أصدرت «ديزني» بالشراكة مع «بيكسار» منتصف شهر فبراير الماضي ملصق فيلم «حكاية لعبة 5»، في إعلان أبرز جهازًا لوحيًا مكتوبًا فيه «Hi, let›s play!». الملصق وهذا الجهاز اللوحي النشاز بين الدمى جعلني أتوقع إلى أين يتجه الفيلم وحول ماذا سيكون الصراع، وأزعم أن من يرى هذا التموضع وهذه الفكرة سيفهم المغزى لمدى مباشرته، آخذين بعين الاعتبار حبكةً عامة، تتشكل دومًا حول «راعي الدمية» و»دميته» والعلاقة العميقة بينهما، وقد أقول هنا بسخرية «مشاكل التعلق» التي لطالما أُشبِعت طرحًا خلال السلسلة. وبعد صدور الفيلم ومشاهدته في يونيو من هذا العام كان التوقع في محله! (التقنية في مواجهة الدمية) طرح هذا الجزء فكرة صراع الانتباه بشكل مُركّز، فـ “بوني” وريثة الدمى في السلسلة تواجه تحديًا على مستوى الوقت والعلاقات والانتباه. وهنا أقف عند مفهوم “الانتباه”، الذي أزعم أنه صراع قديم نسبيًا، خاضته شرائح مختلفة، فهو صراع لم ينشأ مع ظهور الأجهزة اللوحية مؤخرًا فقط، فالفيلم يتحدث عن التقنية بوجهٍ عام وكأنها وباءٌ مفاجئ، ما جعل التجربة أكثر تخييبًا للآمال! بالعودة إلى الوراء ومع صدور “حكاية لعبة 2 و3” في البدايات، كان للتقنية نصيب في كثير من البيوت والمجتمعات بالفعل، بالتلفاز والحاسوب، بالمذياع والمسّجل وغيرها، إذ أن التقنية كانت تلتهم الانتباه بالفعل منذ مدة ولو على مستوياتٍ متفاوتة! قد يقول قائل أن هذه الفترة هي الفترة التي تستحق أن نطرح فيها هذه المشكلة لكون الأجهزة اللوحية باتت عصيةً على المربين وعلى عقول أطفالهم! صحيح جزئيًا، لكن المُشاهد ما عاد يهتم حاليًا بهذا الصراع كأولوية مع ظهور تحديات وقضايا جديدة على الساحة، كالذكاء الاصطناعي وجنون الخوارزميات، الاستدامة، تطورات التجارة الرقمية، وأيضًا أحدث ما نوقش حول الملكية الفكرية خلال 2025 - 2026م. والرأي الذي يتجنبه كثيرون، هو أن كتّاب العمل لم يُوفقوا أبدًا في التوسع داخل هذا العالم، اجتروا مرارًا وتكرارًا فكرة نسيان صاحب الدمى لألعابه في مكانٍ ما، أن يكبر عليها، أن يتخلى عنها بسبب مرحلةٍ عمرية أو اهتمامٍ آخر، فتعاني الدمى وأصحابها من عقدة التعلق مرارًا وتكرارًا بشكلٍ متوقع... وعندما حاول صنّاع العمل الالتفات لما هو مختلف قليلًا، وَقَع الاختيار على قضية ما عادت حديث الساعة بعد الآن! (حبكات متوقعة) يُقال “القصةُ دهشة” وما أن تفقد القصة دهشتها وصعوبة توقعها، تفقد جزءًا كبيرًا لا من “جاذبيتها” فحسب بل من “جدواها”، جدوى أن تحكيها وأن تخرج من التجربة بحكمة، وهذا ما حصل مع هذه التجربة التي انتهت قبل أن تبدأ لمدى بساطة ومباشرة ما قدمته. وتعقيبًا على المباشرة، لو أننا تخيلنا هذه الفكرة كفيلمٍ قصير يُعرض في مؤتمرٍ يستهدف ترشيد استخدام الأجهزة لكان ذلك مقبولًا -نوعًا ما- لكن بهذه النبرة وفي هذا القالب، يشعرني الفيلم وكأنه صُنع بكسل أو ربما على عجالة. (تاريخ ديزني المحبوب) حين قامت “ديزني” بطرح فيلم “كتاب الأدغال”، أخبرتنا قصة حياة الإنسان في قالب بريّ وفطري، مطعمٍ بالموسيقى والتناغم ومدت له فصلًا جديدًا بجزءٍ ثاني. وحين جرّبت أن تعطينا قيمةً عن الإيمان بالنفس والولادة من جديد أتتنا بـ”الأسد الملك” في البراري البعيدة لتنجح بأجزاء عدة. وعندما حاولت أن تحل معادلة الحب الأخوي والترابط الأسري والإبقاء على الوعود جسّدت لنا عالم “فروزن” بالصوت والرسم والحركة. ولن أذهب بعيدًا فـ”حكاية لعبة 1”، طرح فكرة الصداقة والوفاء، الخيال والطفولة، الفقدان والحرمان، والمنافسة والتطور، وعرضها على هيئة عملٍ مبدع. كان ذلك مدهشًا للوهلة الأولى، لكن ما لم تنتبه إليه “ديزني” هي جدوى الاستمرار وإنتاج سلسلة لا منتهية، فضلًا عن طريقة توسع وتشعب هذا العالم، فقوة “ديزني” مع “بيكسار” هي مفهومها المبني على سؤال “ماذا لو؟”