غوايات الكتب المدهشة ( الجزء الثاني).
للكتبِ الجميلةِ سطوةٌ على الذاكرة ، تتركُ أثرها العميق رغم مرور الكثير من السنوات تحت جسر الزمن. هنا باقةٌ من تلك الكتب التي قرأتُها باكرًا وشغفتُ بها كثيرًا ، وظلّ تأثيرُها قائمًا إلى يومنا هذا. لذا أكتبُ عنها هذه الإضاءات المقتصدة ، لعلَّ جيلًا جديدًا من هُواةِ القراءةِ والكتابةِ والإبداع يصطفيها كما اصطفيتُها ذات شغف. 1 « أعترف بأنني قد عشت» ، هذا الكتاب من أجمل الكتب التي قرأتها ، يتضمن مذكرات الشاعر التشيلي الكبير بابلو نيرودا التي كلما عدت إليها شعرتُ بامتلاءٍ وبزهوٍ خاصٍ مفاده : ثمة ما يستحق أن تنفق وقتك الثمين عليه وأن تسكب ضوء عينيك أيضًا..في هذا الكتاب تحضر سيرة الشاعر المناضل العاشق بكل ما في حياته المليئة من مسراتٍ و مراثٍ وأعراسٍ وجنازاتٍ وبسالاتٍ كبرى ، كما تحضر « وجوهٌ « كثيرةٌ من رفاق الحبر والأمل والألم والدم والنضال .. مثلًا حديثه عن موت الشاعر الكبير « لوركا « ومصير جثته الغامض ، وهو مصير يؤثث القلب بالحزن والحسرات...بقي أن أشير إلى إن ملامسة هذا الكتاب لأقصى نقطة في الروح يعود الفضل فيه إلى تلك الترجمة الباذخة للدكتور محمود صبح. 2 في كتاب « اليوميات « للشاعر الفرنسي شارل بودلير - الصادر عن دار الجمل ، الذي قدّمَ له و ترجمه الشاعر المبدع آدم فتحي ـ يهجو بودلير بقسوةٍ بالغةٍ المجتمعَ الفرنسي ، و الثورة الفرنسية ، والعديدَ من الكُتّاب والصحفيين ، والكثيرَ من المسؤولين والسياسيين .. ثمة من اعتبره يبدي تناقضًا فادحًا مع قناعاته الأولى .. وهو في هذا الكتاب بدا وكأنه يقوم بتصفيةِ حساباته مع كل الذين وقفوا ضده ذات مرحلة ، خصوصًا أولئك الذين كان لهم موقفٌ سلبي من ديوانه الشهير « أزهار الشر « .. ما يدير إليه الأعناق هنا في هذا الكتاب هو : تشبث بودلير بالدّين ومنافحته عن القيم بضراوة. 3 « كبار الكتاب كيف يكتبون ؟ « ، أصفه - من دون تردد - بأنه كتابٌ عظيم ، صدرت طبعته الأولى في بغداد ، العام 1986 عن دار الشؤون الثقافية بوزارة الثقافة ، قام بعبء الترجمة كاظم سعدالدين - يحتوي على مقابلات ومقالات لنخبةٍ ممتازة من كبار الكتاب في العالم من الذين لهم تأثير واضح في تيارات الأدب والفكر المعاصرين ، يتحدثون عن تجاربهم وعاداتهم وطقوسهم أثناء الكتابة وعن آرائهم في كتاباتهم وكتابات سواهم ويجيبون عن هذا السؤال المهم : لماذا يكتبون ؟ ..أذكر هنا من تلك الأسماء المهمة : آرثر ملر ، البرتو مورافيا ، فرانسواز ساغان ، أندريه موروا ، وليم سارويان ، وليم فوكنر ، مكسيم جوركي ، فرانسوا مورياك ، جورج سيمنون ، زهانك زيمين..أجمل إجابة عن سؤال : لماذا تكتب ؟ جاءت من البرتو مورافيا : « لأتسلى وأسلي الآخرين « ، وأجمل طقس قبل الكتابة كان طقس جورج سيمنون : يذهب إلى الطبيب لقياس الضغط والاطمئنان على شؤون القلب. 4 من الكتب الثمينة التي تستحق القراءة مرّاتٍ عديدةً ، والحفاوة بها دائمًا ، هذا الكتاب الرصين : « خارج المكان « ، للمفكر الكبير إدوارد سعيد ، الصادر عن دار الآداب ، إنه ليس محض « مذكرات « يمكن قراءتها ذات خفّةٍ ومن ثم تركها لرياح النسيان ..إنه كتابٌ نفيسٌ يفتح فضاء عينيك وأفق قلبك ورحابة عقلك على عوالم تحرّكَ في أرجائها هذا المثقفُ الفذ ، العصيُّ على الذوبان منذ بياض طفولته وشقاء شعبه حتى أضحى اسمًا كبيرًا وعلَمًا باسقًا على مسرح الفكر والكتابة والجمال والنضال ..تحية عالية لفواز طرابلسي الذي نهض بأعباء الترجمة. 5 « ذاكرة للنسيان « ، كتابٌ للمبدع الكبير محمود درويش الذي آخى فيه بين السرد والشعر ببراعةٍ نادرة ، قرأته منذ سنوات ، ورغم تدفق كل تلك السنوات تحت جسر الزمن ما زلتُ - حتى اللحظة - أتذكر الكثير من المشاهد والمقاطع والعبارات الجميلة التي وردت فيه والتي ما زالتْ تتوهجُ في الذاكرة ، مثلًا كلام درويش عن القهوة التي كان يبدعُها بنفسه متمهلًا ـ تحت جحيم القصف الصهيوني على بيروت في العام 1982ـ تمامًا كما كان يبدعُ قصيدته العصية على الذبول ، وتحديدًا مقولته العظيمة : « القهوة تُشْرَبُ في الفناجين البيضاء ، لأن الفناجين الداكنة تفسد حرية القهوة « ، وفي هذا السياق لا أنسى ملاحظته الحصيفة تلك التي تتناول فوضى سيدةِ البيتِ المهملةِ حيثُ حضور رائحةٍ دخيلةٍ في فنجان قهوتها ، أيضًا لا أنسى حديثه عن العنب حين رآه على الأشجار أولَ مرّةٍ : « كنتُ فيما مضى أظنُّ أن العنبَ يثمرُ في الصناديق « ! كما لا أنسى كلامه المقتصد وهو يصف مشهدًا دافئًا يختزله في عبارةٍ من خمس كلمات هكذا : « وكلانا يقتلُ الآخرَ تحت النافذة «.. حقًّا إن هذا الكتابَ السرديَّ - الذي يهطلُ شعرًا - عصيٌّ على النسيان ، ولسوف يبقى كذلك. 6 « آلموت « هو اسم قلعة وُصِفَتْ بأنها « جنَّةُ الحشاشين « ، وهي في ذات الوقت اسمٌ لروايةٍ ضخمة ترجمتها هالة صلاح الدين لولو ، وأشرف على الترجمة وراجعها الدكتور حسان عباس (كاتب وأستاذ جامعي سوري ، حاصل على وسام السعفات الأكاديمية الفرنسي عام 2001 ) . هذه الروايةُ - التي استلهمَ منها عددٌ من المخرجين العرب مسلسلاتهم - تتحدث عن زمن الفاطميين وعن الحركة الإسماعيلية وفرقة الحشاشين ومؤسسها الحسن الصباح. يبدو لي أن أمين معلوف أفاد منها كثيرًا في روايته الشهيرة « سمرقند «. جدير بالذكر هو إن فلاديمير بارتول ، أديبٌ سلوفيني ، حاصلٌ على درجة الدكتوراه المزدوجة في الأحياء والفلسفة فيما كان عمره خمسة وعشرين عامًا. 7 من أجمل الكتب التي قرأتُها باكرًا ، كتاب الشاعر الكبير محمود درويش « في حضرة الغياب « ..