«طريق الحاج» لعمرو العامري..

القاسمية وذاكرة المكان المهدد.

صدرت رواية «طريق الحاج: رحلة خليل الأول إلى بلاد القاسمية» للكاتب والروائي السعودي عمرو العامري عن دار متون المثقف للنشر والتوزيع في القاهرة، في طبعتها الأولى سنة 2024. وتأتي ضمن مشروع سردي بدأه العامري مبكرا بمجموعة «طائر الليل» الصادرة عن نادي جازان الأدبي سنة 1989، ثم توالت أعماله، ومنها السيرة الذاتية «ليس للأدميرال من يكاتبه»، ورواية «تذاكر العودة»، وروايتا «جنوب جدة شرق الموسم» و»بيت أمي» الصادرتان عن دار الساقي في بيروت، إلى جانب كتابه في أدب الرحلات «مدن أوقفتني على أبوابها». الاسم الذي يعود إلى الجذر لا تبدأ الرواية بخروج خليل الأول من موطنه، بل بوفاة خليل آخر من ذريته، هو حفيده الذي حمل اسمه. تنطلق الحكاية من غصن متأخر، ثم ترتد إلى أصل الشجرة؛ كأن العائلة لا تستطيع أن ترى لحظة تكوّنها إلا بعد أن يتهددها التلاشي. هذه العودة الزمنية ليست مجرد ترتيب مشوق للأحداث، بل تكشف الفكرة التي تمسك بالنص كله: القاسمية ليست مسرحا تجري فوقه الوقائع، وإنما كائن يولد مع العائلة ويشيخ بتفرقها.العنوان يعد برحلة خليل الأول، لكن الرواية تتجاوز سيرة المؤسس إلى سيرة السلالة. تتنقل بين رحمة وعلي وعرار وعقيلة وحالية ومسفرة، ثم بين خليل وطامي وعثمان وعقيل وعائشة. لا تستقر البطولة طويلا في يد شخص واحد؛ تنتقل مع العبء العائلي، ومع المسؤولية عن البيت والأرض والذاكرة. لذلك تبدو القاسمية الشخصية الأكثر ثباتا، حتى وهي تتناقص بيتا بعد بيت. القبر أول حدود المكان يغادر خليل الأول قريته بعد أن أفسدت الاتهامات والوشايات علاقته بإخوته، ولا سيما الخلاف الذي ارتبط بالأرض ومساقي السيل وتقسيم الإرث. يمضي جنوبا مع زوجته رحمة وولديه وبنتيه، ويتخذ طريق الحاج حزام أمان في رحلة امتدت نحو عشر سنوات. يتوقف في مواضع عدة، يزرع ويرعى، ثم يدفعه اختفاء ابنه عرار واضطراب الأحوال إلى مواصلة السير. عند وادي بلاج يتفقد الأرض، ثم يقول: «هنا المقام». يخط القاسمية ويبني عشته ويحفر البئر الخليلية لسقيا العابرين. وبعد موته يدفن في القاسمية غير بعيد عن البئر، فتستقر العائلة في المكان الذي كان يمكن أن يظل محطة عابرة. يلخص السارد هذه الصلة في عبارة حاسمة: «وحدها القبور تؤسس الأمكنة». ليست الملكية هي ما يربطهم بالأرض، بل الميت الذي يستحيل حمله في رحلة جديدة. القبر يضع أول حد للمكان، ويحول الإقامة من احتمال إلى مصير. الطريق الذي يسحب أبناءه يظهر طريق الحاج في البداية دربا آمنا، تحيط به القرى والمزارع وتخدمه محطات يتوقف فيها الحجاج والمسافرون. يحمل لخليل الأخبار، ويوفر له شعورا بأن العالم، مهما اتسع، ما زال قابلا للعبور. لكن الطريق نفسه يتغير. تدخل سيارات المور بأبواقها وأضوائها، ويصل الراديو إلى بعض البيوت، ثم يخفت اسم طريق الحاج ليحل محله اسم طريق الجنوب. هذه الحركة ليست زينة تاريخية في خلفية الرواية. إنها القوة التي تبدل معنى القاسمية. الطريق الذي جاء بخليل الأول وأسهم في نشوء القرية يفتح لاحقا أبواب الخروج أمام أحفاده. يسافر عرار إلى الحجاز بحثا عن العمل، ويلحق به أبناء الجيل التالي. يذهب طامي إلى دورة عسكرية، ويعمل عقيل في هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويسافر عثمان في بعثة إلى ولاية تكساس، ثم يعود ليعمل مضيفا جويا. كلما قصرت المسافات اتسعت الغربة، وكلما صار العالم أقرب فقدت القرية واحدا من أبنائها. أسماء تقاوم الغياب تكرر العائلة أسماءها كأنها تريد تعطيل الفناء. يسمي علي ابنه البكر خليل على اسم الجد، وتسمي عقيلة، ابنة خليل الأول، مولودها عرار على اسم أخيها الغائب. لاحقا تظهر عقيلة أخرى هي زوجة خليل الحفيد، وليست ابنة المؤسس. هذا التشابه جزء من عالم تتوارث فيه العائلات