شاعر وكاتب منشغل بالموروث وصاحب تجربة طويلة في العمل الثقافي المؤسسي والخاص..

عبدالرحمن موكلي: الأعمال الفنية العظيمة تمثل صراعا مع الزمن.

يُعد عبدالرحمن موكلي واحدًا من الأسماء الحاضرة في المشهد الثقافي السعودي، شاعرًا وكاتبًا وممارسًا للعمل الثقافي، امتدت تجربته على مدى عقود بين القصيدة والكتابة في الموروث، والعمل المؤسسي، والمجالس الثقافية. بدأ موكلي تجربته الشعرية بديوان «من خيلاء الدم لأبي زيد»، ثم توالت أعماله الشعرية، ومنها «لما متى وافاطمة»، و«لا حد لي»، و«ثقل الروح»، التي جُمعت لاحقًا في «أحمر مورق»، إلى جانب «كأنني الساعي إلى أبد» و«أعرفه ونسيت اسمه». وخلال هذه الرحلة لم تظل القصيدة وحدها مجال اشتغاله؛ إذ اتجه في أعماله اللاحقة إلى الكتابة في الموروث المحلي من خلال «كتاب الفل»، و«كتاب الهبل»، و«وأنا بر… وأنا دخن»، وهي أعمال وسّعت مساحة تجربته لتشمل السرد والحكاية الشعبية والأسطورة والذاكرة الاجتماعية، مع احتفاظها، بحسب رؤيته، بجوهر شعري. وإلى جانب تجربته الأدبية، مارس موكلي العمل الثقافي والإداري؛ فكان عضوًا في نادي جازان الأدبي، ومديرًا لفرع جمعية الثقافة والفنون بجازان، ثم اختير رئيسًا لمجلس إدارة نادي نجران الثقافي. كما شارك في عدد من الأمسيات والمهرجانات الشعرية داخل المملكة وخارجها، ومثّل المملكة في مهرجان جرش الدولي بالأردن، وشارك في مهرجان الشعراء الشباب بصنعاء، ومهرجان القصيدة الجديدة بالقاهرة، فضلًا عن مشاركته في دورتين من الحوار الوطني. ويحتل العمل الثقافي الأهلي موقعًا خاصًا في تجربته؛ فمنذ مطلع عام 2006 يشرف على «خميسية الموكلي الثقافية» التي أسسها في قرية الظبية، وتحولت على مدى سنوات طويلة إلى مجلس للحوار واللقاء واستضافة الأدباء والمثقفين. وهي تجربة تضاف إلى حضوره في المؤسسات الثقافية، وتكشف جانبًا من رؤيته للثقافة بوصفها فعلًا جماعيًا يتجاوز الأطر الرسمية. هنا ملف خاص يتضمن حوارًا مع الكاتب عبدالرحمن موكلي، وشهادات عنه، نحاول فيه قراءة تجربة كاتب ظل الشعر مركز تجربته، لكنه وسّع دوائر الكتابة من القصيدة إلى الموروث والمكان والذاكرة، وخاض في الوقت نفسه تجربة العمل الثقافي المؤسسي والأهلي. مخيلة الطفولة *ولدت في قرية الظبية في جازان، وظل المكان يتسرب إلى شعرك وكتبك حتى أصبح أشبه ببطل خفي فيها.. هل غادر عبدالرحمن موكلي القرية يوما؟ أم أن الذي غادرها هو الجسد فقط؟ وحين تعود إليها اليوم ما الذي تجده حيا؟ وما الذي لم يعد موجودا إلا في ذاكراتك؟ -الشعر يبدأ من مخيلة الطفولة، فكيف والظبية عشت فيها غالبية سنين حياتي، وأي شاعر ينفصل عن تاريخه يضيع ، لكن الشعر سيبقى صوراً توحي أكثر مما تكشف ؟ مرحلة الكشف ــ إذا صحت التسمية ــ كانت عبر السرد، حيث كتبت عن الظبية في (كتاب الهبل) وهي كتابة تستند إلى كون الاسم (الظبية) رمزاً من رموز الشمس التي كانت تعبد قبل الإسلام، وهذه المماثلة بين الظبية والشمس، قد تحيلك إلى الأسطورة، والأسطورة فيها الصدق وفيها الكذب. كذلك كتبت عن بئرها الهلالية، وعلاقتها ببني هلال، ورمزية البئر وبعدها الأسطوري في تاريخنا الثقافي، كما كتبت عن الظبية في (كتاب الفل)، هذه الكتابات بقدر ما تأتي من الماضي بقدر ما تتشابك مع الحاضر. * تحضر في كتابتك الأسماء المحلية والنبات والأطعمة والأمثال واللهجة والطقوس، فهل تكتب لإنقاذ عالم يتوارى أم لأن هذه العالم هو لغتك الأصلية التي لا تستطيع الكتابة من خارجها؟ وكيف تحمي الذاكرة من أن تتحول إلى حنين يجمل الماضي؟ -في حياة كل شاعر يمد الماضي ظله على الحاضر، نعم المتغيرات التي حصلت على حياتنا كبيرة جدا فأنا عشت زمن الرسالة البريدية الورقية والتي كانت تستغرق أياما لتصل، والآن أعيش زمن رسالة الجوال التي تصل في ثوان، مما يجعل من الضرورة مواكبة الشاعر لعصره، ولن يتم إلا من خلال لغة الشاعر الخاصة وعوالمه الخاصة، والأهم من خلال تجدد قراءته ونظرته للعالم، فالذاكرة تساكن العالم في لحظة وتنفيه في لحظة أخرى. سحر الشعر * بين (من خيلاء الدم لأبي زيد) وأعمالك الأخيرة قرابة ثلاثة عقود ما الذي بقي فيك من شاعر البدايات؟ وما الذي لم تعد تحتمله اليوم في ذلك الشاعر؟ -ما بقي من البدايات هو سحر الشعر، والصور المحسوسة والنظرة الإنسانية التي حاولت حضورها في كل نص شعري، أما الذي لم أعد احتمله فهي القصيدة الطويلة ووفرة الصور الشعرية، فالقليل يكفي. الناقد الداخلي * لو عدت إلى دواوينك الأولى بعين الشاعر والناقد معا هل هناك قصيدة تمنيت لو لم تنشرها؟ وأين أخفق الناقد (الناقد الداخلي) في عبدالرحمن موكلي وجامل الشاعر؟ -أي نص شعري يعبر عن مرحلته وحالته الشعرية، ومع هذا لو تنسى لي إعادة حذف نصوص من دواويني فقد أعزر بها، ومن المعروف إن الشاعر أهم ناقد لشعره، لكن دائما الناقد يجامل الشاعر! سجن الزمن الجمعي * من (لا حد لي) و(يخفف ثقل الروح) إلى (كأنني الساعي إلى أبد) و (أعرفه ونسيت اسمه) تبدو الذات في عناوينك حاضرة ومراوغة في واحد، لماذا تقلق الـ (أنا) في شعرك من تعرف تعريفا نهائيا؟ ومن الذي (تعرفه وننسى اسمه) الآخر أم الذات؟ -كل ذات ستبقى حاضرة ومراوغة في نفس الوقت، فالإنسان يعيش سجين الزمن الجمعي، إلا الذوات التي تعيش زمنها الخاص مثل المجنون، وقلة من الشعراء عاشوا زمنهم الخاص شعريا مثل الشاعر مالك بن الريب في رثاء نفسه، والشاعر أمل دنقل في ديوان (الغرفة رقم ثمانية) أما السؤال من الذي (تعرفه وننسى اسمه)؟ أرى متى عرفت نفسك فمن الصعوبة تتحدث عنها، وهنا سيغيب اسمك. على الضفة الأخرى، كم ربطتنا الحياة بأشخاص ومع هذا نتجاهل أو ننسى أسمائهم، في الوقت الذي نردد أسماء من لا نعرفهم! قراءة الدبيسي * لاحظ محمد الدبيسي مبكرا في تجربك الجمع بين الفصيح والمحلي واستحضار الأمكنة والأشخاص ثم جاءت قراءات أخرى لتكشف السرد والصوت الحكاية في شعرك فهل حدث أن كشف لك النقاد أشياء في مشروعك لم تكن أنت واعيا بها؟ -الشاعر يكتب وفي لا وعيه رغبة الخلود ، أو مغالبة قدره المحتوم (الموت) ، وعندما يكتب عن تجربتك النقاد فإنما يعززون رغبتك في الخلود، ومغالبة قدرك، لذلك كانت فرحتي كبيرة جدا بكتابة الناقد محمد الدبيسي عن ديوان (لما متى وافاطمة) وكانت على أكثر من حلقة في صحيفة الجزيرة وفي وقت مبكر من تجربتي الشعرية، بالنسبة للسرد وصوت الحكاية فقد صدر للناقد مطاعن جدع كتابا عن تجربتي الشعرية باسم (السرد الحكائي في شعر عبدالرحمن موكلي) وسررت جدا بمحتوى الكتاب، والذي كشف البعد السردي في شعري ، كذلك صدرت دراسات أخرى وحتما كشفت أشياء لا أعرفها فالشاعر بقدر ما هو في صراع مع ذاته ليتخطاها، يكون ضوء النقد دافعا ومحفزا على مواصلة تجربته الشعرية. الكتب الثلاثة * متى ضاقت القصيدة بعبدالرحمن موكلي فخرج منها إلى (الفل) و(الهبل) و(أنا بر وأنا دخن) هل كان ذلك تحولا من الشعر إلى البحث والسرد، أم المشروع ظل واحداً وتغيرت أدواته؟ -هناك جامع ــ حسب رؤيتي ــ بين الكتب الثلاثة والشعر. فإذا كان الشعر هو المعبر عن (الأنا)، فإن الكتب الثلاثة تجمعني بالكل من خلال المكان والأساطير في (كتاب الهبل) والطعام في كتاب (وأنا بر وأنا دخن) وجماليات الفل في (كتاب الفل) وهذه الكتب ــ من وجهة نظري ــ عوالمها شعرية، وفيها من السرد الشعري غير البعيد عن الشعر * في كتبك الأخيرة تتجاوز الوثيقة والرواية الشفوية والأسطورة والحكاية والذاكرة الشعبية ... أين تنتهي مسؤولية الباحث عن الحقيقة وتبدأ حرية الشاعر؟ وماذا تفعل حين تكون الحكاية الشعبية أجمل من الحقيقة التي تقدمها الوثيقة؟ -نعم قد تجاوزت الوثيقة لأنها ــ في الأصل ــ غير موجودة، مقارنة بحضارة الفراتين والشام ومصر، ولأن جازان ــ مثل معظم الجزيرة العربية ــ سكنتها أمم في العصور القديمة، ولا توجد حفريات أثرية ــ وثائق ــ تكشف لنا عن هذه الأمم، لذلك ذهبت إلى الأسطورة والحكاية والرواية الشفاهية، فكل واحدة منهم تحمل بعدا حضاريا للإنسان في منطقة جازان ــ والجزيرة العربية بشكل عام ــ منذ عصور قديمة جدا. مثلا نحن نسمي الزراعة على المطر (عثري) وهذا التسمية تعود للإله (عثر) وهو من آلهة الخصب القديمة ، وباسمه المدينة التاريخية التي ما زالت آثارها حاضرة غرب صبيا ، ومثل (عثر) الإله (بعل) حيث نسمي الزرع أو الحبوب (بعلي)، وعندما نحاول قراءة الروابط بين تسمية الزرع وهذه الآلهة القديمة فإننا نقبض على لحظة حضارية لأمم عاشت على هذا الأرض، والأمر الأهم نفهم العلاقة التي تربطنا بالمجتمعات الحضارية المحيطة بنا ، فالإله (عثر) هو الإله (عشتار) في