قد يبدو الحديث عن الذاكرة النجدية في روايات كاتب نجدي أمرًا بدهيًا؛ فالكاتب ابن بيئته، يستمد منها أمكنته، وشخصياته، ولغته، وخبراته، ويعيد تشكيلها، وإنتاج ما اختزنته ذاكرته من تفاصيلها. ومن ثم قد لا يكون سؤال: لماذا تحضر نجد في روايات خالد اليوسف؟ سؤالًا نقديًا منتجًا في ذاته؛ لأن حضور المكان بمتعلقاته أمر متوقع. غير أن المسألة تصبح أكثر أهمية حين نغير وجهة السؤال من حضور نجد إلى الكيفية التي تتحول بها إلى ذاكرة سردية: ما الذي ينتقيه السرد منها ليحفظه؟ ومن الذي يُمنح حق تذكرها وتمثيلها؟ وما الذي يستعيده من حياة الناس مما قد لا يجد مكانه في السجل التاريخي الرسمي؟ فالأمكنة لا تبقى لأنها ثابتةٌ على الخرائط وحدها؛ إذ تحظى بمن يتذكرها، ومن يحمل حكاياتها، ومن يعيد سردها، وربما كانت تلك، في النهاية، إحدى وظائف الرواية: أن تمنح المكان حياة أخرى في الذاكرة. ومن هنا، لا تتعامل هذه القراءة مع نجد بوصفها من العلامات المحلية التي يسهل إحصاؤها في النص؛ إذ لا يكفي أن نجد البيت الطيني، والطعام النجدي الشعبي، أو اللهجة، أو أسماء الأماكن، أو العادات والتقاليد لنقرر أن الرواية قد استحضرت (البيئة النجدية)؛ فالأهم من حضور هذه العناصر الوظيفة التي تؤديها داخل فعل التذكر، فقراءة روايات اليوسف تكشف أن الذاكرة النجدية لا تستقر في صورة واحدة، ولا يحملها دائمًا الأشخاص المتوقعون، ولا تبقى داخل حدود نجد نفسها. ومن هنا، تتوقف هذه القراءة عند ثلاث روايات هي: نساء البخور، وارتحالات يعقوب النجدي، وقبل أن تعزف موسيقاها بقليل؛ لا بقصد تقصي حضور نجد في تجربة اليوسف الروائية، وإنما للكشف عن ثلاث طرائق مختلفة يعمل بها السرد على إنتاج ذاكرتها. وعلى هذا فالسؤال الذي تنطلق منه القراءة ليس: أين نجدُ نجدًا في روايات خالد اليوسف؟ وإنما: أي نجد يتذكرها السرد؟ وكيف يتذكرها؟ ومن يحمل ذاكرتها؟ للحديث عن الطرائق المختلفة التي يجعل بها السرد ما هو معرض للنسيان قابلًا للتذكر. ولا تتعامل القراءة مع هذه الروايات بوصفها روايات تاريخية بالضرورة، وإن استعادت أزمنة، ووقائع، وتحولات من ماضي نجد؛ إذ يختلف استحضار التاريخ عن اشتغال الذاكرة، فالتاريخ يتجه- في أحد وجوهه- إلى إعادة بناء ما حدث، بينما تنشغل الذاكرة بكيفية بقاء الماضي في وعي الأفراد والجماعات، وبما يُنتقى منه للحفظ، أو يتعرض للنسيان، ومن هنا لا تسأل القراءة عن مقدار ما وثقته روايات اليوسف من تاريخ نجد بقدر ما تسأل عن الكيفية التي حول بها السرد بعض أمكنتها، وشخصياتها، وممارساتها، وفنونها إلى حوامل للذاكرة. ولا يعني ذلك الفصل بين التاريخ والذاكرة؛ فهما عادة يتداخلان، غير أن زاوية النظر هي التي تختلف؛ فما يعنينا ليس الماضي لأنه وقع فحسب، وإنما الماضي كما يُتذكر، ويُنقل، ويُعاد