عندما كانت المرأة مشكلة معمارية..
كيف تحولت أفكار الستر والاحتياط إلى نوافذ مغلقة وبلكونات غائبة؟
ليست المنازل مجرد أماكن نسكنها، بل هي جزء من هوية المدن، وربما كانت أكثر ما يعبّر عنها من دون كلام، شكل النافذة، وارتفاع السور، ووجود الشرفة أو غيابها، والألوان، كلها تفاصيل تبدو منفردة وبسيطة، لكنها حين تتكرر في آلاف البيوت تتحول إلى صورة لثقافة كاملة. كانت البلكونة من اساسيات المنازل في الستينات الميلادية، ثم جاء المرسوم الملكي رقم م/23 بتاريخ 11 جمادى الآخرة 1394هـ، الموافق 1 يونيو 1974م، بصندوق التنمية العقاري الذي بدأ عمله الفعلي ونشاطه التمويلي في عام 1395هـ، الموافق 1975م. وكانت البلكونة من ضمن الشروط لمنح دفعات القرض من الصندوق آنذاك. وهذا يدل على أن صورة وتصميم البيت في تلك المرحلة كانت أكثر انفتاحًا على العالم الخارجي؛ فالبلكونة لم تكن عنصرًا غريبًا أو مثيرًا للتحفظ، بل جزءًا مألوفًا من البيت، ولم يقتصر الأمر على البلكونة فقط، بل كانت هناك سلسلة من الجماليات المعمارية: البلكونة، والجرانيت، والقرميد، وحجر الرياض، والبوابة الإسمنتية، والحمامات الإفرنجية، وباب الألمنيوم. ما يعنيني هنا ليس البلكونة في حد ذاتها، وإنما ما حدث للعمارة عندما أصبحت المرأة هي المشكلة التي ينبغي أن يحلها البيت، حين أصبح السؤال: كيف نمنع المرأة من أن تُرى؟ ارتفع السور، وأضيف الحديد، واختفت البلكونة، وأصبح الحجب جزءًا من تصميم المنزل، وما بدأ بوصفه احتياطًا اجتماعيًا انتهى إلى نتيجة جمالية وعمرانية لم تكن بالضرورة مقصودة، بيوت أكثر انغلاقًا وتشابهًا وأقل علاقة بالشارع. يحاول من يستبعد التشدد من صورة التغيير أن يقول إن البلكونات كانت موجودة بسبب شروط الصندوق العقاري، ولكن هذا التبرير غير دقيق؛ فالبلكونات كانت موجودة منذ الستينات، بينما جاء صندوق التنمية العقارية بعد ذلك، واستجاب لما كان الناس يألفونه، وأضاف إليه عناصر التحضر المعماري آنذاك، تطورت تلك العناصر جميعها، عدا البلكونات التي اختفت، كونها مطلة على الشارع، وجاء الشينكو فوق السور. قيل إن الاختفاء بسبب الغبار والحر، لكن المملكة شاسعة وتختلف أجواؤها، ولم يحدث الاختفاء في مدينة دون غيرها، وقيل إن الناس لم يستفيدوا منها، بينما دورها معروف، الاسترخاء والجلوس للراحة. وحتى في المدن القاسية، هناك فصول لطيفة تليق بجلسات البلكونات. لكن هناك هدفًا آخر يبدو أنه كان المحرك الحقيقي، وهو منع النساء من الوقوف فيها أو العبور أمامها، حتى لا يراهن العابر أو الجار، وهو ذات السبب الذي أحضر الشينكو فوق السور، حتى لا ينكشف أحد على نساء المنزل، في تلك الفترة كانت المرأة هي المحور الأساسي في الحياة، وبمعنى أدق، كانت كيفية إخفاء المرأة من الفضاء العام حاضرة في كثير من الأفكار والتفاصيل التي صاغت الحياة اليومية. ومثلما قيل عن اختفاء البلكونات من المنازل إنها بسبب الغبار والحر، رغم اختلاف أجواء المناطق، قيل عن الشينكو إنه للحماية من اللصوص، علمًا بأن اللصوص والقفز على المنازل لم يكونا ظاهرة ، قد تحصل حوادث، وهذا طبيعي في أي مجتمع بشري، لكن القفز داخل المنازل لم يكن ظاهرة مخيفة تجعل المنازل تضع الشينكو فوق الأسوار ، وفي الغالب، يسبق أو يرافق كل تغيير يميل إلى التضييق عدد كبير من القصص التي تثير الخوف؛ فنسجت روايات