أحداثُ الماضي تعود مجدداً بأشكال مختلفة، حيثُ فكرة التكرار لا تغيبُ عن الأذهان، فالتاريخُ يكرر نفسهُ وأحداثه، وكأنَّ البشر لا يتعلَّمون من أخطائِهم، وهذا ما تحاولُ رواية «دم ملوَّث بالطين» للكاتبِ عبد الله أحمد نفيه والابتعادَ عنه، إذ تطرحُ فكرة تجاوز أحداثِ الماضي وعدم الرجوعِ إليها. تستعيدُ الرواية حادِثة لا تنتمِي للدولة السعوديَّة بعد توحيدها، حيث انتشرَت وشاعت تحت اسمِ «وقْعة الشَّربة»، تحكي عن رجلٍ «بدوي» طلب شربةَ ماء خلال تجوالهِ في السوق، ولما رفضَ دفع ثمنِها حصل نزاعٌ وتلاسنٌ بينه وبين البائع، انتهى بقتلِ البدوي ومطالبة قبيلتهِ بالثأر؛ لتسوءَ الأوضاع وتتَّجه ناحية الصِّدام بين القبيلة وأهلِ «القطيف». تطرحُ الرواية فكرة العيشِ المشترك بين مكوِّنات مجتمع الجزيرةِ العربية قبل توحِيد المملكة، متخذة من القطيفِ مثالاً على «هشاشة» العيشِ وانفلات الأمن ِوعدم القدرة على ضبطِه، رغم تواجدِ الجنود «الأتراكِ والبريطانيين»، ليتبيَّن أنهم من أسبابِ المشكلة. يحضرُ الزمن بصفته عاملاً مساعداً، فالأحداث تسيرُ وفق تقاطُعات متعدِّدة لا يجمعها سوى المكَان، الذي يديرُ الحدث ويصنعُ البداياتِ والنهايات؛ حتى غدا بؤرةَ الصراع بين الأتراكِ والبريطانيين: «في تلك الفترة كانت المنطقة كاملة تمر بضائقة اقتصادية، وكل من الغني والفقير يحسان بوطأتها، بسبب اختلال الأمن وضعف حماية القوى العسكرية لأهالي القرى». الضَّعف العسكري والانفلاتُ الأمني انعكسَ على «جزيرة تاروت»، التي غدَت ساحة لصراع النُّفوذ وامتلاك الموارد؛ أولاً بسبب قُربها من الهند وحاجةِ بريطانيا للشواطئ من أجل التحكُّم في طرُق التجارة، وثانياً بسبب ثرائِها نتيجة صيدِ اللؤلؤ ووفرة الإنتاجِ الزراعي وهو ما يعني مبلغاً ضخماً يُدفع للدولة التركيَّة نظير حمايتها، ورُغم ذلك لم يحصَل الاستقرار والأمانُ التام، إذ ظهرَ أشخاص مارسوا السَّطو والسرقة وقطعَ الطرق: «أحد الذين لهم تأثير كبير في تغيير مجريات الأمور خارج القرية هو «أحمد بن شجاع». رجل أثار وجوده القلق بيننا».الموقعُ الجغرافي اكتسب دورَ البطولة في تسييرِ الأحداث وإدارةِ الصراعات، سواء بينَ القوى العالميَّة أو بين القوى المحليَّة، وهذا الأمر أدَّى إلى تراجع أدوارِ الشخصيات، واكتفائِها بأدوار ثانويَّة في الصِّراع الجاري على الهيمَنة والنُّفوذ؛ ما يشيرُ إلى انخفاضِ الوعي الجمَاعي والفردي، حيثُ يأتي دائماً متأخراً وفي صورة ندمٍ على الماضي: «حال القرية بعد حادثة الرجل الذي لم يدفع ثمن كوب الماء، لو كنت بالغاً حينها لاستطعت التحكم بغضبي ولم أفعل ما فعلته، تماديت في الأمر حتى حرضت الجميع على الأخذ بحقي، ولم أنل بعدها أي شيء ذي قيمة، لم ننل سوى الحزن». تراجُعُ أدوار الشخصيات أتاحَ الانتقال السَّريع للأحداث، إذ الأهميَّة تمثَّلت في مراكمة التفاصِيل، ثم العملِ على ربطِها بـ»وقْعة الشَّربة»، وهو الفعلُ الذي قامَ به الراوي، بعد مشاهدته ومعايشته للعديدِ من التفاصِيل والأحدَاث: «في تلك اللحظة التي كانت روحي فيها خارج الزمن، عادت روح أخرى للحياة، حين رأيتها فكرت في سؤال طرأ فجأة كيف يمكن للموت والحياة أن يتعاقبان ويلعبان لعبة الظهور والاختفاء القبيحة هذه؟». العودةُ بالزمن والانتقالُ إلى مرحلة ماضِيَة؛ أدَّى إلى المقارنة بينَهما، فحين رسمَت صورة تاريخيَّة عادت الأذهان إليها للمقارنةِ بينها وبين ما يحدثُ اليوم، وهي الفكرةُ الأساسية للرواية، التي ابتدأَت مع رفضِ دفع ثمنِ «كوب الماء»، وانتهت بقتلِ شخصٍ وحصول غارات وثاراتٍ بسببه: «فقدنا أرواحًا لن تعوض، وما أحمد أخيك إلا خسارة واحدة من عدة خسارات أصابتنا لأننا لوثنا أيدينا بالدم، والدم قاضٍ صارم لا يغفر ذنبًا ما، ولا يُكفر عنه إلا بدم مماثل له». المقارنةُ بين الزمنين أعادت طرحَ فكرة تدويرِ الزمن وإعادةِ تكراره، فالحدثُ يستدعي الحدث الذي يشبههُ في الفعل والنتيجة، وهوَ ما عمِلت الرواية على نفيهِ وإلغائه، فما قبلَ التوحيد انتشرَت الغارات والصِّراعات، أما بعدَ التوحيد فحلَّ الانسجام والتوافقُ والعيش المشتركُ: «قضية الشربة قد اندلعت أحداثها يوم الخميس 18 جمادي الأولى عام 1326هـ، الموافق 18 يونيو 1908م، وتطورت بعد الصراع الذي جرى بين ابن القطيف والرجل الآخر من البادية بسبب أن جماعات الصحراء كانت لها نفوذ تسلب أبناء المنطقة حقوقها، وقد تبين أن هناك اتفاقات نفعية بينهم وبين القوات البريطانية التي استعمرت جزء من الجزر المحيطة بالقطيف آنذاك؛ لذا بعد الاعتداءات الكثيرة على القطيف اندلعت الحرب بين الفئتين بعد أن كانت مجرد عراك صغير». الاشتغالُ على الذاكرة والانتقالُ بها من مرحلةٍ إلى أخرى، هو ما تمَّ استثماره والاستفادةُ منه، عبر التركيزِ على القصص والتفاصيلِ الهامشية، التي انتهَت بسيطرة المكانِ وصناعته للمعنى؛ ليصبحَ البطل الرئيس وصاحبَ اليد العليا في توجيهِ الأحداثِ والدلالة.