حضارة الرافدين، والإله (عشتاروت) في حضارة الشام وزمنهم يتجاوز ألفي سنة قبل الميلاد . كذلك الإله (بعل) إله الكنعانيين الحاضر كثيرا في الشام، من خلال المعابد والآثار المكتشفة، أما في الجزيرة العربية فيحضر الإله (بعل) من خلال تسمية الزرع أو الحبوب، طبعا هذه المقاربات تأخذ بالأسطورة ومقاربة الأسماء من خلال اللغة، والحكاية الشفوية، من أجل التعرف على بعض تاريخ المكان، وسيرة الإنسان. الكتابة عن الفل * في (كتاب الفل) لم تعد الزهرة مجرد رائحة وزينة، وإنما مدخلا إلى النساء والأسواق والحب والطبقات والذاكرة الاجتماعية. هل كان الفل موضوع الكتاب فعلا، أم ذريعة لكتابة مجتمع كامل؟ -بدأت الكتابة عن الفل، وقادتني التفاصيل إلى (المجتمع) ولأن الفل ــ في أصله ــ هوية جمالية للمرأة في جازان، فلابد من حضور المرأة ومعها يحضر الحب والأسواق والطبقات والذاكرة الاجتماعية. كتاب الهبل * في (الهبل) تتعامل مع أسماء القرى والجبال والأودية والأسواق كما لو كانت حفريات تاريخية، ما الذي يمكن أن يقوله اسم المكان ولا تقوله كتب التاريخ؟ وهل مشروعك في جوهره محاولة لكتابة تاريخ الهامش من داخله؟ -أظن ميزة (كتاب الهبل) جدة فكرته، والتي تقوم على ربط أسماء المدن والقرى والأودية بمسميات الآلهة القديمة وهذا الربط قائم على اللغة ولا حضور فيه للحفريات التاريخية، وقد كتب الدكتور العراقي خزعل الماجدي عن الكتاب في مجلة الفيصل تحت عنوان (حين تتحول الجغرافيا إلى أسطورة). رؤية الماجدي تستحق الاحترام، وسعدت بقراءته للكتاب، فهو من أهم الباحثين العرب في الحضارات القديمة، وينطلق في قراءته من خلال منهج علمي، حيث يرى مصداقية الأثر المكاني من خلال الحفريات الأثرية، لهذا نظر لـ (كتاب الهبل) من خلال البعد الأسطوري، والأسطورة تحتمل الصدق وتحتمل الكذب، ولأن الحفريات الأثرية غائبة عني، فإن الأسطورة ــ من وجهة نظري ــ قد تقدم ببعدها الرمزي جوابا على أسئلة الهوية المكانية. سيرة الإنسان مع الطعام * ثم وصلت إلى الطعام في (أنا بر وأنا دخن) ما الذي وجدته في الدخن والتنور والمائدة ولم تجده في القصيدة؟ - سيرة الإنسان مع طعامه، ليست بعيدة عن بحث الإنسان عن جنة الفردوس، لذلك قدس الإنسان النخيل، والحبوب والأعناب، والمشروبات وعلى رأسها الماء، وكلها مرتبطة بالخيال والأساطير والشعر. حضور المرأة * المرأة حاضرة بعمق في عالم (الفل) والطعام والتنور والروائح والطقوس المنزلية، حتى عندما لا تكون موضوعا معلنا للكتاب، فإلى أي حد وأنت تستعيد ذاكرة المكان، أن جزءا كبيرا من هذه الذاكرة صنعته النساء وحفظنه؟ - الفل في منطقة جازان ــ في أصله ــ كان صناعة نسائية بداء من زراعة شجرة الفل في البيت إلى العناية بها وقطف أزهار الفل ونظمه، وفي الأخير لبسه للزنية، أما الرجل فكان دخوله لعالم الفل متأخراً سواء على مستوى الزراعة أو التسويق أو الزينة، أما زمان فلا دخل للرجل بشجرة الفل، وكان يعاب على الرجل التزين بالفل، فالفل حالة أنثوية خاصة بالمرأة! نفس الأمر صناعة الطعام؟ فالمرأة هي سيدة صناعة الطعام في منطقة جازان، بل إن كل التفاصيل الجمالية للبيوت قديما كانت من صناعة المرأة، لهذا تمثل المرأة جل الفعل الجمالي في منطقة جازان. موقف عبدالفتاح أبومدين * تدخل المفردة الجازانية واللهجة المحلية إلى نصك من دون استئذان، فهل كان ذلك خياريا جماليا فقط؟ أم موقفا من مركزية اللغة أيضا، ومتى تكون المحلية إثراء للنص؟ ومتى تنقلب إلى فلكلور زخرفي؟ -أنت تعرف أن اللغة تنقسم إلى قسمين: لغة مجازية نموذجها الشعر، ولغة نفعية نموذجها النظم والقوانين، لذلك يكون الحكم على المفردة من خلال سياقها. مثلا في الشعر يكون الحكم على المفردة، من خلال اتساقها جماليا في الجملة الشعرية، بعيدا عن كون المفردة محسوبة على اللغة الفصيحة أو اللهجة المحلية، طبعا دخول المفردة المحلية في القصيدة قد لا يعجب البعض وأذكر ــ قبل حوالي ثلاثين عاماــ نشرت لي صحيفة الرياض قصيدة في ملحقها الثقافي وفي الأسبوع الثاني نشر الملحق الثقافي قراءة للقصيدة للأديب الكبير المرحوم / عبدالفتاح أبو مدين، وقد وقف بشدة ضد استخدام المفردات المحلية في القصيدة، ومنها هذا المقطع: (يا وحوحات الدم تنحل نجمة في خد فتتبعها الملاحة ، قصدها غبشا تخامرة) فقد رأى مفردة (وحوحات) عامية، وغير لائقة شعريا! في الأسبوع الثالث من الملحق الثقافي، رد المرحوم الدكتور الناقد / علي القرشي ممتدحا القصيدة ورأى عدم صواب وجهة نظر أستاذنا الأديب عبد الفتاح أبو مدين، طبعا كلا الأدبين الكبيرين ــ رحمهما الله ــ على حق، واذكرهما هنا متذكرا فضلهما علي، وعرفانا بقيمة الاختلاف في قراءة الإبداع. السرد الحكائي * صدر عن تجربتك كتاب (السرد الحكائي في شعر عبدالرحمن موكلي) لمؤلفه مطاعن جدع. لماذا احتاج شعرك منذ وقت مبكر إلى الحكاية؟ وهل ترى الآن أن بذور (الفل) و(الهبل) و (أنا دخن وأنا بر) كانت موجودة في قصائدك؟ -أظن دخل السرد الحكائي إلى شعري، من خلال القراءة المبكرة للشعر الجاهلي، وكذلك قراءة الرواية، أما هل بذور (الفل) و(الهبل) و (أنا برد وأنا دخن) كانت موجدة في قصائدي، أقول: ربما نعم، لكن تحديدا أين؟ لا أعرف! الحزن العميق * بعد تجربتك بين الشعر والبحث والسرد، ما الذي لا يستطيع عبدالرحمن موكلي قوله إلا في قصيدة؟ وفي المقابل ما الذي اكتشفت أن القصيدة مهما اتسعت لا تستطيع حمله؟ -الشعر عملية خلق من خلال الصور الشعرية، وهذا لن يحصل إلا من خلال القصيدة، أما الأمور التي لا تصلها القصيدة هو الحزن العميق. خميسية الموكلي * أسست (خميسية الموكلي) في بيت وقرية بعيدا عن المؤسسة الرسمية، ماذا كان المجلس الأهلي أن يفعله ولا تستطيع المؤسسة الثقافية فعله؟ وبعد تجربة طويلة ماذا صنعت الخميسية في رأيك جمهورا أم أصدقاء، أم أصواتا جديدة أو خلافات ضرورية؟ -ولدت الخميسية في بداية عام 2006 قبل طفرة مواقع التواصل الاجتماعي، وهذا من حسن حظ الخميسية فقد جاءت في زمن يؤمن بالفعل الثقافي الجمعي، والحضور والمشاركة، وهذا ما مكن الخميسية من تكوين حراك ثقافي استمر لأكثر من عشرات سنوات، تقييم هذا الحراك من حيث الجمهور والأصدقاء والأصوات الجديدة كان جيدا جدا، ولعل صداه حاضرا حتى الآن، أما الخلافات فلا أظنها كانت حاضرة لأن الخميسية كان هدفها خدمة الثقافة بعيدا عن الشخصنة والتوجهات الفكرية. الجمعية والنادي الأدبي * أدرت جمعية الثقافة والفنون ثم غادرتها وكنت حاضرا في نقاشات نادي جازان الأدبي. ماذا تعلمت من الاقتراب من المؤسسات الثقافية، وهل ترى أن على المؤسسة أن تستوعب المثقف مع الحفاظ على استقلاله، أم أن قربه منها قد يفقده شيئًا من هذا الاستقلال؟ -عملت في جمعية الثقافة والفنون في جازان، وكانت تتولى كل الفنون (المسرح، الفنون التشكيلية، الغناء، الفنون الشعبية، التصوير) وميزانيتها شحيحة جدا مقارنة بحجم المطلوب منها، مما جعلني غير قادر على تنفيذ أقل البرامج، لذلك طلبت من مجلس إدارة الجمعية الاعفاء من مسؤولية إدارة الجمعية. بالنسبة لنادي جازان الأدبي ، فكانت النقاشات تدور حول صلاحيات الجمعية العمومية ومجلس إدارة النادي الأدبي، ووقتها كانت الأندية الأدبية في عين المشهد الثقافي، وأظن عموم مسؤولي الأندية الأدبية والمثقفين، ومسؤولي وزارة الثقافة والإعلام ــ المسؤولة عن الأندية الأدبية في وقتها ــ ضيعوا فرصة تاريخية لتطوير العمل الثقافي في الأندية الأدبية، بدلا من حلها في السنوات الأخيرة، وتحوليها إلى جمعيات أدبية، تشرف عليها وتدعمها وزارة الثقافة، وتتبع قانونيا وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، بوصفها جمعيات غير ربحية، وهذا ــ من وجهة نظري ــ يخلق تباينا في الأهداف، ومن ثم الإشراف والمتابعة والدعم، مما يؤدي خلل في العمل الثقافي. الحوار الوطني * شاركت لدورتين في الحوار الوطني، وعشت سجالات ثقافية عديدة، بعد كل هذه السنوات، هل مازال المثقف في السعودية يختلف حول الأفكار والقضايا، أم أن خلافات المثقفين كثيرا ما تنزلق إلى الأشخاص، وماذا غير الحوار مع المختلف في عبدالرحمن موكلي نفسه؟ - المشاركة الأولى كانت عام 2006 في مكة حيث أقام مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني لقاء (الصالونات بالمملكة الثقافية وأثرها في نشر الحوار) استمر اللقاء لمدة يومين، وتركزت اللقاء عن أدوار الصالونات الثقافية، والجهات الرسمية التي يجب اشرافها على الصالونات، ومن يحق له ــ قانونيا ــ إيقاف أنشطة الصالون الثقافي، واللقاء الثاني عام 2015 في جازان وكان عنوان اللقاء (التطرف