السيرة الذاتية في التقديم النظري لها هي سرد نثري استعادي يقدمه شخص واقعي عن وجوده الفردي وتاريخ تشكل شخصيته، وفق أهم التعريفات التي أكد عليها فيليب لوجون، الخبير بفن السيرة الذاتية وأبرز من كتب عنها وألف حول نظرية السيرة الذاتية، والركيزة الكبرى في هذا الفن تتأسس على العقد السير-ذاتي، وهو اتفاق ضمني صريح يعقد بين الكاتب والقارئ لضمان صدقية الرواية، ويتحقق عبر تطابق ثلاثي يدمج المؤلف والراوي والشخصية الرئيسية في كينونة واحدة واضحة، لا يمكن فيها تأويل الشخصية المطروقة إلا بدلالتها المادية الأولى، بوجود اسم المؤلف الحقيقي على غلاف الكتاب وتطابقه التام مع الذات الساردة داخل المتن. هذا الميثاق يتجلى بأعلى درجات الوضوح في السيرة الذاتية المبكرة، فالكتابة القريبة زمنيًا من الأحداث تنطلق من رغبة أصيلة في توثيق التجربة الإنسانية وهي دافئة بتفاصيلها القريبة والحية قبل أن تخبو ملامحها الدقيقة أو تبدأ في التلاشي البطيء، كما أنها قد لا تسلم من التعديل، غير المقصود أحيانًا، بمرور الزمن. بعض المواقف أو التجارب لا تستلزم مسافة زمنية طويلة أو انتظار عقود متأخرة لينقلها المؤلف في سيرة ذاتية مبكرة، فهي مكتملة بحدوثها، قائمة بذاتها، وتفرض حضورها الإنساني بحكم فرادتها أو حجمها في وجدان المؤلف وانعكاساتها عليه، واختبار الظروف الاستثنائية القاطعة كالفقد الحاد، أو المرض المباغت، أو الانتقال بين حال وآخر، يمثل باعثًا منطقيًا ومبررًا كافيًا لكتابة الذات؛ فتغدو السيرة المبكرة وثيقة اعتراف ورصد، تتصف بالحرارة وأقرب ما تكون إلى الحقيقة والنقل العفوي للشعور، ويكون عقدها مع القارئ متينًا ومباشرًا لخلوه من طبقات التراكم الزمني التي قد تعيد صياغة الحقيقة أو تمحو شيئًا من الذاكرة أو تبدله. قراءة نصوص السير الذاتية تستوقفنا أمام طرق التفكير واختلاف زوايا الرؤية في التقاط العالم ومحاولة فهمه، وهو ما نلمسه عندما نقارن بين تجارب كتابة سير ذاتية متعددة تتخذ من المكان والحدث مدخلًا لها، الكاتب الصيني نينغ كن في كتابه «بكين: المدينة والسنوات» يروي تاريخ عاصمة كاملة مدونة في إنسان وتاريخ إنسان يتشكل عبر فضاء مدينته؛ تراه يتأمل الطبيعة الأولى من زاوية بكر محكومة بوجل الطفولة وعدم اكتمال المعرفة، مسجلًا شهادته المتفردة: «كان القصب يتصل بالسماء وبالسحب وبالحقول الشاسعة في امتدادها اللانهائي، ولأني لم أفهم الجمال، بدا لي المشهد مرعباً بسبب هذه الساحة المائية الشاسعة وغير المألوفة». هذا الإحساس المبهم والمبكر جدًا يفسر كيف أن الجمال قد يثير الرهبة في النفس لعدم اكتمال الوعي به، ويغاير رؤيتنا الطبيعية له بأنه كان وما زال مثار إعجاب ومنطقة ارتياح للتأمل وذكرى بديعة، فمن الممكن أن يُفسّر الجمال كما قرأنا في سيرة نينغ على أنه حيرة ووجل، ما لم يكن مفهومًا وليس ضمن السياق الذي اعتاده الكاتب. بينما نجد في زاوية