تشجُّر المعنى..

اشتباك الذات والعالم في شعر فايز ذياب.

تتبدّى تجربة الشاعر فايز ذياب في ديوانه»يَشْجَرُّ بين يديّ»بوصفها مجالاً حيويًّا لتشابك البنيات اللُّغوية والرمزية مع الأبعاد الرؤيوية؛ إذ تتحوّل اللغة الشعرية من مجرد أداةٍ للتعبير الإنساني إلى فضاء سيميائي مشحون بالعلامات والرموز. وانطلاقًا من العتبة العنوانية»يَشْجَرُّ بين يديَّ»يتجاوز التلقي لهذا العنوان حدود الوصف المباشر إلى أفق جمالي معرفي ينسج فيه الكون والنص معمارًا واحدًا، فالوحدة المعجمية ( يَشْجَرُّ) تتناسل منها عبر الذاكرة الشعرية العربية دلالات صراع الذات مع الطبيعة والفقد والاغتراب. ذلك أن امرأ القيس، وعنترة بن شداد وغيرهما نسجوا في شعريتهم مقولة الخصب.أي الحياة التي يتوقون إليها أمام الطبيعة الصحراوية القاسية، عبر رمزية المرأة والطلل والفقد. وهذا ما تنتجه السمات الدلالية للوحدة المعجمية ( يَشْجَرُّ).إذ تدل مباشرة في قصيدة «دستور»على «الوحدة، وعلى سراب الكلام»؛ حيث تتراكم الملفوظات الشعرية الآتية: «الشاعر كان وحيدًا»،» غنى لهم شعره الكاذب»،»فيطير أسراب كلامٍ»،» الشاعر صار وحيدًا»،»بين صليل دوار الموت «الشاعر مازال وحيدًا في جنبات الحفلة ينشد». ذلك أن فعل « التشجير» في عنوان الديوان يصوغ متواليات الفصل والوصل والتقابل كما في الملفوظات السابقة؛ حيث الوحدة والجفاف والرماد والغياب في نسقٍ تكراري يحوّل الملفوظات إلى علامات إشارية وجودية تطرح السؤال الآتي: كيف يتجلّى اشتباك الذات الشاعرة مع العالم؟ إنه سؤال عن هُوية الشاعر والإنسان في مواجهة كونٍ مجهول، يفتقد فيه إلى الخصب والارتواء. ويتعزّز هذا المدخل التأملي في قصيدة «ظنّ»؛ إذ تتوالى بعض الملفوظات، منتجة رؤية فكرية للعالم وتناقضاته: «ألقي اليقينَ عليهما وتخيّري وحذارِ من ناريهما أن تحذري ماخدعةُ الألوانِ من شأنيهما الناصعانِ بكلِّ عصرٍ أغبرِ متناقضانِ كأنَّ سين(ســ)مائهم ذابت بماء بلاغةٍ مُتكسِّرِ متشابكانِ فكلُّ غَورٍ فيهما قد أنجدتْ فيه انحناءة خنصرِ .. ياصاحبيّ إذا القطاةُ تدافعت صوب (المنخّلِ) فاشربا بالأكبرِ وتذاكرا «سقط النصيف» بنشوةٍ وتساقيا حتى يؤوب اليشكري ... فلربّما اتّضحت معالمُ يقظةٍ وصفتْ مياهُ يقيننا المتكدِّرِ وهذا يعني أن البنية اللغوية في خطاب الشاعر لا تقف عند حدود الدلالة الصريحة فحسب، بل تضع المتلقي إزاء ثنائيات رمزية تجسّد صراع المتناقضات؛ إذ يتّسم النسق البصري للقصيدة بأسطر شعرية طويلة، وأخرى قصيرة، في معمار بصري يتماهى مع التقابلات الضدية التي تزاوج بين الظلمة والنور، والفجر الكاذب والديجور، والخصب واليباب، والماء والسراب. يقول: ولأنني في الضوء لم أُنكر دمِي قد صرت من حبر الدجى أتلألأ ولأنني أغري المياهَ تدفقًّا أضحى سراب مفازتي يتوضأُ ... ماكنتُ أدري أن طينةَ أحرُفِي منها الأغاني تستفيقُ وتُنشأُ طفلٌ أحاول