تأخرتِ كثيرًا

كنت أحدّثه عن عبد الملك بن مروان، لا كخليفةٍ من كتب التاريخ، بل كرجلٍ ضاق بالعالم حتى اختصره في أب. رددت عبارته ببطء، كأنني أختبر وقعها عليه: «ما وددت أني وُلدتُ لأحد من العرب غير أبي، إلا أن يكون عروة بن الورد.» ما إن انتهيت حتى شعرتُ أن الطاولة بيننا صارت أثقل. الفنجان اهتزّ اهتزازة خفيفة، كأن اسم عروة قد سقط فيه. رفع رأسه إليّ، وفي عينيه شيء يشبه الاعتذار المسبق، ثم قال: وأنا مثله يا عم، وددتُ لو كان عبد الحليم حافظ أمي. كدت أن أضحك، لكنني لم أفعل. كانت أغنية عبدالحليم خافتة في راديو صغير عند طرف المقهى، ثم ارتفعت فجأة. خرج صوت عبدالحليم دافئًا، أقرب مما يجب، كأنه يجلس معنا لا في جهاز صغير. التفتُّ حولي. الزبائن في أماكنهم، يتحدثون كالمعتاد. لا أحد انتبه. قلت له: أمك؟ أجاب وهو يحدّق في الفراغ أمامه: نعم. الأم لا تورّث الاسم، بل تورّث النغمة. ثم أضاف، وكأنه يكتشف الجملة الآن: بعضنا لا يحتاج أن يُنسب، يحتاج أن يُغنّى له. لاحظتُ أن صور الآباء المعلّقة على الجدران — لا أعرف متى علّقت — بدأت تفقد ملامحها. الشوارب واللحى تتلاشى، العمائم تبهت، حتى لم يبقَ في الوجوه سوى شيء غامض يشبه انتظارًا قديمًا. أما صوت عبدالحليم، فكان يزداد وضوحًا، حتى خُيّل إليّ أن الراديو الصغير لم يعد يصدره، بل يحتفظ به. قلت، محاولًا الإمساك بالمنطق: عبد الملك كان يبحث عن أبٍ يشبهه. ردّ بهدوء: ونحن نبحث عن أمٍ لا تشبهنا، بل تحتملنا. حين نهضنا، شعرتُ أن خطواتنا لا تصدر الصوت نفسه. خطواتي كانت أثقل، كأن الأرض تعرفني من قبل. أما هو، فكان يمشي بخفة غير مبررة، كأن الصوت يحمله. مررنا بجانب الراديو، فمال رأسه قليلًا، وسمعته يتمتم: تأخرتِ كثيرًا. في الخارج، انعكست واجهات المحال على الزجاج، ورأيتُ في الانعكاس رجلين لا يشبهاننا تمامًا: أحدهما بملامح صارمة، كأن التاريخ ربّى وجهه، والآخر بلا ملامح واضحة، فقط ظلّ وصوت. وحده الصوت من بقي أخيرًا، عالقًا في الهواء، يغني دون كلمات.