أخرى سيرة الروائية إيزابيل الليندي في كتابها «باولا»، حيث الجمال والطبيعة الساحرة يندمجان برحلتها الإنسانية الصادقة ليصبحا مرادفًا صريحًا للوطن والهوية: «تلك الرحلة المترعة بالمصاعب، وبالمخاطر الخفية، وبالعزلة المنشودة، وبجمال لا يمكن وصفه هي أشبه برحلة حياتي. إن هذه الذكرى مقدسة بالنسبة إليّ، إنها وطني، وهذا ما أعنيه عندما أقول تشيلي». المدن في نصوص السيرة شواهد حية تتقاطع مساراتها مع مصائر أصحابها، وتتحول جغرافيتها إلى جزء أصيل من تاريخ الشخصية وتشكل وعيها. نينغ كين يسجل سيرة بكين وتحولاتها العمرانية والاجتماعية من خلال يومياته وتفاصيل شوارعها، وتغدو تبدلات المدينة مقابلاً لتبدلاته الداخلية ونموه النفسي، وهذا الحضور المكاني يوجد عند رصد مزون البقمي في سيرتها السلوان الأبدي لمدينة جدة؛ فأحداث سيول جدة الشهيرة، وانقطاع السبل في الطرقات تندمج بالذاكرة الشخصية وتشهد من بعيد على مرحلة ما من سيرتها. كلا العملين يرصدان سيرة المدينة جنبًا إلى جنب مع السيرة الذاتية؛ العمران، والطقس، والحوادث العامة تتحد معًا في نسيج واحد، وتكشف كيف يعيش الإنسان داخل مدينته وتعيش المدينة في تفاصيل حكايته. التقاطع الأكثر عمقًا يظهر في كيفية اكتشاف الزمن والموت عبر تفاصيل الطفولة البريئة؛ فبينما يتعرف نينغ كين على فكرة الفناء وحركة الوقت بمراقبة عصفور حي يتحرك أمامه في بكين، نجد مزون البقمي في السلوان الأبدي تؤسس علاقتها بالزمن عبر مجسم منزلي ثابت، متمثل في عصفور خشبي يخرج من ساعة الجدار مع اكتمال الدقائق بصوت تيك تاك الرتيب: «أعلى الساعة بيت عصفور خشبي، عندما يدور عقرب الدقائق دورة كاملة من الوقت يخرج العصفور ويغرد كل ساعة صباحاً ومساءً... كنت أتأمل المكان كما هو ثابت وأنظر إلى يدي وأتساءل، انتهى الموضوع؟ أين ذهبت اللحظة؟ كانت هنا منذ قليل! تيك تاك». الحركة المنتظمة لهذا العصفور الخشبي تفتح في وجدان الطفلة أسئلة حية ومباشرة حول مصير اللحظات الهاربة؛ فتتحول دقات الساعة إلى مدخل لتأمل فكرة الحضور والغياب، وتتجمع طيور الزمن في مخيلتها لتعيد صياغة الوقائع، جاعلة من ثبات المكان دليلاً على تغير الإنسان وتبدل أحواله، وكلما أفاضت مزون بالتأمل أعادت صوت الساعة، تيك تاك، كإشارة نصية إلى الوقت، ومروره، وثباته الدائم، حيث لا يتوقف ولا يسرع من دورانه من أجل أي شيء. كتاب السلوان الأبدي يبدي لنا في معظمه سيرة انتباه واعية وتجربة تفكير حقيقية، لا تكتفي بتسجيل الأحداث الواقعية، بل تفكك الذاكرة لتعيد تركيبها من جديد. سنوات الطفولة الأولى في حياة مزون امتلأت بشغف صناعة الحكايات فوق سطح المنزل؛ الدوران المستمر وتأمل اتساع السماء والنجوم، كانا وسيلة لاقتناص القصص وتدوينها في دفاتر صغيرة قبل أن تتبخر، كما فعلت في سيرتها الذاتية لاحقاً! هذا الشغف المبكر تجسد في التفكير بمشروع مجلة مصورة برفقة الأخت وابنة