في الإشارات المعتادة إلى العلاقة بين الشكل والمعنى في النص الشعري بكل أشكاله؛ تبرز أوجه مختلفة لأدوات تحقيق المعنى، وبعيدا عن الهويّة الشعريّة التي أتمسّك أنا بها كثيرا في تعيين الأشكال الأدبيّة؛ خاصّة تلك التي تقترب كثير من الشكل الشعري بشكله الفنيّ في موجة انفتاح الأشكال الأدبيّة على بعضها؛ أقول بعيدا عن الهويّة الشعريّة تصنع شعريّة اللغة مناخات معنويّة تمنحها تراكيب الخطاب الفني القدرة على خلق منطلقات تفسير ورؤى متعددة أشكال العلاقات بين الدّوال والمدلول، وقد حاول الأدب ـ كما يقول صاحبا ( نظريّة الأدب ) وليك وآرون ـ على وجه التخصيص في بعض الأحيان أنْ يحقّق الأثر الذي يحدثه فنّ الرسم والتصوير، وأن يصبح رسما بالكلمات وأن يحدث أثرا شبيها بأثر الموسيقى، بل إن الأدب اتّخذ سبيل النحت؛ في تأكيد على قدرة الأدب بلغته الشعريّة أن التماهي في عوالم التعبير ببناء شبكات العلاقات المختلفة. في ما تكتبه هدى عبدالله من شكل أدبيّ ـ على الرغم من شتات النوع وبساطة الخطاب ـ نجد المخاطب مذنبا توزّع عليه في تجاربها تُههما تختلف باختلاف الذنب، تحاول أن ترصد مواقفه لتحدد نوع عقابه. ففي ( عاطفة) في كتابها ( مقطورة من طين في موكب ) يأتي المذنب مضحيا؛ متقدما بتضحياته التي تعترف بها رقيقة متواضعة أمام جليل تضحياته : أرجوك كفْ عن إعطائي ما تملك / كفْ عن مضايقة قلبكَ بي، واتعابه / كف عن ضغطِ مشاعركَ بي، ومشاعري تتألم للطافتك لا أكثر. / حاولْ فهمي قليلا إنّي لا أصلُح لعبيركَ قَطْ، / ولا أصلح لكَ أبَدا؛ / لأن وريدي لم يهتفْ بك، ولم ينفَتِح صماصِمي لحبّك فيأتي تكرار الكثير من التراكيب واللازمات الملفوظة لتصعيد خطاب الرجاء بأسلوب الأمر الجامع بين القسوة والضعف أمام المذنب؛ مثل : ( كفْ عن، إني لا أصلح، ولا أصلح، لم ) وغيرها، وإذا أجلنا النظر في تراكيب المقطع السابق نجد التوزيع الخطابيّ جامعا بين ضعف المتكلم وسطوة المخاطب المذنب أمام تداخل تراكيب المقطع فنيّا، وهو توزيع ـ بعيدا عن شكله الأدبيّ ـ يضع الطرفين على حافتين متوازيتين، وهو ما يستدعيه المذنب المقلّد للفاعليّة الفنّيّة، وكأن الجوانب النفسيّة في التركيب تضع الذات اللائمة في قفص الاتّهام انعكاسا للتعلّق الذي تجني منه النكران أو التّجاوز، ليتحوّل الأمر بعد ذلك إلى اعتراف ضمني قبالة المذنب العاكس للذات. أقسمُ أني أجرحُ بالذنب الذي أشعر به. / أحس بما تشعر به، / ولكن لا استطيع صدقا، / فاتّساع حجراتي لمْ يُلائمك حقيقة، ولم يقتنع بك بداخله / ... / أعرني غيابك لي / ونسياني أرجوك، / أعلمُ أنّ ترابك قد جرح ومات جرحا، / فاجعلني من هامشك التليد. في نصّ ( غزو بارد ) بكتابها الثاني ( ختمٌ على قافية النسيان )، يأتي شكل الاعتراف أمام المذنب الفنيّ مختلفا مقارنة بالنماذج التي استعرضنا فيها الظاهرة؛ إنها انتصار للذات اللائمة، وهي تتابع في تراكيب نثريّة تقترب من القصّ ساردة التّحول انتصارا وجنوحا إلى التّحرر والتّطوّر، وكأنّ الكتابة بهذا الشكل النثريّ السّرديّ يعكس رغبة الذات اللائمة في التحرر من قيد ألم الارتباط بالمذنب، وفي أكثر من نصّ يأتي التوازي قوة تتدفّق في بنية الخطاب، وهو على الرغم من بساطته لكنّه يشيء بالخلاص والانتصار بل وإلى التعالي فوق أثر الذنب. ولكن التبرير الذي يقدح الانتصار من جانب الذات يصرّ على الشكل القائم على التوزيع، وهذا يعيدنا إلى ما أشرنا إليه من روح الشعر الذي يقيم دلالته على فاعليّة الشكل والمعنى، وما يؤكد ـ انموذجا ـ ما توظّفه الأشكال الأدبيّة من أدوات الخطاب الشعريّ. بعدما تغيّرتَ أصْبحتْ كتاباتي أجمل أتعرف لماذا ؟ / لأن الألم نكهة، نكهة التعابير العابرة ... نكهة التجاعيد المقفرة ... دواء الحبر، وداء الحياة، مرسم الشعور، وقاتل المشاعر. بعدها يعيد الخطاب الانتصار اعترافا في تركيب الألم والشعور بالذنب، لكنه بتوزيع آخر يوجه التوازي بين شعور اللائمة وغياب المذنب، ويأتي التوزيع تحررا من حالة عامة إلى تجزؤ مضنٍ؛ لكنه خلاص وتحرر من عبء الوجع. لم تكن صدفة عندما دخلت روحي .. / بل اقتناعا من شرياني وعقلي ومشاعري .. / لم أكن أصْغي إلى ما يحكمه إحساسي .. / بل عقلي الباطن ماذا يرى ثم روحي .. / لم يكن اختياري لك عبثا .. / بل تفكيرا طويلا حتى رسا نبضي لك .. يتشكّل المبنى اللغوي من توجّه توزيعيّ إلى فرض خلاص انسيابي بتعاضد اللغة في بساطة الفكرة وضحالة المعجم؛ إلى درجة أنك لا تشعر بعمق الموقف الذي وضعت فيه الذات اللائمة نفسها اعترافا أمام المنصوب الغائب الفنيّ، يمكن أنْ يحتمل هذا الأخير كل ما ينعكس على الأولى من ضمور في التعبير عن الألم؛ استسلاما أو استسهالا لغياب المذنب، ولهذا يتيح الخطاب المباشر للاستعلاء العاطفي مكانته في زجّ كل المشاعر في تحوّلات عاطفيّة، وتحضر هنا تقلبات الذات اللائمة في تركيب لا يختزل المعنى ليمكن توجيه في علاقة بين الدوال ومدلولاتها، وإذا بالنصوص تتخذ بها الذات أكثر من طريق لاستعراض الاستدراكات العاطفيّة، ونجد العادات اليوميّة وأدواتها منثورة في اعترافات التهم والخلاص، تُشرك في محاكمة اللوم والاعتراف، وكأن الخطاب يفقد تشكيلاته الشعوريّة التي تعبّ من ارتدادات العواطف الإنسانيّة، غير أنْ مشاعر الألم أو الانتصار يمكن أنْ ترتكز على عفويّة تلامس الأشياء؛ خاصّة وهي جزء من يوميّات المرء. كأس الماء هذا الذي على شرفة منزلي تبخّر سريعا .. / حتّى قطعة الحلوى في درجي ذابت بصمت من قوّة الحنين .. / ملابسي المعلّقة بجانب نافذتي لم تطِرْ وتذهب بعيدا .. / حتى مسواكي رأى ابتسامتي الباهتة وبدأ عليه القلق .. / وأصيص الورد ]ذُهلوا[ لما فعلت .. / عدّة مكياجي وأحمر شفاهي المفضّل ]أعلنوا[ الحداد لم تكن هذه التفاصيل في مشهد محاكمة المذنب الغائب فنيّا استعراضا بقدر ما كانت رسما لمشاركة الوجع، لإظهار دوافع الرغبة في النهوض، رسمت الكاتبة الأشياء مرتبطة بجزيئيّات انكساراتها العاطفيّة، ووثّقت الضعف في التفاصيل، ونقل السّرد الأشياء شعريّا، وأعني هنا أن المعدودات نفسها اكتسبت في حضورها التعبيريّ توزيعا شعريّا من جانبين؛ الجانب الأول ارتكاز الخطاب دالا عليها في توزيع العلاقة بينها وبين معاناة الذات في هذا الخذلان، والجانب الثاني اعتمادها منطلقا في توزيع الجمل ليكون تعديدها وتوزيعها الجملي من بعدها في النص النثريّ. يتحوّل المذنب إلى شيء من الملائكيّة في نصوص كتاب هدى عبدالله الثالث ( روح السّماء )، فيأتي الأمل المغفور له بالتضحية، ويمكن أن تستعيد الذات اللائمة شغفها الجميل، ويكون الإصرار بأدوات خطابيّة متنوّعة؛ من ضمنها توزيع جمليّ غنائيّ، والتنويع بين الوحدات الموسيقيّة المتوازية، وبين الأخرى في توزيع حرّ، بالإضافة إلى التكرار الذي يضفي فاعل الإصرار في نصّ : قل لي : أيمكنني البقاء على الحلم الجميل، والنظر إلى رسائلك الفاتنة / قل لي : بأنّك لن تغيب مجدّدا، والصّمت لن ينأى بروح باردة / قل لي : بأن العيش لن يكون بعتمة في ظلّ أجساد البعاد الشائكة / صارحني، ولا تخفي الضجيج القائم بيننا، فإني تعبت من سكك الحنين المهملة. ما الذي تريد أنْ تكتبه هدى عبدالله في نثرّيّاتها متعددة مستويات الخطاب من حيث اختلاف درجات عمقها أو ضحالتها في المجموعات الثلاث، ومن حيث الأفكار التي تولد في حيّز الذات وما يحيط بها، بالإضافة إلى جنوح إلى السّرد القصصي والخطاب التّوجيهي الذي تنطلق فيه من مواقفها الخاصة أو تراكيب تعبيرها عن التوازي بينها وبين المذنب فنيّا في النصوص التي قرأنها نماذج مختلفة. ربما تكون تجربتها القادمة سيكون التركيب الأدبيّ لديها مختلفا، وهذا ما نأمله إذا استطاعت الخروج إلى فضاء فنّي تطفح فيه تجاربها بعناية تمنح كتابتها بعدا آخر، ومن خلال نصوصها النثرية يترأى لي قابليّة أدواتها الكتابية على خلق مناخات أخرى للكتابة الأدبيّة.