في مجموعة (أسمال لا تتذكر دم الفريسة) ..
محمد الحرز يفتح طريقاً للحجر حين يهوي إلى القاع.
يحمل محمد الحرز مأساة الشعر في قلبه، يعبر الشارع فتسقط منه قصيدة، يترك القصيدة في البيت، يطمئن لعدم شعورها بخروجه، إلا أنها تسبقه إلى المقهى. في المقهى يودّ محمد الحرز أن يأتي صديقٌ، لا ليتحدث إليه، بل ليجلس أمامه يستمع إلى صمته، صمته الذي يلجأ إليه وحيداً، وحيداً فقط، يصمت والأسى على الشعر يجلس بجانبه، متأسفاً على الشعراء الذين تركوا القصيدة، والذين غادروا المكتبة ولعنوا الكتب، ويقدم الاعتذار للكتب التي تركها الأصدقاء والتي قرروا أنهم لن يعودوا إليها، وعليه الآن أن يسدّ الفراغ الذي يحدث حين لا نقرأ، تركوا الكتب وتركوه يجلس الآن وحيداً في مقهى ليس بعيداً عن بيته، كي لا تشعر القصيدة بالغربة، كي تعود القصيدة إلى البيت سريعة متى ما ضجرت، تغادر إذا خلت اللقاءات من الشعر. في مجموعة (أسمال لا تتذكر دم الفريسة) للشاعر محمد الحرز يحضر الأصدقاء في أكثر من نصّ، في صفحة 9 هذه الجملة من نص الأصدقاء: (( هم وحدهم الذين يقاومون الموت بالكلام، وحدهم من يتلقّى نظراتنا قبل أن تصطدم بقعر الهاوية، ولا أظنك سوى واحد من هؤلاء الفريدين أيها الهواء)). يفاجئنا محمد بأنّ الهواء أيضاً صديق. يحضر الهواء شاهداً على تجربة الشاعر في الحياة، بل ومتفاعلاً في ما يجري الشاعر في حياته اليومية، ثم يبقى طويلاً في الذكريات (( فقط كانت أصواتهم تشقّ الهواء نصفين، وإلى الآن لم يشف الهواء، ولن يجد في صمغ الشجرة سوى تأجيل فكرة الموت)) صفحة ٢٩ في المجموعة الصادرة عن دار ميلاد - الطبعة الثانية - 2020 تحضر الذكريات كمادة خام في نصوص المجموعة، كتجربة ثرية في العودة إلى الطفولة والذاكرة التي تشكّل الثيمة الأغلب؛ وكذلك مفردات: الخطأ، الندم، السواد، الألم، الأوجاع هذه المفردات هي التي تحرك الشاعرية عند الحرز، في هذه المنطقة الهامشية للحياة دائماً وأبدا. الهواء أيضاً شريك في فخ الحياة، يقول: ((ربما نعبر أرضا قاحلة ؛ فيموت ظلنا من الجوع والتعب. لا شيء واضح على الإطلاق في الدرب الذي نسلكه نحن والهواء، وكشريكين متخاصمين هو يتمدد في الريح، وعلى غصون الأشجار ونحن على الذكريات التي لجأت إلينا كي نكتبها قصيدة لا تشير إلى أحد سوى إلى نفسها. لا شيء خاوٍ من اليقين، الخفة وحدها لا تميل إلى أي طرف، فالهواء والظل والفراغ ليست سوى حكاية الإنسان التي تقف على الحافة، عندما يتذكر بيته الأول.. عفواً فخه الأول)) يقترح الحرز شكلاً جديداً في نصوص المجموعة، سواء على مستوى الجملة أو السياقات، من الأنا إلى المجموع، ولذلك؛ هنا الأنا تحتمل رؤية جماعية أكثر منها (أنا) متذبذبة في الحياة اليومية، وتحتمل سياقات مختلفة في نصوص مختزلة ومختلفة في سياقها وفي نصوص أخرى هي حالة سردية تنتمي بشكل واضح إلى حالة نثرية. الكتابة هنا تشظي باتجاه أن تتحول الحياة إلى حالة من الديمومة من الكتابة، وهذا ما يستخدمه الحرز كتقنيةٍ بصورة لا واعية، وأن مفردة الكتابة دائما تفتح أبواباً كثيرة جدا، الكتابة لديه هي الهاجس الأكبر خلف كل النصوص، فقد كانت مفردة الكتابة هي قرينة للشاعرية لدى الحرز، هي الرغبة الشديدة في أن تكون الكتابة حاضرة بصورة يومية ودائمة، كونها المغذي للشريان الشعري في الكتابة، يؤمن محمد الحرز أن لكل شاعر مفردات تعيش معه منذ الطفولة وتكبر معه، وما هي إلا ثيمة ينوع عليها في كتاباتها، بعض المفردات موجودة في مجموعات شعرية سابقة، مثل (أخف من الريش أعمق من الألم) ١٩٩٩ ومجموع (سياج أقصر من الرغبات) ٢٠١٣ ولكنها في ((دم الفريسة)) تأتي أكثر نضجاً وتخففاً من علائق التجربة التي تجذب النصوص إلى النثرية، في هذه المجموعة نصوص تسبح في فضاء الشعرية بخفة وأكثر شفافية وصفاءً. هنا محاولة لتقريب اللغة الشعرية إلى الحياة اليومية دون السقوط في النثرية المفرطة.