الفتاة التي…
لمْ تَكُن…رُبَّمَا تَكْتُبُ الشِّعْرَ يَوْماً، وَلَكِنَّهَا أُثْقِلَتْ بِالشَّجَنْ؛ لَمْ تَجِدْ غَيْرَ وجدِ القَصِيدَةِ مُتَكَّأً، حَيْثُ تَرْوِيْهِ فِي مَهْدِهَا، ثُمَّ مَرَّ الزَّمَنْ…! ذَنْبُهَا أَنَّ فِي القَصِيدَةِ سِحْرًا، وَفِي جَفْنِهَا غُرْبَتَانِ، وَفِي صَدْرِهَا غُصَّتَانِ، وَفِي عَيْنِهَا لَا يَقِرُّ الوَطَنْ! لم تكن…. كَانَتِ البِنْتُ سَارِحَةً فِي الشُّعُورِ، وَسَادِنَةً لِلْغِيَابِ، وَسَيِّدَةً لِلْحُضُورْ! ثُمَّ مَسَّ الهَوَى قَلْبَهَا، خَبَأَتْ لِلْوَرَى حُبَّهَا، لَمْ تَكُنْ تَكْتُبُ الحُزْنَ يوماً، وَلَكِنَّهَا مِنْ خِلَالِ اللّيَالِي، وَمِنْ وَجَعٍ يَسْتَفِزُّ الأَمَالِي، تدير عَلَى نَخْبِهَا بالجِرَاحْ: فَكَأْسٌ أَدَارَ، وَكَأْسٌ أَشَاحْ، وَمَا زَالَتِ البِنْتُ رَغْمَ الشَّتَاتِ الَّذِي يَعْتَرِيْهَا، وَرَغْمَ هَزَائِمَ لَا تَدَّعِيها، تُعَمِّرُ بِالحُزْنِ دَاراً، تُؤَثِّثُهَا بِالقَصَائِدِ صُبْحاً، لِتَنْزِعَهَا مِن ضَجِيجِ البَدَنْ! لَمْ يُطِلْ ذَلِكَ اللَّيْلُ مِيقَاتَهَا، فَاتَهَا العُمْرُ وَالوَجْدُ، وَالْحُزْنُ مَا فَاتَهَا، نِصْفُ عُمْرٍ قَضَتْهُ، وَنِصْفٌ تُنازِعهُ ذَاتَهَا. «كَيْفَ مَرَّتْ لياليكِ يَا بِنْتُ؟!» قَالَتْ: «تَمُرُّ عجافاً عجافْ!» «مَا مَصِيرُ الدَّوَاوِينِ؟» قَالَتْ: «قَصَائِدُ ثَكْلَى وَعَيْنٌ تَخَافْ!» «مَا الَّذِي أَطْفَأَ الوَجْدَ فِيكِ؟» فَقَالَتْ: «خِلَافٌ، وَيَسْكُنُ فِيهِ خِلَافْ!» والزَّمَانُ الَّذِي مَرَّ، كَيْفَ الطَّرِيقَةُ؟ كَيْ نَسْتَعِيدَ الزَّمَانَ بِلا وَجَعٍ، أَوْ نُقِيلَ الوَجَعْ؟ وَالْبُكَاءُ هُنَا دَاخِلِيٌّ شَفِيفٌ، وَلَكِنَّهُ نَوْبَةٌ مِنْ هَلَعْ، مَا الدَّوَاءُ المُنَاسِبْ يَا صَاحِبي كَيْ نُغَطِّي تَجَاعِيدَنَا؟ فَالْبَنَاتُ هُنَا كُلَّ يَوْمٍ يَمُتن على جرعةٍ من شجن. مَرَّ أَلْفُ زَمَانٍ، وَأَلْفُ مَكَانٍ، وَلَكِنَّهَا لَمْ تَكُنْ… ذِكْرَيَاتٌ تُوَزِّع أَوْهَامَهَا فِي الجَرَائِدِ، أَوْ أُمَنياتٌ تُعَلِّقُ أَحْلَامَهَا فِي القَلَائِدِ، تَكْتُبُ فِي صَفْحَةٍ لِلْفَوَاجِعِ: (مَنْ يَرْحَلِ الآنَ لَيْسَ بِعَائِدْ!) مَا القَصَائِدُ؟ مَا الحُبُ؟ إِذْ كُلُّهُمْ يَشْتَهُونَ لِصَيْدِ الفَرَائِدْ كَيْفَ أَصْبَحْتُ أَقْتَحِمُ اللَّيْلَ قَبْرًا، بِلا أَيِّ شَاهِدْ؟ كَيْفَ لَا يَعْرِفُ النَّاسُ قَلْبِي، وَمِن نُورِهِ تَسْتَضِيءُ المَعَابِدْ؟ مَا الَّذِي أَشْعَلَ النَّارَ فِي دَاخِلِي؟ فَالزَّمَانُ رِوَايَتُهُ قَدْ تَقُولُ: مَزِيدًا لِيُشْغِلَنَا بِالمِحَنْ. لم تكن… تَعْرِفُ البِيدُ أَسْرَارَهَا، وَالْخِيَامُ الَّتِي فِي صُدُورِ الصَّحَارِي، تُخَبِّئُ فِي البِنْتِ تَذْكَارَهَا، تُشْبِهُ الشَّمْسَ عِندَ اِحْتِشَادِ الغُيُومِ، لِتُطْفِئَ بِالغَيْمِ أَنْوَارَهَا، تَعَزِفُ الرَّمْلَ أُغْنِيَةً بِالبِيَاتِ، وَيَالِلْبِيَاتِ الَّذِي اخْتَارَهَا، رُبَّمَا لِلْقَصِيدِ ارْتَأَتْ أَنْ تَكُونْ، وَلَكِنَّهَا لَمْ تَكُنْ...!