تشكيله سرديًا. ولا تميل القراءة إلى أن يكون مفهوم الذاكرة مرادفًا للتراث؛ فالتراث يشير إلى ما تتوارثه الجماعة من ممارسات، ورموز، ومعارف، أما الذاكرة- كما تُقرأ هنا- فتتصل بالكيفية التي يستعيد بها السرد ذلك الموروث، وينتقي عناصره منه، ويمنحها دلالات جديدة. • نساء البخور: الذاكرة التي لا يكتبها التاريخ لقد تنبهت القراءات السابقة للرواية إلى مركزية (سوق المقيبرة)، وإلى فاعلية المرأة وتنوع الشخصيات، غير أن استعادة الرواية للمقيبرة يمكن قراءتها من منظور الذاكرة، بوصفها أوسع من تمثيل المكان، أو إبراز مكانة المرأة أو قوتها؛ فالسوق يتحول إلى أرشيف للحياة اليومية التي تقع عادة خارج التاريخ المدون. ولا تستعاد نجد ومنها الرياض بالطريقة التي يستعيد بها المؤرخ مدينة مضت، وإنما تستعيد الرواية ما يمكن تسميته الذاكرة المعيشة للمكان. يميز المؤرخ الفرنسي (بيير نورا (Pierre Noraبين التاريخ بوصفه إعادة بناء لما مضى، والذاكرة بوصفها خبرة حية تحملها الجماعات، ومن طبيعة الذاكرة أن تعيش في وجدان الجماعات الحية وتتطور باستمرار، وهي مرتبطة بالشعور والانتماء كما تقبل التعديل، وتكون عفوية لا تحتاج إلى أدلة لتثبت وجودها، مشيرًا إلى أهمية أماكن الذاكرة التي تمثل رموزًا تلجأ إليها المجتمعات الحديثة لحفظ ما تبقى من ذاكرتها الجماعية بعد أن تراجع التذكر العفوي لصالح التاريخ المكتوب (سعيد هادف، التاريخ والذاكرة: التداخل والتمايز، صحيفة الوطن، الاثنين 4 ربيع الثاني 1446، 7 أكتوبر 2024)؛ لذا فإن سوق المقيبرة لا يبدو مجرد مكان قديم تستعيده الرواية، بل هو مكان للذاكرة بالمعنى الذي تتكثف فيه خبرات جماعة كاملة، وهنا يصبح العنوان الرافد لعنوان الرواية في هذا التبويب(الذاكرة التي لا يكتبها التاريخ) مسنودًا بمفهوم نقدي لا مجرد استعارة فحسب. كما يميز عالم الحضارات الألماني (يان أسمان Jan Assmann) بين الذاكرة التواصلية والذاكرة الثقافية، فالأولى تعيش في التواصل اليومي غير الرسمي، ولا تعتمد بالضرورة على مؤسسات، أو متخصصين، أو وثائق ثابته، أما الثانية فتتصل بأشكال أكثر ثباتًا وتنظيمًا في حفظ الماضي ونقله (الحسن أسويق، في الذاكرة الثقافية، الموجة الثقافية، فكر ونقد، 16 يناير 2016). وتقترب رواية (نساء البخور) مما يسميه أسمان (الذاكرة التواصلية) أي الذاكرة التي تعيش في التواصل اليومي، والممارسات غير الرسمية، وحين يستعيدها السرد، فإنه ينقل جانبًا منها من هشاشة الذاكرة اليومية إلى بقاء النص الأدبي. وإذا كانت الذاكرة تُبنى عادة حول الأحداث الكبرى، والشخصيات العامة، والتحولات التي تجد طريقها إلى كتب التاريخ، فإن اليوسف في هذه الرواية يختار مدخلًا آخر إلى ذاكرة نجد؛ إذ يتجه إلى ما يقع خارج دائرة الحدث الكبير، إلى الحياة