أن أقولَ قصيدةً لكن دُهِشتُ بأنني أتنبأُ فالشاعر، بقدر ما يتوق إلى التشجّر بين أسطر قصيدته، يتشكّل وعيه الشعري في فضاء من الصراع بين اليقين والشك، وبين النار والماء، ومن ثم يتحوّل الرمز إلى بنية دالة تكشف شعرية المتناقضات، كما في قوله: « متناقضان كأن سين ( ســ) مائهم ذابت بماء بلاغة متكسّر» ومن ثم، يتحوّل النسق الرمزي إلى اشتباك دلالي مع العالم وتحولاته، فتمضي تجربة القارئ في ديوان الشاعر من الاستقرار النسبي إلى فضاء الاغتراب والإحساس بالصخب والتحوّل. ويتأسس الانسجام الكوني في»يَشْجَرُّ بين يديّ»على مقولة:»الشاعر الوحيد»بوصفها ناظمًا معرفيًّا للثيمات الجزئية، وهي منبثقة من نواة الوحدة والاغتراب:»الشاعر كان وحيدًا»، صار ومازال وحيدًا»،»وسيظلّ وحيدًا» بما يربط ذاكرة القصيدة بالشعرية العربية. وهنا تتناصّ التجربة مع امرئ القيس ولبيد والشنفرى وتأبط شرًّا وزرياب والنفري وشوقي والثبيتي وغيرهم، فتتحول تجربة الشاعر إلى رؤيا لبلاغة الفقد ومجاز للخصب الذي يجاور بين الماء والتشجير من جهة، والوحدة والاغتراب والصحراء من جهة أخرى، في نسق وجودي أعمق تتولّد منه وحدات الإشراق الدلالي، كأن الشاعر يكتب ملحمته وملحمة الشعراء من قبله. وهذا مايقودنا إلى التساؤل: كيف تبني قصيدة «دستور»حواريتها الخفية بين تراجيديا الشاعر وذاكرة القصيدة العربية؟ يمكن اعتبار قصيدة»دستور»الشجرة الكبرى التي تتفرّع منها مقاطع القصيدة. إذ تنسج علاقات حوارية جدلية بين التراث الشعري والراهن الإنساني الوجودي، فالحوارية التناصية، بهذا المعنى، تُحوّل الرموز الشعرية العربية، كالماء والخصب والصحراء تحويلاً سيميائيًّا كثيفًا يكشف دلالات الاغتراب والوحدة على مسرح الحياة. ويتآزر هذا المستوى الدلالي مع المستوى الصوتي الإيقاعي الذي ينسج هندسة توترية تتنازعها ثنائية الفاعلية والغياب. ويتجلّى ذلك من خلال تراكم العلامة السيميائية «دستور»، وتواتر الصوامت الانفجارية، بما يسهم في خلق مناخ إيقاعي جنائزي: دستورْ يا أسيادَ العالمِ دستورْ كم هذا الشعرُ يضيعُ صداهُ ويذوي في قعقعةِ الجوقةِ بين ضجيجِ الطبلةِ والطنبورْ ... الشاعرُ مازال وحيدًا في جنبات الحفلةِ يُنشِدُ والمسرحُ آذن للأصواتِ الظمأى أن تتبخّرَ بعد أنِ انفضَّ الجمهور. .... ويردّد في صخبِ العالم: ياأسيادَ العالم دستورْ لجوازِ عبورْ بين حدودِ الطلقةِ والعصفورْ للحدّ الفاصلِ بين شعاع الفجر الكاذب والديجورْ بين نشوءِ الفكرة والأشعارِ و»دُمْ دُمْ تَكْ» وهذا الوزن المكسورْ ثم ينتقل الإيقاع الحماسي إلى قعقة الجوقة والضجيج، مع تراكم بُنى صوتية من قبيل:»الطبلة والطنبور». ويتناغم هذا المستوى الصوتي مع المستوى البصري الأيقوني؛ حيث تتوزع الأسطر الشعرية في فراغات وتقطيعات انكسارية، ولا سيما في تعاقب «كان»،»صار»،» مازال»،»سيظل». وهكذا تنزاح كل علامة عن الأخرى من حيث