في هذا الكتاب الصادر عن: منشورات المتوسط – في طبعته الأولى (2020)؛ يظهر لنا كيليطو كمتورط حقيقي؛ هو القارئ الناقد الفذ، الذي أرهقته من بعد، المنهجية الصارمة، والبحث المؤسس أكاديميا؛ في أعقاب تقديمه لنفسه في هذا الكتاب كحائر، تائه؛ بين لغتين ولسانين. بينما هذا هو الأسلوب الذي يتحدث عنه في ذات الكتاب، وهو أن تظل حبيس طريقة – ما – في الكتابة؛ الأسلوب الذي هو رهينة بلا شك في مجمل كتاباته القرائية النقدية، ولتقديمي لفعل القراءة على النقد شأن آخر.. يلتزم كيليطو نهجه الأسلوبي في التيه والحيرة، ويبقى رهين هذين المحبسين؛ في إشارة للمعري، الذي يتناوله عبد الفتاح في ثنايا كتابه، الذي هو بمثابة سيرة أسلوبية بنفس فكري. حيث يتناوب في الانتقال بين قطبي الأسلوب؛ فهو يقدم نفسه كمتورط وتائه بين لغتين، هي العربية لغته وهو الذي يؤلف ويقول: (لن تتكلم لغتي..)، وبين الفرنسية التي هي عصب درسه ودراسته وتدريسه؛ هنا يحتار، ويضعنا في ذات الحيرة، هذه المرة في الأسلوب، في التقديم والتأخير ولعبتهما الشهية، في بورخيس وابن رشد وكافكا، وبينهما بلا شك المعري حاضراً بجلاء ونفاذ بصيرة واضح في التنقل بين القطبين، قطب تقديمه لنفسه كمتورط، تلقائي؛ وقطب تقديم نفسه كصاحب أسلوب مميز في عرض فكرته، وخطابه النقدي، من خلال الظهور بمظهر التائه بين لغتين وأسلوبين؛ لكنه في الآن نفسه يطرح هذه الإشكالية كأسلوب ثالث مستقل: يمرر من خلاله قوله ودرسه السيري، والفكري، النادم بتصور فذ، لا ينم إلا عن ذكاء وبديهة أدبية، وإن تبرأ منها في ثنايا قوله النقدي المحكم، من ناحية التقنية التي يتناول بها درسه النقدي.ولعله في النص الأول من الكتاب بعنوان: مقامات؛ قد ألمح إلى استراتيجيته بخفاء مذهل، عندما تحدث عن الناقد وصوته الذاتي، المعبر عن ذاته ونفسه، وصوت المبدع الذي يختفي خلف شخصياته وأصواته المتعددة وسارده؛ تحمل النصوص في طياتها تجلية مسار كيليطو الفكري النقدي، هذه المرة؛ وتحاول أن تؤسس بل نجحت في تأسيس مفهوم عميق، قوامه الاستنجاد بالخطأ، أو بالمعضلة هنا، بدقة أكبر من جانبي كقارئ لجوهرة أسلوب الكتاب وموضوعته الخفية، التي تظهر ما تخفي وتخفي ما تظهر؛ هنا بالتحديد يبرز دور الكتاب؛ ويأخذ مكانه في أصالة مشروع كيليطو الكتابي بشمولية أكبر؛ عبر مسار تأليفاته المتعددة المتجانسة والمتألقة باختلافاتها وتمايزها قدر الإمكان الجمالي. قبل زمن – وهذا ختام استعراضي مني ومعارضة للكاتب – شغفت بمفكر من بلدي وحسبت أنني أشبهه من فرط ما قرأت مشروعه (الضمني) من خلال تتبع مؤلفاته، وليس قراءتها بالكامل – كما يحيل أيضا كيليطو حول قراءة الأدب الكلاسيكي في أحد نصوص كتابه – أقول أني قررت حينها، أنني أشبه هذا المفكر، وأطلقت قولي بأنه، أي هذا الكاتب لم يقرأه أحد بشكل صحيح وكامل؛ الآن: أصبحت أقول أنني لم أعد أشبه ذلك المفكر؛ الحقيقة أن المفكر تغير وبالتالي فلم أعد أشبه الكاتب في تغييره؛ أورد هذه القصة بقصد أن أقول: أن عبد الفتاح كيليطو، يشبه المعري، ويشبه بورخيس – ربما؛ لكنه يظل دائما في حيرة وتيه؛ بين قطبين وطرفين، سواء كان ذلك في اللسان، أو اللغة (وهما شيئان مختلفان عندي بالطبع وفي هذا السياق)؛ وبين الأسلوبين؛ وإظهار ما يخفى وإخفاء ما يظهر، وبين الشبهين؛ كما ينطلق ذلك ويصح على كيليطو، وكيليطو نفسه؛ فأيهما يشبه الآخر وأيهما هو هو الآخر.