اليومية التي تمضي عادة دون أن تترك وراءها وثائق كثيرة، ويجعل من سوق(المقيبرة) ونسائه فضاء لاستعادة جانب من ذاكرة الرياض القديمة، لا كما تسجلها الوقائع الرسمية، وإنما كما عاشتها نساء يعملن، ويبعن، ويتداوين، ويتبادلن الخبرات، وينظمن علاقاتهن داخل السوق وخارجه. ومن هنا، لا تبدو التفاصيل الكثيرة التي تعرضها الرواية عن الحناء، والمشاط، والمرة، والحلتيت، والخلطات العلاجية، وعن الخياطة، والعطارة، وطهي الطعام، والخطبة، والمعالجة الشعبية مجرد رغبة في تزيين النص بمفردات هي جزء من ذاكرة المكان، لأنها تستعيد معرفة يومية كانت النساء يحملنها معرفة بالجسد، والزينة، والعلاج، والطعام، واللباس، والزواج، والعلاقات الاجتماعية، وبذلك يتحول السوق إلى ما يشبه أرشيفًا حيًا، لا تحفظه الوثيقة، وإنما تحفظه الممارسة، والحكاية، وذاكرة النساء خاصة. وتبرز (مريم الورقاء) في قلب هذه العالم بوصفها أكثر شخصية نسائية لافتة؛ فهي المنحدرة من بادية نجد والمتمسكة بأصولها، وهي التي تتحول داخل المقيبرة إلى صاحبة سلطة فعلية، وهي سلطة لا تستمد مشروعيتها من منصب رسمي، وإنما من حضورها داخل الجماعة، وقدرتها على إدارة السوق وتنظيمه. وهنا تستعيد الرواية شكلًا من التنظيم الأهلي السابق لاتساع المؤسسة الحديثة، وتعيد إلى الذاكرة أسماء أشخاص لم يكن من المعتاد أن يكونوا أبطالًا في التاريخ المدون. لكن (المقيبرة) ليست فضاء نجديًا مغلقًا على صورة واحدة للهوية كما يتوقع؛ فهي تجمع البدويات والحضريات، ونساء من طبقات اجتماعية مختلفة، كما يدخل في نسيجها وافدون مثل سعيد وشهاب اليمنيين، ولهذا يمكن النظر إلى السوق بوصفه صورة مصغرة لمجتمع المدينة في تنوعه وتفاعله؛ فالذاكرة النجدية التي تستعيدها الرواية ليست ذاكرة نقاء وعزلة، وإنما ذاكرة حياة تشكلت باللقاء والتبادل. وتزداد هذه الفكرة وضوحًا حين تضع الرواية عالم النساء إلى جوار عالم الرجال، فتفرق بين انشغال الرجال بالحرب، والجلوس في المقاهي لتتبع الأخبار، وغياب الحرب عن نساء لا يتجاوز عالم كثير منهن البيت، وسوق المقيبرة. وليس معنى ذلك أن النساء خارج التاريخ، وإنما المقصود أنهن كن يعشن تاريخًا آخر؛ فهناك تاريخ العمل، والزواج، والولادة، والعلاج، والمرض، والبيع والشراء، والعلاقات اليومية كما أسلفت. وهنا تحديدًا تتضح وظيفة الذاكرة في نساء البخور؛ فالرواية لا تنافس التاريخ في تسجيل أحداثه الكبرى، وإنما تتجه إلى ما يتركه التاريخ وراءه، حين تحفظ ذاكرة الحياة اليومية، وتجعل نساء المقيبرة، بمهنهن ومعارفهن وعلاقاتهن وألقابهن، حاملات لذاكرة اجتماعية لمدينة تتغير وما زالت، ولذلك لا تصبح قيمة التفاصيل في قدمها أو طابعها التراثي، وإنما في كونها بقايا نظام حياة كامل قد لا يبقى منه، بعد تغير المكان