عن جيران رأوا نساء جيرانهم بسبب قِصر السور، وقصص عن لصوص اقتحموا بيوتًا للسبب نفسه، حتى الحادثة العابرة تتضخم بالتداول، فيتحول الاحتمال النادر إلى هاجس دائم، والاحتياط إلى عادة، ثم إلى جزء من شكل البيت نفسه. فالأفكار لا تبقى في المكان الذي وُلدت فيه، بل تتمدد مع الوقت، وتنتقل من مجال إلى آخر؛ وهكذا خرج الحاجب من البيت ووصل إلى المطاعم، فأصبحت الطاولات تفصل بينها حواجز، وكأن حتى الجلوس في المكان العام يحتاج إلى قدر من العزل! وفي بداية عمل الفتيات كاشيرات في الأسواق الكبرى، كان السؤال المقلق : كيف نحجب الفتاة عن نظر المتسوقين؟ فوضع حاجز حول كل فتاة، كان منظرًا في غاية الكوميديا، لكنه في الوقت نفسه كان كاشفًا عن مقدار التأزم في الذي التعامل مع وجود المرأة في المجال العام. هذا الحديد الطويل فوق الجدران، سواء سُمي ستراً أو حماية، جعل الشك أصلاً في كل ما يخص المرأة، وبما أن الأمور لا تجزأ، فكلها شكلت منظومة فكرية نتجت عنها سلوكيات قائمة على الشك والحجب، أنتجت بدورها شروطًا لا تساعد الجمال على الظهور، والقبح هنا ليس قرارًا جماليًا، وليس بالضرورة أن أحدًا قرر أن يبني بيتًا قبيحًا؛ إنه نتيجة جانبية لفكرة أخرى لم يكن هدفها أصلًا إنتاج القبح. حين يخرج جزء من السكان من عملية تخيل المدينة، تفقد المدينة جزءًا من احتياجات سكانها، فالمرأة ليست فقط شخصًا نريد حمايته أو حجبه؛ بل هي شخص يستخدم النافذة، ويجلس في الشرفة، ويختار اللون، ويهتم بالضوء، ويحتاج إلى مساحة، ويتعامل مع الحديقة، ويرى البيت بطريقة معينة، إقصاؤها من تشكيل المكان يعني أن صورة الإنسان الذي صُمم البيت من أجله أصبحت ناقصة. ولا أقصد بذلك أن المرأة بطبيعتها أكثر حبًا للجمال من الرجل، وإنما غيابها يعني غياب تجربة كاملة، ماذا تريد المرأة من نافذة؟ ماذا تريد من الشرفة؟ ما علاقتها بالحديقة؟ وما الذي يجعل البيت مريحًا وجميلًا بالنسبة إليها؟ حين تغيب هذه الأسئلة، فإن جزءًا من الحياة يغيب معها. التقليد له دور أيضًا، الناس تقلد بعضها بشكل عجيب، وأذكر مشكلة تقليد المشاريع: عندما يفتح محل خباز، يفتح بجانبه عشرات المحلات، وعندما يفتح محل خياطة نسائية، يفتح بجانبه عشرات المحلات، وهكذا، وأذكر جيدًا كيف كانت الصحافة تناقش هذه الآفة العقلية، وبالتأكيد سرت هذه الظاهرة على المنازل أيضًا. التقليد لا ينقل الشكل فقط؛ ينقل الفكرة الكامنة وراء الشكل، ثم يمحو أصلها، قد يبدأ شخص بوضع حاجز أو طريقة معينة في البناء لسبب خاص به، ثم يراه الآخرون، فيجد شيئًا فيه يوافق ما تراكم داخلهم من أحاديث عن الستر والخوف والاحتياط، فيقلدونه، وهنا لا يكون التقليد مجرد محاكاة لما فعله الآخر، بل استجابة لفكرة كانت موجودة أصلًا في الفضاء العام، وجاء الشكل المعماري ليمنحها صورة مادية، وبعد سنوات لا أحد يعرف لماذا بدأ الناس يفعلون ذلك، (كل الناس يسوونه)، وهذه العبارة وحدها آلية اجتماعية فعالة جداً. البلكونة ليست مجرد فتحة في الواجهة، إنها افتراض اجتماعي: أن البيت يمكن أن تكون له علاقة بالعالم الخارجي، فالبيت الذي يفترض أن أحد سكانه يجب أن يكون بعيد عن أعين الآخرين، سيحتاج إلى نوافذ مختلفة، والبيت الذي يفترض أن الخارج مصدر محتمل للنظر والكشف، سيحتاج إلى مزيد من الحجب. والبيت الذي تصبح فيه الرؤية مشكلة، ستصبح البلكونة