. فمن كان يتخيّل حياة دمى تتحرك، لها قصتها وخلفيتها وأصحابها الذين يرتبطون بهم، بل عالمهم الذي ينتمون إليه كرسوم متحركة أو كشخصيات لها منتجات وقيمة سوقية وفنيّة وإعلامية، وفي المقابل تتحدث وتعيش حياتها وراء ظهر صاحبها بكل حيوية وتعّقل؟ وهنا أقول أن القوة أحيانًا تكمُن في القصة المبدعة مع مغامرة محسوبة داخل هذا العالم للإسهاب فيه، وإلا فسيكون الوقوف عند الفكرة الأولى خيارًا أكثر ذكاءً. (مواجهة لابد منها) تفقد بعض الأفلام وهجها حال اتجاهها للتسلسل ليس لكونها محدودة أو غير قابلة للتوسع، بل لارتباطها بمرحلةٍ ما، مما يجعلها غير أبدية، فضلًا عن معالجة متوقعة وحبكة متكررة مهما كانت القصة صلبة وقوية في إطلاقها الأول. حين اعتمدت “ديزني” في السابق على نقل قصص “الأخوين غريم” وفلكلور الشعوب وبعض كتب الأدب الخالدة، كانت قد اختارت لنفسها قَدرًا طويل الأجل، فتلك القصص أبدية المغزى والأثر ولا ترتبط بمرحلة ما عندنا، ليس بالضرورة أن تكون قد لمست مصباحًا في حياتك أو رأيت ماردًا أزرق بحس فكاهي لترتبط بقصة “علاء الدين والمصباح السحري”! الأمر نفسه مع “مولان” و”الأسد الملك”، هي قصصٌ تتمحور حول القيم العليا والمبادئ والتعاملات الإنسانية بالدرجة الأولى بشكلٍ مطلق وحُر. بينما قصة “حكاية لعبة” تترنح أن تستمر بذات القوة ليس لكونها فاقدة للقيم العليا والأثر ولا لاستحالة الاسهاب في عوالمها، بل لكونها ليست حُرةً تمامًا، وارتبطت بمرحلة ما حين كانت “الدمية” هي كل شيء فعلاً بالنسبة إلى الطفل، ولأن عالم “حكاية لُعبة” كان جديدًا ومبهرًا في البدايات، في تلك الأثناء. (الفنيات بين زمنين) وبالحديث عن البدايات يمكنك أن تلمس مدى الاختلاف الجذري بين الرسم في الجزء الأول (1995م) وبين الأجزاء الأخيرة (2010، 2019، 2026م). كان الجزء الأول أكثر ابهارًا بصريًا، ليس لمدى واقعية الرسومات، بل لمدى جاذبية ومحبوبية النظر إليها، لتشابه تلك الرسومات بالدمى البلاستيكية بالفعل. في الأجزاء المتقدمة مثل “حكاية لعبة 4” والجزء الأخير، تفنّن الرسامون والمصممون بالاقتراب من الواقعية، مما جاء عكسيًا ضد كينونة الشخصيات المتسمة بالتصلب والتخشب، فليس كل فيلم أنيميشن من صالحه أن يتطور لدرجة ألا نعود نفرق بينه وبين الواقع، لدرجةٍ يقترب فيها من نمط الـ “Live Action”! (محطة أخيرة) وسط كل هذا التشتت يأخذك الفيلم في رحلة طويلة ليستخلص في النهاية سوء ادمان الجهاز اللوحي ويدعو إلى الموازنة بين استخدامه وبين اللعب بالدمى، داعيًا إلى إشراك التقنية مع اللعب التقليدي كواقعٍ لا مفر منه، لا كتهديدٍ ضخم ومتطرف. وهذا إنهاء لا بأس به للأحداث، رغم معرفتنا أننا سنصل إلى هذه المحطة. حتى اليوم، لا يزال الفيلم يحقق إيرادات مليارية، وأزعم أن الأمر لا يتعلق بمدى جودة الفيلم من عدمه، بل بمدى تعلقنا نحن بـ”حكاية لعبة” وكأننا في هذا الموضع أصبحنا “وودي” الذي صَعُبت عليه فكرة التخطي والمضي قُدمًا، ويعزُّ عليه مواجهة بعض الحقائق، كحقيقة أن الفيلم ليس إلا “حكاية تعزف على أمجاد الماضي”.