ترجمة وقراءة نقدية لمسرحية جاسبر الحوت..

المسرحية القصيرة جداً.

تنتمي المسرحيات القصيرة جدا إلى أكثر الأشكال الدرامية قدرة على تكثيف التجربة الإنسانية داخل حيز زمني ومكاني محدود كونها تعمل على لحظة واحدة من حياة الإنسان ثم تضعها تحت الضوء و يكون المشهد فوضى داخلية بين لقاء قصير وربما اعتراف متأخر أو انتظار لا ينتهي وهو ما يجعلها تقترب من الشكل الشعري مع احتفاظها بحرارة الفعل المسرحي الحي .ويسعدني في هذه المقالة أن اقدم أول ترجمة للعربية وقراءة نقدية لمسرحية (جاسبر الحوت ) للكاتب المسرحي جوزيف أرنون والتي تنتمي لمحور المسرحية القصيرة جداً التي تعمل وفق زمن عرض الخمس والعشر دقائق . مسرحية جاسبر الحوت هي مأساة الإنسان العالق بين النجاة والإنطفاء، تنهض الافتتاحية على مشهد بسيط كثيف التساؤل لرجل وحيد خمسيني يدعى تشارلي و تمثال حوت حديدي صدئ وشاطئ يستقبل الفجر ويظهر في الفضاء صوت داخلي بشري نفسي مضطرب يواصل الكلام أمام كائن صامت , يستمد النص قوته من قصر الزمن المسرحي أولاً فالمكان محدود والشخصيات قليلة والحركة الخارجية لا وجود لها فيما يتسع المجال الداخلي حتى يتحول إلى ساحة اعتراف طويلة تتكشف خلالها طبقات التجربة البشرية بين الفشل والاحتياج والخوف من الرغبة المؤجلة في الاعتراف , تشارلي يخاطب تمثال الحوت الحديدي الذي يطلق عليه اسم جاسبر مع علمه بعجزه عن الرد فيمنح التمثال وظيفة درامية تتجاوز حضوره المادي فيبدأ جاسبر يتحول إلى شاهد لاعترافات تشارلي ورفيق صامت ، وربما إلى صورة أخرى لتشارلي نفسه كجسد ضخم ثابت في مكانه يحمل آثار العنف والعبث وقد غطى نفسه بكتابات الغرباء كما غطيت حياة تشارلي بأحكام الآخرين وتسمياتهم . من الجماليات التي تغلب على مشاهد المسرحية المشهد الخام للمكان , فاختيار شاطئ روكواي مكاناً للأحداث يفتح النص على مفارقة جمالية عميقة لامتداد الشاطئ كفضاء مفتوح واسع ومتصل بالأفق فيما يعيش تشارلي داخله حالة اختناق قصوى أمام اتساع الشاطئ والسماء فيبدو وجوده محاصراً في جسد ينزف وذكريات بأثر تجربة نفسية تتداعى , وفي حياة اقتصادية واجتماعية ضاقت حتى صارت أشبه بغرفة مغلقة داخل وقت الفجر الذي يصل هنا متأخرا عن حياة الرجل الذي يحمل عادة وعد البداية فيضيء المكان تدريجياً في الوقت الذي يخفت فيه جسد تشارلي بشكل بطيء , تعمل الإضاءة في المسرحية كحركة درامية موازية لحركة الشخصية حين يسطع الشعاع على صدر تشارلي مع بداية العرض وكأن الطبيعة تمنحه لحظة اعتراف أخيرة ليتسع الضوء حوله بينما تضيق قدرته على الاستمرار , وهذه هي المفارقة التي تمنح المشهد طابعاً طقسياً حين يبدأ الموت يظهر عند ولادة النهار بينما الاختفاء يحدث في اللحظة التي يبدأ فيها العالم باستعادة واقعيته على خطاب تشارلي عبر انقطاعات سعال وتنهدات وصدى ترددات لغوية تعمل في صورة سرد مشوه تأتي كوميض متقطع