فيه عنصرًا غير مريح. ومع الوقت قد تختفي البلكونة، ثم ننسى أنها كانت موجودة أصلًا، ونبدأ في الاعتقاد أن غيابها هو الشكل الطبيعي للبيت، جيل كامل قد يكبر ولا يرى بلكونة في بيت حديث، فيظن أن البلكونة أصلًا ليست مناسبة لبيتنا، بينما الصور القديمة تقول العكس. قد يقول أحدهم إن السور أو الحاجز الإضافي أو الحاجز من أجل الستر أو الحماية، وربما كان ذلك صحيحًا بالنسبة إليه، لكن السؤال الثقافي ليس: ماذا كان يقصد هذا الشخص؟ بل: ما الذي جعل هذه الاحتياطات تبدو ضرورية وطبيعية في مجتمع كامل؟ فكرة الاحتياط نفسها تأتي من تصور معين عن الخطر، وعندما يتكرر التصور آلاف المرات، يصبح هناك اعتقاد بأن الخطر هو الأصل، وفي جانب الستر، يصبح المتلصصون على النساء أو بيوت الآخرين هم الأصل، وقد يقول البعض، وربما كثيرون، إنهم شاهدوا جيرانهم أو أبناءهم يتلصصون على منازلهم، وهم صادقون في ذلك، ولكن هذا الأمر طبيعي جدًا؛ فهناك نظرية كونية تقول إن كل منع يعمل بشكل أكثر جاذبية. أيضًا أصبح الشك هو الأصل، ربما ترى شابًا يقف عند نافذة منزله، ومن الطبيعي أن يكون ذكرًا؛ لأن الذكر هو المتاح له الوقوف عند النافذة، فليس بالضرورة أنه يتلصص على أحد، أو يراقب من «تسير» في الشارع. هو يقوم بعمل إنساني طبيعي جدًا: يقف عند النافذة. ولو تحدثنا عن وقوف الفتاة عند النافذة، فنحن نخوض في حديث شائك وحساس، فالفعل الإنساني العادي والبسيط هذا قد يفسره من يسير في الشارع بأنها تحاول لفت نظره، وقد يفسره الجار، سواء كان رجلًا أو امرأة، بأنه سلوك شاذ وخارج عن الأدب، وقد يتم إبلاغ رب الأسرة، من باب تنبيهه إلى ما تفعله نساء بيته، كل هذا بسبب وقوف أنثى عند النافذة !! لا أقول إن اختفاء البلكونات سببه عامل واحد، ولا إن كل من أغلق بلكونته كان يفكر بالطريقة نفسها، المسألة أكثر تعقيدًا من ذلك، فالعمارة تتغير عندما تتغير نظرة الناس إلى ما هو طبيعي، وما ينبغي حجبه، وما يمكن إظهاره، وهنا يبرز سؤال آخر: لماذا نجت بعض عناصر الحداثة المعمارية، بينما اختفى العنصر الذي يفتح البيت بصريًا على الشارع؟ المسألة ليست رفضاً عاماً للتطور، بل شيء يتعلق بعلاقة البيت بما هو خارجه. حتى الألوان المتكررة في واجهات كثيرة لا أتعامل معها بوصفها دليلًا على غياب ذوق جمالي لدى الناس، وإنما بوصفها جزءًا من صورة أكبر، عندما يصبح البيت في المخيلة الاجتماعية مساحة للستر والحجب والعزل قبل أن يكون مساحة للتعبير عن شخصية أصحابه، يصبح من الطبيعي أن تتراجع أهمية الواجهة بوصفها شيئًا يتفاعل مع المدينة. وليس المال هو المشكلة، قد يكون البيت فخمًا جدًا، وقد يكون متواضعًا، وقد يكون بينهما، لكن الفكرة نفسها يمكن أن تعبر عن نفسها بأشكال مختلفة، تختلف الإمكانات والمواد وحجم البناء، لكن قد تتشابه الفكرة التي تنظم علاقة البيت بالخارج. ولذلك تبدو محاولات إعادة التفكير في شكل البيت اليوم لافتة، حين تتغير صورة الحياة التي نريدها، تتغير العمارة معها، وهذا ما يجعل الأكواد والتوجهات الجديدة في تصميم المباني أكثر من مجرد قواعد هندسية؛ فهي تعكس، في جانب منها، صورة مختلفة للمدينة التي نريد أن نعيش فيها. يمكننا أن نقرأ تاريخًا اجتماعيًا كاملًا في نافذة أُغلقت، وبلكونة اختفت، وسور ارتفع، وواجهة تكررت، فالبيت خاص، نعم، لكن تكرار البيت يصنع المدينة.