العمة؛ تخطيط الأوراق بالمسطرة، ورسم المستطيلات لمحاكاة المجلات، واستخدام آلة الطابعة لنشر تلك القصص بين الأصدقاء. الحدث المفصلي الذي غيّر كل شيء، ويظهر حتى في عنوان سيرتها الذاتية، تمثل في وفاة الأب مع نهاية السنة السادسة الابتدائية؛ الصمت الطويل الذي أعقب الفقد الحاد كان بداية لمرحلة جديدة من الوعي، حيث فتحت القراءة والكتب أبواب السلوان والتعافي. الغرفة المغلقة وصوت المعزين في البيت دفعا الطفلة للاعتكاف بين الصفحات، والعودة نفسيًا إلى حالة ما قبل الفقد، حيث الحكاية هي العلامة الرابطة لتلك الأيام، لتكون الروايات حيّة لها يد حانية، كرواية هاري بوتر وعالم سيمبا في فيلم الأسد الملك، وتقدم دور العزاء الصادق الذي يفهم حزنها ويخاطب وحدتها، محولًا الألم في مرحلة مبكرة جدا على الوعي، إلى رغبة حقيقية في الفهم والاستيعاب. المسار الروحي والفكري يتطور في السلوان الأبدي مع نضج الفتاة وخروجها من عالم الطفلة المكلومة، عبر تجربة يمكن تطبيق النموذج الديكارتي عليها؛ قلق وجودي وأسئلة تمس الغاية من الحياة تبدأ في سن السابعة عشرة، وتأملات طويلة على سجادة الصلاة يرافقها شعور جسدي بالسحب والشد في الرقبة والتطهر، ثم تفكيك هادئ لمفهوم التدين والبحث عن السكينة، وصولًا إلى تركيب مستقر يجعل من الإيمان طريقًا مطمئنًا. النور يتحول مع الوقت إلى حضور داخلي دائم، يرافقها في قاعات كلية الصيدلة بجامعة الملك عبد العزيز، وأثناء فترة التدريب العملي في صيدلية المستشفى وسط الضغوط الصحية والكمامات الطبية لجائحة كورونا. «مزون العليا» تبرز في قلب هذه السيرة فكرة خارقة لتحقيق غرض عقلاني؛ كينونة بيضاء نقية تتجرد من فوضى الواقع وأثقاله، وتعيش في فضاء طيفي تلتقي فيه صور الذات القديمة، المزونات الصغيرات كما أسمتها، يلتقون معًا داخل النور لترتيب الأسئلة وفهم مسار العمر. السيرة تتحرك بسلاسة من اتساع العالم والمحيط العائلي نحو الكثافة العميقة في تفاصيل الجسد وأثره في الروح، ليكون الفن والكتابة النتيجة الطبيعية لهذا الانتباه المستمر لسيرة تظل مشرعة على التفكير، دون يقين منغلق، معيدة ترتيب الأسئلة في عقل القارئ وروحه، وتبرر بالمعاني الفائقة والقدرة الفنية على الكتابة، على أن السيرة الذاتية مشروع قد يحدث مبكرًا في حياة أيّ منا، ما دام يملك تجربة فريدة، ويستطيع تقديمها بشكل فريد، وهو ما قدمته مزون البقمي في سيرتها المبكرة، وقد رصدت فيها تجربة الفقد، والطفولة المغايرة، والانتقال من صخب المدن إلى القرى والعودة إلى المدن، وأشياء كثيرة تتبدل أثناء تلك التجارب. المراجع: فيليب لوجون، السيرة الذاتية، الميثاق والتاريخ الأدبي، ترجمة عمر حلي، المركز الثقافي العربي. ايزابيل الليندي، باولا، ترجمة صالح علماني، دار الآداب. نينغ كين، بكين المدينة والسنوات، ترجمة يارا المصري، دار روايات. مزون البقمي، السلوان الأبدي، دار رشم.