بين مرارة النهايات وكنوز التاريخ..

حكايات السفن الغارقة.

عندما كنت طالبًا في الأكاديمية البحرية الباكستانية، وفي جزيرة منورا تحديدًا، جنوب مدينة كراتشي، صحونا ذات يوم، وإذا بسفينة تجارية تحمل اسم «زرعة» تنتصب كطود أسطوريّ على الساحل القريب. كان إعصارٌ مداريٌّ قد ضرب منطقة بحر العرب والمحيط الهندي، وقذف بالسفينة الإماراتية «زرعة» على الشاطئ. ولم يكن بالإمكان تحرير «زرعة»، التي انحسر البحر عنها بعيدًا، وبقيت هناك فترة من الزمن قبل أن يجري تقطيعها على هيئة خردة ونقلها إلى وجهتها الأخيرة. والسفن الغارقة أو الجانحة، سفن خانتها اللحظة، ربما الماء وربما الحظ، وبكل تأكيد ساعة القدر، التي حولتها من فلك يمخر عباب الموج إلى حطام من الخشب والمعدن يبقى أسيرًا للماء، وربما للأعماق. ولحظة تحطم السفينة أو غرقها هي لحظة مؤلمة، أشبه بنهاية العالم، عالمها هي وربما عالم من هم عليها. وفي العالم الكثير من الأساطير عن السفن الغارقة على امتداد الماء؛ بعضها غيّبه الماء إلى الأبد، وبعضها أصبح مسكنًا لحيوات ما تحت الماء، والقليل منها تحول إلى متاحف وأماكن للغوص، لكنها كلها سفن منكودة، غير أنها أبقت أو حفظت شيئًا من التاريخ، وربما من العظمة، وأبقت شيئًا للخلود. برزخ الزرقة ما من فاصل قطعي بين الماء واليابسة، فهما يتداخلان كثيرًا؛ يبتعد الماء ثم يعود ليذهب عميقًا في اليابسة، مكوّنًا ما يُسمّى الرؤوس أو الخلجان، وقد تزرع اليابسة القليل منها داخل الماء، لكنه مغمور بما يكفي ليحجبه، وهنا عادة تكون مزالق القدر للسفن. يبحر الفلك مطمئنًا في الزرقة، دون أن يدري أنه على عمق أقدام قليلة قد يترصّد حيدٌ بحريٌّ أو شِعابٌ مرجانيّةٌ أو حتى قاعٌ قريب، لترتطم به السفينة وتبقى مزروعة إلى الأبد. وقد تناور السفينة قليلًا أو كثيرًا، ملتمسة شفاعة المد والجزر، وقد تنجو، غير أنه في الأغلب ينتهي بها الحال إلى مقبرة من الخشب والمعدن، لتكون ذلك المكان الذي انتهى فيه وجودها. وليست هذه هي الأسباب وحدها التي قد تؤدي إلى جنوح السفن وارتطامها بالقاع؛ فربما غضب العواصف وإله البحر، وربما خطأ بشري، أو عطل ميكانيكي، والأسباب متعددة، لكن البحار الجيّد يضع كلّ ما سبق في الحسبان، ليظلّ مخر الماء آمنًا على الدوام، تحسّبًا لجميع الظروف. لكن أكثر قبور الماء هي تلك التي تسببت فيها الحروب، وهي كثيرة إلى حدّ لا يُحصى؛ ولأن المعارك البحرية تُخاض بعيدًا عن الأعين، فهناك قد تنتهي عوالم كثيرة وكبيرة يبتلعها البحر، وقد لا يعرف البعض، مثلًا، أن أعتى معارك الحرب العالمية الثانية وأكثرها شراسة كانت في البحار والمحيطات. وفي كل يوم، ومع تقدم التقنية، تظهر سفن غارقة ظن البعض أنها لن ترى الضوء مجددًا، وتظهر كنوز وحكايات وهياكل ترقد في الأعماق كوحوش أسطورية. لكنّ المغامرين يستنقذونها من النسيان، ويردمون الفراغ الذي تشكل بين غرقها وبعثها مرة أخرى، عبر أساطير وقصص تُستعاد كل يوم. بحارنا وطبيعة سواحلها تمتلك المملكة العربية السعودية سواحل طويلة جدًا (2480 كم) على كل من البحر الأحمر والخليج العربي، وإن كانت سواحل الخليج العربي رملية في الغالب وآمنة وقليلة الأعماق، وتقل فيها حوادث الغرق، إلا أن سواحل البحر الأحمر، وهي الأطول، تختلف؛ فهناك جزر كثيرة وصخور مرجانية وشعاب متعددة، وكانت تتربص هذه الحيود وهذه الشعاب بالسفن قديمًا، في ظل نقص الأجهزة الملاحية وعدم دقتها. وقد تقلصت هذه الحوادث كثيرًا، لكن هناك شواهد باقية على السواحل أو في قاع البحر، وكلٌّ منها يحكي قصة سفينة أو مركب تعثّر به الحظّ، كما نرى على سواحل ضباء وأملج وجدّة والقنفذة وجازان. كنوز بحرية غارقة في استطلاع أجرته جريدة الشرق الأوسط بتاريخ 1/11/2016م، نُشرت أسماء ومواقع لخمسين سفينة غارقة داخل البحار الإقليمية السعودية، وقد وصف الاستطلاع هذه السفن أو الكنوز الغارقة بالإرث الإنساني، وهي حقًا إرث إنساني؛ لأنها تنتمي إلى عصور وأزمنة وحضارات مختلفة. وتسعى الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني