العالم الموازي في الرواية الجديدة لخالد اليوسف..
عندما تصبح الموسيقى بوابة لرصد التحولات الاجتماعية.
في هذه المقالة سأقدم قراءة سريعة لرواية (قبل أن تعزف موسيقاها بقليل!)، وهي الرواية السادسة للأستاذ خالد اليوسف، وتمثل تجربة جديدة مختلفة عمّا سبقها، وهذا ديدن التجارب العميقة، إذ تبدو مختلفة في الظاهر، مع وجود روابط تؤصل تجربة المبدع، وعند خالد اليوسف تبرز تفاصيل الوطن، بوصفها أيقونة تجربته الروائية. وجاءت الرواية التي تنطلق منها هذه القراءة في سياق جديد، إذ وثّقت التحولات الاجتماعية لمجتمعنا، انطلاقاً من جانب أزعم أنه لم يحضر في رواياتنا المحلية، إذ تمثل موضوعها في رحلة الأصدقاء الخمسة الذي جمعتهم الموسيقا، بدأت الرحلة ببطل الرواية ( مبارك بن هديب) في حي منفوحة في الرياض، ثم اجتمع الخمسة في دورة عسكرية، ثم رشحوا لمعهد الموسيقا العسكري، واتجهوا بعد ذلك إلى تحقيق حلمهم بتشكيل فرقة موسيقية، ومروا بتحولات عدة، ولست هنا بصدد عرض أحداث الرواية، فالأمر متروك للقارئ، وسأشير إلى العالم الموازي الذي شيدوه في طريق ديراب في مدينة الرياض، عندما بنوا مبنى يتكون من ست صالات، بعد التجربة غير الناجحة في شقة منفوحة، وتجسّد النجاح في تكوين فرقة موسيقية قدمت حفلتها الأولى في القاعة الكبرى عام ( 2016م)، وسط حضور كثيف. رصد الروائي في روايته الفنون الشعبية في كثير من مناطق المملكة: نجد والحجاز والشمال وجازان وعسير، وكل شخصية من الأصدقاء الخمسة مثّلت فناً من فنون تلك المناطق. العالم الموازي في الرواية يتمثل في ذلك العالم الذي صنعه الأصدقاء الخمسة الذين أرادوا الانتقال من مرحلة الهواية التي كانوا يمارسونها إلى مرحلة الدراسة والاحتراف، فسهرات منفوحة ومعهد الموسيقا وشقة منفوحة واستراحة طريق ديراب، مثّلت مراحل عالمهم الموازي. وفي عام (2016م) شكلوا فرقة موسيقية كبيرة، بقيادة الموسيقار (مبارك بن هديب). وهذه الرحلة شكلت العالم الموازي الذي عاشوه، ورصدت التحولات الاجتماعية في بلادنا، من جانب لم تسلط عليه الأضواء في السرد المحلي، في ثلاثة عقود تقريبًا، سبقت رؤية المملكة (2030). ربط الروائي بين عمل الأصدقاء الخمسة بالموسيقار العالمي المعاصر (ياني كريسماليس)، وهو شخصية حقيقية المرجع، يوناني الأصل، وهذا الربط منح الرواية مزيدًا من الإيهام بواقعية الأحداث. وهذه الزاوية مجال لمقاربة نقدية عميقة تنطلق من المرجعي والتخييلي في هذه الرواية. كشفت الرواية عن معرفة الروائي بتراثنا الشعبي في مجال الموسيقا، ويمكن أن تعد الرواية مرجعاً في هذا الجانب، ولا غرابة في ذلك فالفنون تتماهى، والأستاذ خالد مثقف متعدد الاهتمام، ومتابع دقيق لمشهدنا الثقافي. وهذا مفتاح مهم من مفاتيح قراءة الرواية. امتد فضاء الرواية لثلاثة عقود تقريبًا، سبقت عام (2016م)، وتحديد هذا التاريخ بالشهور في مواضع عدة في الرواية مقصود، إذ ربط الرواية برؤية المملكة (2030)، وما سبقتها من إرهاصات مكنتهم من الحصول على رخصة لممارسة عملهم، بعد أن كانوا يمارسون هوايتهم في البدايات سرًا. بدأت أحداث الرواية عام (2015م)، وفق ترتيب عرض الأحداث، عندما غادر بطل الرواية إلى القاهرة لحضور حفل الموسيقار العالمي (ياني)، والتقى به، ووجه له دعوة لزيارة المملكة العربية السعودية، وأهداه مجموعة من التسجيلات الموسيقية المعبرة عن تجربته الموسيقية المكونة من تراث بلادنا في هذا المجال، وجاء هذا الحدث في القسم الأول من الرواية التي تشكلت من ستة عشر قسماً. وفي القسم الثاني ارتد الزمن إلى ما قبل أقل من ثلاثة عقود تقريبا، وتحديداً في حي منفوحة الحي الذي كان يسكنه بطل الرواية، ويشارك فرق السامري في سهرات الخميس في ذلك الحي، وسارت الرواية، بعد ذلك الحدث، سيرًا تصاعديًا حتى نهاية الأحداث التي تزامنت مع إعلان رؤية المملكة (2030). تمثل الرواية نموذجًا لاستجابة الرواية السعودية لمبادئ رؤية المملكة العربية السعودية (2030) ومنطلقاتها، وهذا الموضوع (أثر الرؤية في الأدب السعودي) نال اهتمامًا كبيرًا من النقد والنقاد، خاصة في هذا العام (2026م)؛ والسبب يرجع إلى مرور عشر سنوات على إعلان الرؤية، وهي مدة زمنية تتيح دراسة أثر التحولات الكبرى في المجتمعات. مع الإشارة إلى أن رواية (قبل أن تعزف موسيقاها بقليل) تحدثت عن مدة زمنية سبقت الرؤية بثلاثة عقود تقريبًا، وواكبت في نهايتها إعلان الرؤية، لكن الروائي نظر إلى تلك المرحلة بنظرة الرؤية التي أولت الجوانب الثقافية وجودة الحياة ورفاهية المواطن جل عنايتها، ضمن الجوانب الشاملة التي انطلقت منها الرؤية. وبعد، فرواية (قبل أن تعزف موسيقاها بقليل) للأستاذ خالد اليوسف تمثل تجربة جديدة في موضوعها، وجديرة بالقراءة والاهتمام. *أستاذ النقد الأدبي