وأهله، إلا ما يستطيع السرد أن يستعيده. • ارتحالات يعقوب النجدي: الذاكرة وهوية المرتحل ربطت القراءات النقدية السابقة الرواية بتحولات الفضاء والاسترجاع والتاريخ، غير أن صفة النجدي في العنوان تسمح بالذهاب إلى أبعد من ذلك بكثير؛ إذ يصبح الارتحال اختيارًا لما يحدث لهوية المكان عندما يحملها الإنسان من مكان إلى آخر، وإذا كان الارتحال قد قُرئ بوصفه تحولًا في الفضاء والشخصية، فإن قراءة الرواية من منظور الذاكرة تكشف تحولًا آخر؛ فالمكان الذي يحمله يعقوب النجدي معه لا يبقى كما هو، كما أن الأمكنة التي يرتحل إليها تترك أثرها فيه أيضًا. يرى عالم الاجتماع الفرنسي (موريس هالبواكس Maurice Halbwachs) أن الذاكرة الفردية لا تعمل في فراغ، وإنما تتشكل داخل أطر اجتماعية مثل: الأسرة، والدين، والطبقة الاجتماعية، وهي ذاكرة انتقائية بطبيعتها، لكنها تختلف عن التاريخ الذي يعد إعادة بناء نقدية موضوعية للماضي بعد انقطاع الذاكرة الحية (الأطر الاجتماعية للذاكرة، ترجمة: ناهد عبدالحميد إبراهيم، المركز القومي للترجمة، 2026) فالذاكرة التواصلية واستمرارها يرتبط باستمرار الروابط والأطر الاجتماعية. ولعل هذا الفهم للذاكرة يمكن أن يكون مفيدًا في قراءة ذاكرة رواية (ارتحالات يعقوب النجدي) فيعقوب لا يتذكر موطنه(الزليفات) منفردًا؛ فالجماعة تشاركه فعل التذكر وتفرضه عليه أحيانًا، ورفاقه يستعيدون المكان أمامه، وأبناء الزليفات يعيدون تشكيله خارج حدوده، حتى يصبح رفض يعقوب الشخصي للعودة عاجزًا عن إلغاء الذاكرة التي تحملها الجماعة. وإذا كانت (نساء البخور) تبني ذاكرة نجد من داخل المكان، فإن (ارتحالات يعقوب النجدي) تبني هذه الذاكرة من داخله وخارجه؛ فالرواية تبدأ بيعقوب شيخًا، ثم ترتد إلى ماضيه، لتصبح الرحلة في المكان مصحوبة دائمًا برحلة عكسية في الزمن؛ فيتحرك يعقوب بعيدًا، فيما تعيده الذاكرة إلى الأمكنة التي خلفها وراءه. ومن هنا، لا تبدو الارتحالات انتقالات جغرافية فحسب، وإنما تكون اختبارًا مستمرًا لعلاقة الإنسان بالمكان الذي خرج منه. تبدأ هذه العلاقة من (الزليفات) الموطن النجدي الأول الذي غادره يعقوب مع رفاقه أو إخوته من الرضاعة هربًا من المجاعة، والخوف من الهلاك والتشدد ربما، ولا تستعيد الرواية المكان بوصفه موطنًا مهجورًا، وإنما تستعيد فيه نظام عيش كامل، لتصبح الذاكرة مستودعًا لتفاصيل الحياة التي صنع منها المكان هويته. غير أن علاقة يعقوب بهذا الموطن لا تقوم على الحنين الصافي إليه؛ ففي حين يقرر الآخرون العودة، والاعتذار عن الهروب المفاجئ منه، يرفض هو العودة، ويبدو حانقًا عليه. فهذا المكان النجدي يحمل مشاعر متضادة تجمع الحب والكره، والحزن والفرح. لذلك لا تقدم الذاكرة هنا صورة مثالية للمكان القديم؛ إذ هو موطن النفود الأحمر، والوديان