إلى حصر هذا الإرث الحضاري وتوثيقه، وذلك بالشراكة مع خبرات عالمية. وتتوزع هذه السفن على امتداد شواطئ البحر الأحمر، لكنها تتركز أمام مداخل الموانئ بالقرب منها، كموانئ أملج، وينبع، وجدّة، والشعيبة، والقنفذة، والقحمة، وجازان. وبعض هذه السفن ظاهر للعين، كتلك السفينة الجانحة على شِعاب «مسماري» في جدّة، أو أمام ميناء الشعيبة جنوب مدينة جدّة، لكن غالبيتها تحت قاع البحر، كتلك التي تربض في أعماق ميناء القنفذة وجزيرة أبو طير جنوب غرب مدينة جدّة. ميناء القنفذة أنموذجًا نشرت جريدة الاقتصادية بتاريخ الثاني من أكتوبر لعام 2011م قصة انتشال سفينة عثمانية غارقة منذ الحرب العالمية الأولى في مدخل ميناء القنفذة. هذه السفينة، وكانت ضمن ثلاث سفن، تخص متصرفية عسير التابعة للسلطة العثمانية في ذلك الوقت، وكانت قد تعرضت للقصف في الحرب العالمية الأولى من القوات الإيطالية التي كانت ضمن تحالف عسكري مع السيد الإدريسي، حاكم صبيا في حينه. وبقيت هذه السفينة الغارقة حتى جرى تقطيعها وانتشالها من عمق البحر، ويعزو المسؤولون سبب انتشالها إلى أنها كانت تعترض القناة البحرية لتوسعة ميناء القنفذة. وأعتقد أنها لو بقيت لكانت لها قيمة تاريخية، وربما تحولت إلى معلم سياحي للغوص ومراقبة الحياة البحرية، ناهيك عن حفظ شيء من التاريخ. ما القيمة التاريخية لهذه السفن؟ ليست كل سفينة غارقة تحمل قيمة تاريخية أو ثروات قيمة؛ فبعضها ليس أكثر من سفن بضائع أو حتى ركاب ومواشٍ، غير أن بعضها يكون محملًا بثروات كبيرة من الذهب والفضة، كالسفينة البرتغالية المسماة «زهرة البحار»، التي غرقت أمام سواحل الهند وعلى متنها ستون طنًا من الذهب، وكان ذلك في عام 1552م، وغيرها من السفن الاستعمارية التي كانت تنهب ثروات الشعوب المستعمرة، وغرق منها الكثير على سواحل جزر الملايو وعلى سواحل أمريكا الجنوبية وأماكن متعددة من العالم. وبعض هذه السفن يحمل قيمة تاريخية، ربما لأنها كانت جزءًا من أسطول بحري، أو لقيمتها التاريخية الزمنية. وقد ساعد التطور في أجهزة كشف المعادن وأجهزة الكشف تحت الماء (السونار) والكاميرات المتحركة في الكشف عن هذه السفن والوصول إليها وتقدير قيمتها التاريخية قبل الشروع في عمليات الغوص والاستكشاف المضنية. ولعل من أشهر السفن المكتشفة التي جرى تحديد مواقعها البارجة الألمانية «بسمارك» وسفينة الركاب البريطانية «تيتانيك» التي شغلت قصتها العالم. تأصيل ثقافة البحر رغم السواحل البحرية الطويلة والجزر البحرية الكثيرة، فإن ثقافة البحر والغوص تعدّ محدودةً، لأن غالبية الناس تحب الصحراء والفضاءات، وقليلون من يقصدون البحر للرياضات البحرية أو الغوص أو التنزه، وينحصر الفعل عبر بعض الهواة. وفي ظل رؤية 2030 التي تسعى إلى الاستفادة من كل الطاقات والموارد الكبيرة، ومن أجل دعم الاقتصاد الوطني، فإن لدى المملكة مشاريع عدة لتفعيل الاستفادة من هذه الموارد. وهناك مشاريع سياحية لتأهيل الجزر، ونشر ثقافة المواصلات البحرية وهي نادرة، إضافة إلى مشروع ضخم تقوم به هيئة التراث السعودية، وقد بدأ في تنفيذ الخطة الحقلية لمسح التراث البحري والاهتمام بالتراث الثقافي المغمور بالمياه. ومنها: العمل على تأسيس مركز متخصص لحماية التراث الثقافي المغمور بالمياه في البحر الأحمر والخليج العربي، والتعاون العلمي مع جامعات محلية ودولية، ومن بينها التعاون الحالي مع جامعتي الملك عبد العزيز ونابولي الإيطالية، كما صرح بذلك الرئيس التنفيذي لهيئة التراث. هذا المشروع سيدفع إلى تأصيل الاعتداد بثقافة البحر، ووضع اسم المملكة العربية السعودية على خريطة السياحة البحرية العالمية. وبعد؛ تتفجر طاقات ابن هذه الأرض كل يوم، وإن كان ابن الصحراء، فإن للبحر نصيبًا من الاهتمام، خاصة أن الله قد خص هذا البلد العظيم بالكثير من الخير في كل مجال. وكقائد سفينة وبحار سابق، يظلّ شبح السفن الغارقة محزنًا ومُلهِمًا أيضًا في عدم الوثوق المطلق بالبحر. *قاص وروائي، عميد بحري متقاعد.