ليتذكر أمه والدكان وخوفه من عبور الشارع ثم يفقد خيط الفكرة , هذا التفكك يمنح اللغة وضوحها النفسي وسخريتها العقلية في آن واحد , فنبدأ نلاحظ أن الذكريات تتجاوز الشخصية مع التأملات الوجودية حين ينتقل تشارلي من لون السماء إلى أغاني الطيور ومن الطيور إلى صراعها على الأرض وإلى سؤال الوجود والحركة كلها تبدو فوضى متشعبة هادئة ومع ذلك يجمعها منطق داخلي واحد وهو البحث عن تفسير خلف الظواهر, فالسماء جميلة ثم يكشف الموقف أن تغريد الطيور فعل دفاعي و الحياة تبدو متناغمة فيظهر العنف الكامن داخلها , و من هنا يتشكل شك تشارلي في قيمة المعرفة التي أرادها وأنه قد يكون الجهل أرحم له وربما يؤدي تفسير كل الأشياء إلى إفساد جمالها , تلك الفكرة تمنح المسرحية بعداً فلسفياً موجها ليكشف الحقيقة والحقيقة تكشف هشاشة هذا العالم , كون الإنسان يطلب الإجابات كي يطمئن ثم يجد في الإجابة والبحث أسباباً جديدة للقلق الذي نسميه قلق الوجود , فيأتي إغلاق المسرحية لتشارلي كخلاص تقليدي لا يتغير وضعه ولا ينقذه جاسبر الحوت ولا يأتي الفجر بأي حلول , فيموت الرجل بعد أن نطق العبارة التي اختزلته في عينه هو , وكأن الموت هنا يغلق مأساة جماعية ويكشف منظومة كاملة جعلت الإنسان يقيس قيمته بما يملك وبما يتركه وبما يراه الآخرون فيه. ------------- شرفات ينشر أول ترجمة عربية للمسرحية بإذن خاص من مؤلفها.. مسرحية جاسبر الحوت. تأليف: الكاتب المسرحي جوزيف أرنون ترجمة: مريم المساوي - الشخصيات - تشارلي: في الخمسينيات من عمره المكان : شاطئ روكواي الزمان : الساعة الرابعة وخمس وأربعون دقيقة فجراً خلال فصل الربيع. - المشهد المسرحي - يستقر في يسار الخشبة تمثال ضخم لحوت مدرع مصنوع من الحديد الصدئ ويبدو الحوت، تبعا لزاوية نظر المرء كأنه يبتسم ابتسامة ساخرة إلى حد ما، وقد غطته كتابات ورسوم الغرافيتي وعلى يمين الحوت سلة مهملات تتدلى منها أنواع مختلفة من القمامة وتتناثر على الأرض, وفي أقصى يمين الخشبة يوجد مقعد بني متهالك بصورة مائلة و يستقر فوق المقعد صندوق من المشروبات وكيس ورقي بني ممزق مفتوح تظهر بداخله حبات من الموز، إضافة إلى حفنة من المناديل التي جمعت على عجل وقد جف عليها الدم. - افتتاحية العرض - تبدأ الشمس في الشروق ويتسلل شعاع من أشعتها فوق ظهر تمثال الحوت ثم يصيب صدر تشارلي في مشهد أقرب إلى قصيدة شعرية ضوئية, يرتدي كنزة خضراء داكنة بقلنسوة وبنطال من الجينز الأزرق الفاتح يكشف عن جواربه السوداء عندما يجلس وحذاء رياضياً أبيض مهترئ. يتمتم تشارلي لنفسه: أنا بائع الحلوى ثم يصمت دقيقتين كاملتين ثم يبدأ يتحدث تشارلي إلى الحوت.. تشارلي: من كان ليعرف أن الأمر سيكون هكذا! لوهلة عابرة لم تكن هناك صدمة, كان ثمة إنكار شيء سريالي لكن ثمة ما هو أكبر من ذلك بكثير وكأنه شيء يطغى عليك بعد انتهائه ويبعث فيك طاقة ويجعلك تشعر كما