى تبدو المدينة نفسها كأنها مساحة واسعة للذاكرة، مدينة لا يخرج منها البطل بمقدار ما يخرج إليها، كلما عاد إلى ماضيه. ويمثل الفقد للمكان والذات شعورًا موازيًا داخل النفس ، فكلما فقد الإنسان جزءًا من المكان، بدا كأنه يفقد معه جزءًا من صورته التي تركها هناك. وخلال مرورنا في الزمن، نعاصر أحداثه بدءً من حرب الخليج، إلى تفجيرات الخبر وما تركته من أثر يتردد، بصورة أو بأخرى، في الصراعات الحديثة، فتعود إلينا لمحات عابرة لا تكاد تستقر في ذاكرة الطفولة، لحظات لا تستعيد الحدث كاملًا بقدر ما تستعيد أثره من الخوف، الأصوات، الوجوه، وما علق في الذاكرة من صور مبعثرة. وهكذا يتسرب التاريخ إلى الذاكرة الشخصية، مختلطًا بمكوناتها من المكان والعائلة والطفولة، حتى يصعب فصل ما عاشه الفرد عما عاشه المكان من حوله.. و تتحرك الرواية على مستوى الخط الروائي داخل السنوات لتمنح كل فصل عنوانًا زمنيًا، ولكنها تتداعى في بنيتها داخل خط الوعي، فالحاضر يتصل بالماضي تستدعيه التفاصيل الصغيرة، المكان يفتح ذكرى، والذكرى تستدعي شخوصًا وأحداث، ثم شعور ظل مطمورًا، ليعيدنا من جديد إلى اللحظة الراهنة وهو مايجعل الاستطراد والعودة جزءًا من بنيتها السردية، فالأحداث الخارجية موجودة ومع أنها تبدو غاية بينما تصير كلما تقدمنا محطات يعبر من خلالها (محمد) إلى داخله، وهو ما يجعل القراءة أشبه بالسير في ذاكرته فلا يكون السؤال ماذا سيحدث؟ بل إلى أين ستقودنا هذه التفصيلة لنكتشفه داخل وعيه في كل مرة؟ وتبدو العزلة لي وكأنها مكوّن أساسي داخل سرديات عزيز وشخوصه، وإن اختلفت طرقها فهي عزلة لا تأتي دائمًا من الانفصال عن الآخرين بل من العجز عن الوصول إليهم، حتى حين يكونون الأقرب. فالشخصيات تتحرك داخل أمكنة مألوفة، وبين وجوه تعرفها، وفي علاقات يفترض أنها حميمة، لكنها تظل محتفظة بمسافة داخلية لا يستطيع الآخر عبورها. وهنا تعود ثنائية «الغرباء الحميمين» مرة أخرى، فالغربة توازي القرب دون أن تناقضه، و قد تكون كامنة في قلبه، وكلما ازدادت العلاقة حميمية، أصبح اكتشاف المسافة أكثر إيلامًا. وتأتي نهاياته التي لايمكنني أن أسميها مفتوحة لأنها لا تمنحك الخيار المتعدد لنهايات عديدة، ولكنها نهاية ماضية ومستمرة تستعيد فيها إيقاع “ كان يا ماكان”، جملة تبدو كأنها تشير إلى شيء مضى، لكنها في الوقت نفسه تفتح الطريق لما سيأتي. تتوقف الحكاية، بينما تستمر الحياة وتمضي، وكأن الرواية لا تريد أن تمنحك نهاية إنما تعيدك إلى العالم الذي جاءت منه الحكاية ومضت معه ومازالت تمضي . فنانة بصرية وكاتبة*