إنه نصٌّ نثريٌّ طويلٌ يوشكُ أن يكونَ شعرًا.. في هذا الكتاب - الذي تملكني حدَّ الذوبان - وقعتُ في أسر اللغة المسكونة بالعذوبةِ الخالصةِ والجمالِ الفاره. درويش الذي أحببتُ شعرَهُ الجميلَ حُبًّا جمًّا وكذلك نثره الذي يهطلُ منه الشعرُ بغزارة ، خصوصًا بعد أن أنقذ بكارةَ الشعر من سطوة الشعار - يتناول في كتابه العذب الموتَ والحياةَ ، الحضورَ والغياب ، العشقَ والهوى حيث يدندنُ طويلًا على هذه المفردات التي تنتمي إلى عائلة القلب ، كما يكترثُ كثيرًا بعبقِ المرأةِ وهذا الأخير تحديدًا جعلني أحسُّ بالثملِ النادرِ فيما كنتُ أحلّقُ في فضاءِ هذا النص الكبير الممتع الذي يتجاسرُ على التنميط والتصنيف والقولبة. 8 أشيرُ هنا سريعًا إلى روايتين ، أعدهما من الروايات الجميلة التي تستحق القراءة ، الأولى : « رحيق فى غربال « للروائية الهندية ( كمالا ماركاندايا ) ، الصادرة في سلسلة « ذاكرة الشعوب « التي توقفت حين استهدف الصهاينة مبنى الدار في بيروت ـ إنها رواية رائعة مليئة بالوجع والبؤس وضحايا الاستغلال وسحق كل براءة..ترجمها بلغة عالية الرائع أحمد خليفة .. الرواية الثانية بعنوان « الحوالة « للمبدع الإفريقي السنغالي الكبير صنبين عثمان ( صاحب رواية أطراف الغابة ) ـ صدرت في البدء عن « ذاكرة الشعوب « ثم أعيد طبعها فيما بعد وصدرت عن دار « التكوين «ـ ..إنها من أجمل ما قرأت من روايات ، عميقة ومدهشة رغم قصرها ، تقرؤها وكأنك تشاهد فيلمًا آسرًا لأن صنبين أيضًا سينمائيٌّ مبدع ، ترجمها بجمالٍ بالغ الشاعر الكبير سعدي يوسف. 9 أروندهاتي روي ، روائية بريطانية من أصل هندي ، شدتني إليها روايتها المدهشة « إله الأشياء الصغيرة « الحاصلة على البوكر في العام ١٩٩٧ ..الرواية تتناول حياة الناس البسطاء في بلدها « الهند « بلغةٍ جميلة ، متتبعةً التفاصيل الصغيرة والمشاهد الحميمة والعلاقات الدافئة والعذابات اليومية ومصائر البشر .. الجميل هو إنَّ ترَفَ العيش في الغرب لم يُنْسِ هذه الكاتبة المبدعة أنين الإنسان الهندي وعذاباته العريضة..الرواية صدرت في العربية في نسختين : الأولى بحبر الدكتورة جهان الجندي وهذه هي النسخة التي قرأتها ، والثانية بحبر طاهر البربري. 10 الروائي الألماني الكبير باتريك زوسكند أدهشتني روايته « الحمامة « كونها أولَ عمل روائي قرأته له ، لكن دهشتي اتسعت كالأفق عندما قرأتُ له « العطر « تلك التي صارت فيما بعد عملًا سينمائيًا لا يقل إدهاشًا عن الرواية ..بطل الرواية اللقيط الذي تفوح من جسده رائحة الجبنة الفاسدة صار خبيرًا فيما بعد في التقاط الروائح الأمر الذي جعله مؤهلًا لصناعة العطر. هذه الرواية التي تتناول مصائر الناس وعذاباتهم عذبةٌ وآسرة .