الأسماء، لكنه يحمل القارئ مسؤولية الانتباه إلى اختلاف الأجيال والقرابات. إلى جوار الاسم تنشأ الأسطورة. تتحول البئر التي حفرها خليل لسقيا الناس إلى بئر يطلب عندها الشفاء، ويتحول قبره إلى مزار تعلق قربه الثياب وتترك النذور. يعود عرار بتدين لم تعرفه العائلة من قبل، فيعيد إحياء المسجد ويعلم الأطفال القراءة والصلاة، ويحاول منع زيارة البئر والقبر. لكنه يظل كثير الغياب، مولعا بالصيد، عصيا على الاندماج في البيت الذي انتظر رجوعه. يلتقط النص المفارقة بعبارة موجعة: «لم يفقدوا عرار يوم غادر، لكنهم فقدوه بعد أن عاد». العودة الجسدية لا تعيد الشخص الذي صنعته السنوات البعيدة. النساء وكلفة الرحيل الرجال يقررون الرحلة غالبا، لكن النساء يحملن أثرها الأطول. رحمة تعرف، بعد شراء خليل البندقية، أن العودة لم تعد قريبة، فتغرس الحناء والريحان في الأرض الجديدة. وحين يتآكل وعيها في الشيخوخة لا تتذكر إلا قريتها الأولى وأهلها؛ كأن الذاكرة تتمرد أخيرا على الطريق الذي فرضه الزوج. حالية ترعى أمها، ثم تتزوج الشيخ طمحان الوليدي وتنجب عائشة، قبل أن تعود إلى القاسمية بعد موته. وعندما يريد إخوتها تزويج ابنتها دون رضاها، تواجههم وتصر على أن يكون لعائشة رأي في مصيرها. أما مسفرة، زوجة عرار وأم عثمان وعقيل، فتواجه غياب الزوج بإبرة الخياطة، وتصر على تعليم ولديها، وتدفع أبناء العائلة إلى المدرسة. في هذه الشخصيات لا تظهر المرأة هامشا عاطفيا، بل قوة تحفظ ما يتركه الرجال ناقصا: البيت، والتعليم، واستمرار الأبناء. السلالة بديلا عن البطل يتعمد السرد ترك بعض الشخصيات بعد أن يمنحها مساحة واسعة، ثم يلتقط مصائر أبنائها أو أقاربها. لا يواصل عرار احتلال مركز الحكاية بعد عودته، ولا يحتفظ طامي به رغم كثافة تجربته، ولا يتحول عثمان إلى بطل نهائي مع نجاحه المهني. هذا التوزيع ينسجم مع طبيعة الذاكرة العائلية؛ فهي لا تتذكر الناس بالقدر نفسه، ولا تحفظ حياتهم في خط مستقيم. يظهر الفرد بمقدار ما يمس مسار السلالة، ثم يفسح مكانه لغيره. ومن هنا تأتي أهمية التفاوت بين الإخوة وأبناء العمومة. طامي قارئ متفوق، لكنه يعجز عن حماية حياته الزوجية من التصدع. عثمان أكثر قدرة على التكيف مع العالم الجديد، غير أن نجاحه لا يعفيه من أعباء أسرته المتشظية. أما عقيل، فيتحول التزامه الديني تدريجيا إلى صرامة تمس علاقته بأمه وزوجاته، ثم يدخل مجال الرقية الشرعية. لا تقدم الرواية هذه المسارات أحكاما جاهزة؛ بل تكشف أن التعليم والوظيفة والتدين والمدينة لا تصنع خلاصا واحدا. كل باب يفتح إمكانا جديدا، وقد يفتح معه عزلة أخرى. القاسمية في مواجهة الزمن تتسع الرواية لتسجيل عام الهربة، واستقرار الأحوال، وانتشار التعليم، وظهور الوظيفة والسيارة والراديو والهجرة إلى المدن. أحيانا يعلو صوت السجل الاجتماعي على المشهد، ويبطؤ الإيقاع تحت وطأة الشرح، غير أن هذا الامتداد يخدم بناء الرواية؛ فالقاسمية لا تسقط بحادثة واحدة، بل بتراكم تغيرات صغيرة تفرغها تدريجيا. تجف البئر، وتغلق المنازل، ويغادر خليل الحفيد مع زوجته عقيلة إلى قرية القمري بعد أن تصبح الوحدة خطرا على أسرته. تستعيد أشجار الأراك ما أخذه البشر، ولا يبقى في القاسمية سوى المقبرة وبقايا البيوت والمسجد. مع ذلك لا ينتصر النسيان كاملا. يعود مطاعن، أحد أبناء عثمان، فيسور المقبرة ويحفر بئرا ويقيم مزرعة قليلة العطاء. لا يعيد الحياة القديمة، لكنه يمنع الاسم من الاختفاء. هكذا تنتهي «طريق الحاج» عند مفارقتها الأعمق: الطريق يبني القرية ثم يفرغها، والأبناء يغادرون بحثا عن حياة أوسع ثم يحملون القاسمية داخلهم كفردوس مفقود. لا يملك المكان أهله إلى الأبد، ولا يملكه أهله أيضا. ما يبقى هو أثر يحتاج دائما إلى شخص يعود، لا ليقيم بالضرورة، بل ليقول إن حياة كاملة مرت من هنا.