الاختلاف والتقطيع الإيقاعي التنغيمي مما يؤثر كذلك على المشهد البصري للقصيدة ذاتها. غير أن شعرية البياض تقدّم النص بوصفه فضاءً مفتوحًا يخترقه الصمت والتأمل والغياب. وكأن الشاعر يعيد المتلقي إلى صحراء امرئ القيس وعنترة بحثًا عن الخصب والحياة. ذلك أن اللوحة البصرية للقصيدة الشجرية وفروعها المتناسلة تقدّم في علاقتها بالمتلقي فضاء مسرحيًّا يستشعر عبره الغربة المكانية. حيث تُلقى أوجاع الموتى والأحياء على مسرح مجهول انفصل عن الحاضر، ومن هذه العلاقات المتشابكة المتناغمة بين الأنساق الصوتية والأيقونية تتشكل ثيمات دلالية ورمزية هي ذروة التحويل السيميائي للشجر، فانزياح المعجم البدوي مثل: «الترويسة، المجرور،أحديات البدو، البيد، ربابة، قوافل، الفلاة..» يدل على سياق رومانسي جديد يعيد تشكيل دلالات البداوة في رؤية معاصرة تتجاوز الحدود والأزمنة. وتتفرّع من هذه الشجرة الحوارية أغصان الفقد والحرمان؛ فلا تحضر الأشجار والمياه والسحب إلا بوصفها أطيافًا أو سرابًا يعمّق العطش الوجودي، وهنا تنقلب دلالة الخصب إلى أثر للغياب، فكلّما اقتربت صورة الارتواء، انكشف عمق العطش. ومن ثم، ينزاح مفهوم»الدستور»عن دلالته القانونية ليغدو نسقًا وجوديًّا تتشكّل في ظلّه حياة الإنسان بما يكتنفها من اغتراب وتيه وضياع، وهو ما تمثله بعض الأسطر الشعرية من قبيل:»بين حدود الطلقة والعصفور»،» الحد الفاصل بين شعاع الفجر الكاذب والديجور». وفي هذا الفضاء تتقاطع تجربة الشاعر مع مقولات الاغتراب لدى الشعراء الصعاليك؛إذ يحمل الشاعر في غربته دستورًا تنتظمه الجراح والأحزان والخراب والانقطاع. ومن هنا يغدو «الدستور» علامة مركزية تتشجّر منها دلالات اشتباك الذات مع العالم، وتتفرّع إلى مسالك الوحدة والاغتراب. هكذا يقودنا ديوان الشاعر فايز ذياب « يَشْجَرّ بين يديّ»أو ما نعته بــ»إيوان شعر» إلى الدلالة العامة المركبة المتمثلة في دستور الشاعر والإنسان الذي يخطّ بيده المأساة في الوحدة والغياب والفراغ؛ حيث انبجست من ذلك التشجير الأكبر الأوجاع وصخب العالم في فضاء مكسور مثّلته قصائد عدة من قبيل:»قصاصة من دفتر الوحي»،»ظنّ»،»سببان وخزف واحد»،»ما هجست به الريح»،»مواقف الرمل»،» تلويحة بلا أصابع»،»هوبال»وغيرها من القصائد التي شكلت حوارية مضمرة بين الشاعر وقوافيه ورؤاه المتعددة التي استحضرت ذاكرة الشعرية العربية؛ لتنتج من هذا التفاعل زمن دائري يعيد الذات إلى نقطة البدء؛ إذ تنطلق من الفقد لتعود من جديد، فيغدو التشجّر بما يوحي به من النماء والامتداد صورة لحركة المعنى الذي يتكوّن في الذات ويتفرّع في اللغة، وصولاً إلى الشعر بوصفه قطافًا لما يظل كامنًا تحت اللسان، يقول: في رحلةِ الترديدِ صوتٌ صامتٌ يحْكِي وصمتٌ صائتٌ يتلكأُ شجرُ التلعثمِ كامنٌ في ذاتنا وقطافهُ تحت اللسانِ مخبأُ في دفترٍ خطّ اسمهُ يمحوهُ.. يثبتُهُ ويرجعُ حائرًا يتهجأُ.