رغم مرور أكثر من أربعة عقود على صدوره، لا يزال فيلم “أفواه وأرانب” للمخرج هنري بركات، وسيناريو سمير عبدالعظيم، وبطولة فاتن حمامة ومحمود ياسين وفريد شوقي، من أمتع الأفلام التي تدرس ويحتفظ بوهجه الأخلاقي والسينمائي، عمل يُعيد رسم حدود الإنسان مع طبقته ومجتمعه بل ومع نفسه. إنه سردية إنسانية عن الإصرار على الحياة وحق الفرد في أن يختار مصيره دون أن يُفرض عليه. نعمة (فاتن حمامة) تعيش مع شقيقتها الكبرى وأسرتها المكونة من زوجها عبد المجيد وأولادهم التسعة. عبد المجيد إنسان مستهتر يعمل في سكة الحديد مهمل أسرته، الأسرة التي تعاني من إهمال الأبوين وعدم تحملهم المسؤولية بصورة صحيحة. وللخلاص من وضعهم المزري يرى عبد المجيد وزوجته أن تقبل نعمة الزواج من المعلم البطاوي. ترفضه نعمة وتهرب إلى المنصورة، في هذه الأثناء يعقد البطاوي الزواج بها بأوراق مزورة قدمها عبد المجيد. تجد نعمة عملًا في المنصورة في مزرعة محمود بيه (محمود ياسين) الذي سرعان ما يكتشف مهارتها وحسن تصرفها فيقربها منه حتى يقع في حبها ويطلب يدها للزواج، خصوصًا بعد انفصاله عن خطيبته. تعارض شقيقته (ماجدة الخطيب) الزواج من نعمة لوجود فوارق اجتماعية وثقافية بينهما، لكنه لم يهتم بهذه الفوارق في سبيل اختيار ما يسعده. تعود نعمة لتخبر أختها بنية محمود بيه الزواج منها لتكتشف أنه تم تزويجها دون علمها بعد هروبها. لكن حين يحضر محمود بيه تتفاقم المشكلة لتنتهي بطعن البطاوي ويعترف عبد المجيد بغلطته فتعود نعمة لمحمود ويتولى رعاية أسرتها. حبكة جميلة ومتعددة التأويل ويؤلف حولها كتب، وفي الحقيقة تتجلى الذروة النفسية في المشهد الذي يدخل فيه محمود بيه إلى منزل نعمة، بعد أن عرف حقيقتها كاملة، وكانت قد فقدت الأمل. في تلك اللحظة بالتحديد، تعود إليها الروح، كما لو أن الحياة قررت أن تمنحها فرصة أخرى، عبر رجل نظر إليها أخيرًا كما يجب أن تُرى: إنسانة. بينما تركز الكاميرا على تفاصيل وجهها، وشفائفها المرتجفة، ندرك أننا أمام لحظة ولادة جديدة. هذه المرأة التي كانت أداة في يد زوج أختها، تعود الآن لتكون سيدة اختيارها. وهنا يكمن ذكاء بركات في صناعته للصورة: لا يقترب كثيرًا، ولا يبالغ في التراجيديا أو الموسيقى، يكتفي بترك الحالة تتنفس بالمشاعر. ما يجعل هذا الفيلم خالدًا، هي ما نسعى إليه دائمًا، فكرة الفيلم الأساس، وتماسكه الداخلي، الذي يُبقي الإنسان في قلب السرد، كقضية. وهو في ذلك يقدّم درسًا أخلاقيًا، ولحظة تأمل نادرة في معنى أن تكون فقيرًا دون أن تفقد كرامتك، وأن تكون غنيًا دون أن تفقد إنسانيتك. “أفواه وأرانب 1977” يتحدث عن الأرواح المكسورة والأرواح التي ترفض أن تنكسر. فيلم عن الإصرار في وجه الجوع وفي وجه الموروث والتقليد والطبقية الاجتماعية والخذلان. وحين نعود لمشاهدته بعد كل هذه السنين، فإننا نبحث عن ذلك النبض الصادق الذي جعل من السينما فنًا قادرًا على أن يقول ما عجز عنه اللسان.