بعد المطر، والنخيل والغدران، لكنه أيضًا موطن المجاعة، والتشدد، وتجارب الفقد التي دفعت أبناءه إلى الرحيل، وبذلك يصبح التذكر قادرًا على الاحتفاظ بالجمال والجرح في آن واحد. تتسع الرحلة من الزليفات إلى العارض، فتكتشف الشخصية داخل نجد نفسها اختلاف الأمكنة، وأنماط العمران؛ من الأزقة الضيقة، والبيوت المتلاصقة، إلى اختلاف الأحياء والأسواق، ومنها المقيبرة التي ستظهر هنا من منظور مختلف عن ظهورها في (نساء البخور). وهنا تكشف الرحلة أن نجدًا ليست صورة واحدة متجانسة؛ فالاختلاف في نمط الحياة يجعل النجدي يكتشف تعدد نجد من داخلها. لكن الدلالة الأعمق للارتحال تظهر حين تتجاوز الرحلة نجدًا إلى الكويت، والزبير، والبصرة، وبلاد الشام وغيرها، لتكون محطات ارتحال النجديين، فكلما ظن يعقوب أنه ابتعد عن موطنه، عثر على أثر منه في المكان الجديد. وفي الكويت يُفاجأ بكثرة أبناء موطنه إلى الحد الذي يجعله يتخيل أنه عاد إليها، وفي الزبير يرى ملامح الزليفات وسدير وغيرها، حتى تبدو من منظور الرواية فضاء تجتمع فيه أجزاء من نجد خارج حدودها الجغرافية. ومن هنا، تكتسب عبارة مثل» ما من أرض تطؤها قدمي إلا وأجد فيها ابنًا من زليفات» دلالة تتجاوز المصادفة؛ فالزليفات لم تعد بلدة ثابتة تركها يعقوب وراءه، لقد تحولت من خلال أبنائها المهاجرين إلى مكان محمول ينتشر معهم، وتغدو اللهجة، وملامح الوجوه، وبيوت الجماعة، وبعض العادات وسائل تستطيع بها الذاكرة إعادة إنتاج الموطن بعيدًا عن أرضه. وتغدو هذه العبارة أكثر من وصف للهجرة؛ إنها شاهد على الإطار الاجتماعي للذاكرة. والمفارقة أن يعقوب الذي يرفض العودة إلى الزليفات لا يستطيع الإفلات منها؛ يذكره بها رفاقه، ويتأثر بوصفها، وتوقظ لوحات الطريق اسمها في داخله. وكأن الرواية تقيم مسافة بين العودة إلى المكان عودة واقعية والعودة بالذاكرة، يستطيع يعقوب أن يرفض الأولى، لكنه لا يستطيع منع الثانية. ومن ثم؛ فإن كراهيته للمكان- إن بدا الأمر كذلك- لا تعني نسيانه، لكنها تكشف مقدار حضوره فيه، فالذاكرة هنا ليست مرادفة للحنين، وإنما قد تكون ذاكرة مقاومة تستعيد ما تحاول الشخصية دفعه بعيدًا عنها. غير أن أجمل مفارقات الرواية تتشكل بين عنوانها والاسم الذي يطلق على يعقوب بعد استقراره في الكويت ثم خروجه منها، فالرواية تسميه النجدي، ويصبح عند عودته إلى نجد (يعقوب الكويتي) وبين التسميتين تتلخص تجربة الارتحال كلها: حين يخرج الإنسان حاملًا اسم موطنه، ثم تترك الأمكنة التي عاش فيها أسماءها عليه، فلا يعود المكان الأول وحده قادرًا على تعريفه، ولا يمحو المكان الجديد ذاكرته السابقة. وهكذا تصبح هوية يعقوب هوية تراكمية صنعتها الأمكنة التي عاش فيها؛ فالنجدي الذي حمل نجدًا إلى الخارج يعود إليها وقد حمل الخارج معه، ومن هنا، لا تسأل الرواية أين ينتمي يعقوب فحسب؟ وإنما تكشف أن الارتحال نفسه يعيد تشكيل معنى الانتماء أيضًا. • قبل أن تعزف موسيقاها بقليل: الذاكرة الفنية من الهامش إلى الاعتراف إذا كانت (نساء البخور) تستعيد ذاكرة الحياة اليومية، و(ارتحالات يعقوب النجدي) تختبر الذاكرة في الارتحال، فإن هذه الرواية تنقل السؤال إلى مجال مختلف هو الفن والموسيقا. وهنا لا تظهر نجد في البيوت، والأسواق، والطرق وحدها، وإنما في لون فني حملته جماعات وأفراد، وظل زمنًا واقعًا تحت وطأة موقف اجتماعي متحفظ من الغناء وأهله. ولـ (يان أسمان (Jan Assman رأي يمكن أن نستند إليه هنا، فالذاكرة الثقافية لديه لا تحفظ نفسها بالأفكار فقط، وإنما تحتاج إلى أشكال، وممارسات، ووسائط للتخزين والتكرار ( الحسن أسويق، في الذاكرة الثقافية، مرجع سابق ) وهذا يتسق مع الفن في هذه الرواية، فهو ذاكرة تُؤدى، يحتاج إلى أجساد، وأصوات، وإيقاع، وجماعة، ومكان، وتكرار. وإذا كانت القراءات السابقة للرواية قد قرأتها بوصفها سردًا للتحول الموسيقي، والانتقال نحو الاحتفاء بالفن، فإن منظور الذاكرة يكشف مفارقة أخرى: الفن النجدي يحضر في الرواية حتى حين يغيب أداؤه؛ فالليلة النجدية المؤجلة ثم الملغاة لا تمثل فراغًا سرديًا، وإنما تجعل الذاكرة الفنية حاضرة في غيابها وانتظارها. تتمركز الرواية حول مبارك بن هدب، الهاوي للموسيقا، والمعجب بالموسيقي العالمي (ياني كريسماليس)، والحالم بأن يلتقي به، ويطلعه على التراث الموسيقي لبلاده. ومنذ بناء الشخصية تثير الرواية مسألة لافتة؛ فمبارك ذو البشرة السمراء التي يصفها السرد حصيلة اختلاط أعراق مختلفة، يصبح واحدًا من أبرز حملة الفن الشعبي في نجد. وتكتسب هذه المسألة أهميتها حين يستعيد النص موقفًا اجتماعيًا كان يربط بعض ألوان الغناء بفئات بعينها، وهو ما يظهر بوضوح في موقف الأب الرافض لأن يوصف هذا الفن بأنه لعبيد الدواسر، فضلًا عن رفضه الغناء نفسه بوصفه طريقًا لا ينفع صاحبه؛ يقطع الرزق، ويستهلك العمر. ولا تقدم الرواية هذا الموقف بوصفه رأيًا فرديًا معزولًا، وإنما تضعه داخل ذاكرة اجتماعية أوسع لعلاقة الفن بالقبول والرفض، فمبارك، على الرغم من اعتراض والده، يمضي مع فرق السامري التي تجوب الأرض النجدية، ويظهر بيت أم خلوي في منفوحة فضاء يجتمع فيه عشاق الطرب والفن الشعبي، وهنا تحفظ الرواية ذاكرة الفن في أمكنته غير الرسمية قبل أن يصبح جزءًا من مشهد فني أكثر تنظيمًا واعترافًا. ويكتسب انتقال مبارك إلى العسكرية دلالة خاصة في هذا السياق؛ فهو يلتحق بها استجابة لرغبة والده، لكن ميله إلى الطرب وإتقانه للعزف يقوده بقرار من قائده مع عدد من زملائه إلى معهد الموسيقا، وكأن المسار الذي حاول الأب إغلاقه يعود إلى مبارك من داخل المؤسسة نفسها، وبذلك يتحرك