وأثره على الوحدة الوطنية) وقد دارت في اللقاء حوارات بدءا من تعريف التطرف، إلى أثره على الفرد والمجتمع والاختلاف الفكري وحدوده، وهذه اللقاءات كانت حول قضايا تهم المجتمع . بالنسبة لخلافات المثقفين فهذا أمر وارد ويحصل في العالم كله، فإذا جاءت الخلافات حول قضايا فكرية، فقيمتها في إثراء الساحة الثقافية مهما كانت شدة الخلافات، في الجانب الآخر توجد خلافات أسبابها المصالح وبعضها حسد أو غيرة، وقيمتها تكشف العور الإنساني في المثقفين. الشاعر الجازاني * هل خدمت عبارة (الشاعر الجازاني) تجربتك أم ظلمتها؟ وهل تؤمن أصلا بوجود (قصيدة جنوبية) أم أن هذه التصنيفات قد تصنع هامشا ثقافيا في اللحظة التي تظن فيها أنها تحتفي بخصوصيته؟ - تحديد نموذج شعري من خلال حدود جغرافية ــ جازان أو غيرها ــ سيبقى أمرا ملتبسا، وهذا الالتباس موجود في تسمية (قصيدة جنوبية) فلغة الشاعر وعوالمه ــ مهما كانت خصوصيتها المكانية ــ تحمل في طياتها تاريخا ثقافيا متعددا، مما يجعل الأمر نسبي في تحديد جغرافية أي شاعر. الكتابة عن جازان * جازان التي تكتب عنها اليوم ليست جازان التي عشت فيها طفولتك، فأيهما تكتب: جازان الموجودة على الأرض أم جازان التي تحملها في رأسك؟ وما الشيء الذي تخشى أن يختفي منها وتريد أن يبقى في كتب عبدالرحمن موكلي بعد أن يغيب المكان وأهله؟ - لو قلت: إن الكتابة عن جازان هي حالة حنين تشدني إلى واقع غاب، وأحاول القبض عليه، فهل يعني هذا أنني أهرب من واقعي الآن إلى الماضي؟ الشاعر المعري يقول: أمس الذي مر على قربه .. يعجز أهل الأرض عن رده في هذا البيت الشعري يشعرك المعري بالتنصل من الزمن الماضي، في الوقت الذي عاش في كل شعره مستنداً على الماضي، الفنانون السيرياليون أرادوا في حركتهم الفنية تجاوز الماضي والتركيز على اللحظة الزمنية، في الوقت الذي مخليتهم مكتنزة بصور الماضي. إن الزمن ــ ماضيا، وحاضرا، ومستقبلا ــ مشكلة الإنسان الكبرى، والأعمال الفنية العظيمة تمثل صراعا مع الزمن، خذ قصيدة (التضاريس) للشاعر محمد الثبيتي، ورواية بروست (البحث عن الزمن الضائع)، من هنا سيبقى في كتبي ــ إن كانت جيدة ــ شيئا من جازان مهما غاب المكان وأهله. ------ شهادة من داخل البيت .. بنتان وولدان .. وثلاثون عاماً. عبدالرحمن موكلي ( أبو أروى ) جمعني به النصيب من أكثر من ثلاثين عاما ، عشنا على الحلوة والمرة وما زلنا ، رزقنا الله بنتين وولدين والحمد الله أكملوا تعليمهم الجامعي وأصبحوا يعملون في وظائفهم ونحن بالقرب منهم نسير في هذه الحياة . الكلام عن أبو أروى الانسان ، تعلمت منه أجمل المعاني في هذه الحياة وهي كثيرة لا تعد .. والقيمة الحقيقية للإنسان الحر في افكاره الواثق من نفسه .. جمال الحياة معه يكتمل بسمو نفسه الطيبة الصادقة التي اتخذت الوضوح منهجا لها في مسيرة حياتنا . *زوجة الكاتب