الفن من الهواية، والممارسة الاجتماعية المحاطة بالتحفظ إلى التدريب، والاحتراف، والاعتراف المؤسسي. غير أن الذاكرة الفنية النجدية لا تبقى محصورة داخل نجد. فمبارك يلتقي في القاهرة بفنانه المفضل، الذي يبدي حماسًا إلى زيارة السعودية، والتعرف على فنونها، ثم تستضيف المجموعة هذا الفنان الموسيقي في فضاء يتخذ طابعًا نجديًا في المجلس، والضيافة، والأطعمة، لكنه ينفتح إلى خارجها في أقطاب محلية أخرى. وتبلغ الرواية ذروة هذه الفكرة عندما يتفق الأصدقاء المنتمون إلى مناطق مختلفة من السعودية، على أن يقدم كل واحد منهم فن منطقته في ليلة مستقلة: الحجاز، والشمال، وعسير، وجازان، ونجد، غير أن الليلة النجدية قُرر لها أن تكون الخاتمة، ثم تطرأ ظروف تجعل ياني يقرر المغادرة قبل موعدها، وعندئذ يعاتبه مبارك متسائلًا في معنى احتجاجه: كيف تغادر قبل أن تستمتع بالليلة النجدية؟ وهنا تتحول الليلة التي لم تأت إلى واحدة من أكثر مفارقات الرواية دلالة؛ فالفنون المناطقية الأخرى تحضر بأدائها، بينما تبقى الذاكرة الفنية النجدية مؤجلة. غير أن هذا الغياب لا يلغي وجودها، فالليلة النجدية حاضرة بغيابها. ويزداد هذا الغياب إثارة لأن حامل هذه الذاكرة الفنية(مبارك) لا يقدم بوصفه أنموذجًا بسيطًا للنجدي المرتبط بنسب محلي صافٍ؛ فالسرد -كما أسلفت- يشير إلى تعدد الأعراق في دمه وبشرته. وهنا يمكن أن نقرأ اختيار الشخصية بعيدًا عن التصنيف العرقي المباشر؛ فالذاكرة الثقافية لا يشترط أن يحملها من يمثل المكان بالنسب، وإنما من يمارس ثقافته، ويحفظ فنونه وينقلها إلى الآخرين، فمبارك ينتمي إلى الفن الذي يحمله بقدر ما ينتمي الفن إلى الجغرافيا التي نشأ فيها. وهكذا، لا تستعيد روايات خالد اليوسف نجدًا بوصفها ماضيًا مكتملًا محفوظًا في مستودع واحد؛ فالذاكرة موزعة بين السوق، والطريق، والبيت، والصوت، والجسد، والجماعة، وما تمنحه الرواية لهذه العناصر ليس مجرد الحضور، وإنما القدرة على أن تصبح حوامل لذاكرة مهددة بالغياب. ففي (نساء البخور) ينقذ السرد من النسيان معرفة الحياة اليومية التي لا تدخل عادة في التاريخ الرسمي، وفي (ارتحالات يعقوب النجدي) يحرر المكان من حدوده الجغرافية ليصبح ذاكرة تحملها الجماعة والمرتحل نفسه، وفي (قبل أن تعزف موسيقاها بقليل) لا يكون الفن وسيطًا لذاكرة تستمر بالأداء، وإنما تحضر حتى حين يتعذر الأداء نفسه. لتجيب عن أسئلة متشابكة: من يحمل ذاكرة نجد؟ وبأي وسيط ممكن؟ وما الذي كان يمكن أن ينسى لولا أن السرد احتفظ به؟ كما تكشف الروايات الثلاث أن الذاكرة النجدية عند اليوسف تنشط خاصة عند حواف الفقد؛ فحين يوشك نمط من الحياة على الزوال، أو يغادر الإنسان مكانه، أو ينتقل الفن من فضاء اجتماعي إلى آخر؛ وكأن فعل السرد يبدأ حين يصبح النسيان ممكنًا.