تشعر أمك حين تكون في رعايتها وحين تكون إلى جوارك لتنقذك من الأذى. (إيقاع حركة للمشي للأمام ) يتمتم ما زلت هنا (إيقاع حركة للمشي أخرى للخلف ) يتمتم ما زلت حاضراً (إيقاع حركة للمشي خطوة واحدة ويقف) ما زلت! أممم, لا شيء تغير حقاً ما زلت أحتفظ بسحري وما زالت لدي شكوكي وذكرياتي وأسئلتي. يهز تشارلي رأسه ويتمتم بكلمة للحوت: لكن هناك شيء مختلف ثم ما كان يمكن أن يكون كل هذا؟ إلى ماذا كنت تبتسم ابتسامتك الساخرة طوال هذه الأعوام؟ أم أن ذلك كان عبوسك الخاص ! (المكان يغلب عليه للحظة صمت طويل) تشارلي يتمتم لنفسه كغناء جاف وخافت أجل، أجل يا بائع الحلوى, أتريد رشفة من شرابي ؟ (يقدم للحوت زجاجة من المشروب) تشارلي: كل تلك الأعوام التي ظللت خلالها أتعرض لإطلاق النار في هذه الأدغال المسماة بالحياة لم يتمكنوا من إسقاطي قط, كنت أقوى منهم و أفلت من كل تلك الرصاصات ! بالتأكيد كنت أعرف دائما متى أنحني أو أختبئ خلف شجرة حتى إنني كنت أختبئ أحيانا بين الأشجار نفسها كشجرة. (إيقاع وقفة صمت) تشارلي: لم أتخيل قط أنني سأظل أفعل هذا طوال هذه المدة ليس لأن الأمر سيئ, لا أبدأ فقد عشت لحظات مبهجة لا سيما في سنوات منتصف الطريق من عمري حين كانت الأمور بخير, حين كانت متماسكة ثابتة وصلبة كنت كالصخرة ياجاسبر! (إيقاع يضحك بسخرية صغيرة) حسناً، قد أبقي هذا المال في جيبي والطعام في بطني والملابس على ظهري حتى لو لم تكن تلك الملابس تلائم الإنسان, لم أتجاوز هذا الحد قط ولقد حاولت, حاولت لكن الحظ لم يحالفني أبداً. (إيقاع تنهد) تشارلي: ظن أنني كنت دائماً أخشى النجاح وأخشى أن أصبح شيئاً أكبر, أخشى أن أدرك هل كان السعي نفسه هو ما أحببته طوال الوقت؟ (إيقاع يحك رأسه) تشارلي: يا لها من هراء هذه الحياة! أرى ذلك الآن! لطالما امتلكت كل شيء لكنني كنت دائماً أكثر من أن أكون وفي الحقيقة لم أكن يوماً. (إيقاع يرتشف تشارلي من مشروبه وتمر عشرون ثانية يركز نظره على جاسبر الحوت) تشارلي : لقد غطوا جسدك بشتى أنواع الملصقات و لم تكن تلك هي الهيئة التي صنعوك عليها أليس كذلك؟ ينهض تشارلي بصعوبة ويتقدم مقتربا من الحوت ويميل إلى الأمام ويقرأ أحد الملصقات مكتوب عليها (إذا كنت تريد قضاء وقت غريب، فاتصل بالرقم) يحاول تشارلي نطق الاسم.. ف فـ ف فففانيسا , تسعة , واحد ويتوقف ويعود يقرأ مرة أخرى سبعة ثم يلوح بيده نحو الملصق ويتمتم آآآه، لا يهم أياً كان, ثم يقرأ ملصق آخر مكتوب عليه (للمعلومية غريدي وروث فعلا شيء غريب هنا , غريب جداً)! تشارلي: يا إلهي أيها الحوت المسكين أظن أن هذا يجعلك حوت للتجارب الغريبة البشرية أليس كذلك؟ ويضحك ضحكة صغيرة. تشارلي مرة أخرى: جاسبر, كيف تشعر وأنت تتحول إلى لوحة إعلانات لمخلفات أفكار الناس الغريبة وتعاستهم؟ (إيقاع ينقر تشارلي بإصبعه على الحوت) ويتخيل إجابة جاسبر التي ظهرت من رنين المعدن الصدئ . جاسبر الحوت: إنها مشاعري بالضبط يا صديقي لقد نلت نصيبي من الشعارات الغريبة والشتائم وإطلاق الأسماء علي , كانت ملتصقة بجلدي طوال حياتي بأكملها لكن لا بأس بذلك لست أحاول أن أسرد عليك مأساة حياتي إنما أذكر الحقائق فحسب, صدقني الحقيقة تكمن دائماً في الوقائع أليس كذلك؟ و أليس هذا غريب؟ جاسبىر الحوت يكمل: ماذا يحدث حين تحشد من الشجاعة ما يكفي لمواجهة الحقيقة؟ مواجهة تلك الوقائع و ماذا تفعل حين لا توجد حقيقة أعظم من حقيقة نقصك أنت! هل تفهم ما أعنيه؟ (إيقاع يحدق تشارلي في الحوت كأنه ينتظر منه إجابة) تشارلي: أجل! آه لقد مالت الكفة أخيراً, على الأقل أصبحت أعرف ذلك أن هولاء الكائنات أوغاد! أو أنهم بشر يتخيلون أنهم ملائكة وبيدهم المعجزات؟ أو كلاهما او لا واحد منهما مثل يبدو مثل كل شيء آخر يحدث في حياتنا , كل الأشياء ليس لها تفسير أليس كذلك ؟ إنه فظيع؟ يختفي كل شيء كما تختفي نسمة تمر على وجهك, و لماذا؟! (إيقاع حركة جسد) تشارلي يصرخ: لماذا ؟! بصوت لا يكاد يسمع و يكرر لماذا؟ يراقب تشارلي سماء الصباح والشمس تواصل صعودها البطيء وهي تنشر الضوء تدريجياً في أرجاء المكان. تشارلي: كنت أرى الأصفر والأزرق في السماء , كانا يدوران حول بعضهما كالأمواج في رقة وفي جمال هل تراهما يا جاسبر؟ هل ترى أمواج السماء؟ (إيقاع يسعل تشارلي) ويتمتم آه أين ذهب كل ذلك؟ تشارلي: حين كنت صبيا صغيراً كنت أذهب إلى الدكان في ناصية الشارع من أجل أمي و من المضحك هو ما لا يخطر على البال, لا بد أنني كنت في التاسعة من عمري تقريباً في ذلك الوقت وكان عبور الشارع بالنسبة لي أمراً في غاية الجلل لكنها لم تكن تسمح لي بعبوره إلا إذا ذهبت إلى الدكان نيابة عنها . (ايقاع يضرب تشارلي رأسه) ويتمتم ها! لكن ما الذي كنت أقصده؟ تشارلي: ما الذي كنت سأقوم به و ما الذي! آه لقد نسيت بماذا أفكر! ربما ستعود إلي لاحقاَ فكرتي. أكره حين يحدث ذلك, ويصمت. (ايقاع تبدأ الطيور في الزقزقة) تشارلي: ها هي هناك, مخلوقات صغيرة تستطيع الطيران إنه أمر لا يصدق , أتعلم يا جاسبر؟ لطالما ظننت أن الطيور تغرد في الصباح من أجل البشر كي تضفي البهجة على يومنا ولطالما ظننت ذلك إلى أن اكتشفت أن تلك الأصوات الجميلة ليست في حقيقتها إلا وسيلة للدفاع, هل كنت تعلم أن الطيور تخوض في الواقع معارك فيما بينها من أجل السيطرة على مناطقها؟ هذا كل ما تتكون منه تلك التغاريد للطيور مثلما هي الحياة تماماً تبدو أصواتها مهيبة إلى أن! أممم! ربما لا ينبغي لنا أن نفسر ذلك في نهاية الأمر وماذا يعني أن نعرف سبب وجودنا هنا؟ لماذا نفسد هذا التناغم؟ ويصمت صمت طويل. تشارلي مرة أخرى: إنها لعبة أرقام يا جاسبر, لطالما كان الأمر متعلقاً بالأرقام و ماذا عساي أقول غير ذلك؟ (ايقاع يتسرب الدم بوضوح من أعلى ساق تشارلي اليسرى عبر بنطاله) تشارلي وهو يشاهد الدم: أجل أجل أجل أجل, أنا بائع الحلوى هذا ما قاله لي ابني فقد قال: (كل ما آلت إليه حياتك يا أبي هو أنك أصبحت بائع حلوى) ابني هو من قال لي ذلك يا جاسبر! ولا أدري لست متأكداً من كل هذا العدد من حيواتي هل زال لا يكفي؟ (ايقاع يتنهد وصمت طويل) يتعثر تشارلي وينظر إلى جسده حيث تكشف ملابسه عن بقعة متزايدة من الدم الداكن الذي يواصل التسرب عبر القماش ويلمس جانبه الأيسر برفق ويبقي يده ضاغطة على جانب بطنه. تشارلي: إلى أين أوصلني هذا يا جاسبر؟ لقد قدمت كل شيء لأحصل في النهاية على لا شيء سوى أن أبقى حيث أنا هنا. (ايقاع يرتفع صوته تدريجيا) تشارلي: ألا أستحق قليلاً من الفتات؟ لقمة صغيرة أو مجرد تذوق نكهة, أو أن أعرف كيف يكون شعور المرء حين يصبح واحداً من كبار الشخصيات , أن أدخل غرفة فأحظى بالاحترام فعلاً من دون أن أقلق بشأن ما في جيبي أو بشأن الشخص الذي أدعوه إلى الغداء وأظل أصلي ألا يتجاوز حسابه ميزانيتي !دائماً هناك ميزانية يا جاسبر! ودائماً أحاول إطالة ما في خزان وقودي! يا للتعب! إنني أقتر على نفسي على كل قرش وأستدين من صديقي بول لأرد الدين إلى بطرس! أختبئ منهما وأهرب إلى نفسي محاصراً! وأتهرب من مكالمات محصلي الديون وطرقاتهم المتلاحقة على بابي بينما كل ما أحاول فعله في حياتي هو أن أتقدم خطوة إلى الأمام, لمرة واحدة فحسب أريد أن أعرف كيف يكون شعور امتلاك شيء وأن أستيقظ في الصباح وأجد لدي شيئاً يخصني أنا! (ايقاع ينفجر تشارلي بصوت مبحوح) تشارلي يكمل: أن أستطيع النظر في عيني ابني وأقول له: والدك رجل منتصر! يرمي تشارلي زجاجة المشروب باتجاه جاسبر فتهوي الزجاجة وتتحطم, لقد استنزف تشارلي كل قواه ومنذ هذه اللحظة تبدأ طاقته في الانحدار سريعاً. (ايقاع تشارلي يتنفس بصعوبة) تشارلي: أنا آسف, أنا آسف جداً يا جاسبر, لم أقصد فعل ذلك يا صديقي فكل تلك الأشياء الفظيعة تهوي بي للقاع والغضب و لم أقصد أن أرمي زجاجة شرابي في وجهك , هل جُرحت أنت أيضاً من قبل؟ هل جرحتك الآن؟ أنا آسف لا تتركني مثلما فعل الآخرون, أرجوك لا تفعل! يسحب تشارلي كنزته الخضراء ذات القلنسوة إلى أعلى ثم يخلعها من فوق رأسه كاشفاً عن قميص أبيض ملطخ بالدم يمتد على الجانب الأيسر من بطنه ويبدأ باستخدام كنزته لمسح آثار شرابه عن جاسبر. تشارلي: هكذا سأُنظفك تماماً فنحن في هذا معاً, أنا لست مثل الآخرين سأعتني بك و سنعتني ببعضنا البعض . (ايقاع يتوقف ويتفحص ما أنجزه من تنظيف) تشارلي: هكذا. أفضل الآن أليس كذلك؟ هل تسامحني؟ يحاول أن يضحك بشكل خافت لكنه يسعل بدلًا من ذلك ويتمتم أحسنت يا فتى. (ايقاع يسعل مرة أخرى وهذه المرة يبصق دماً) تشارلي: تباً ! حسناً لقد حصلت على ما أردت وربما ليس بالطريقة التي تمنيتها تماماً لكن تلك هي حكاية حيـ ي ي! بصمت ولا يكمل جملته و يتلوى وجهه من الألم ويتجه إلى المقعد ليجلس , يلتقط موزة ويقشرها ثم يأخذ قضمة منها. تشارلي: أنظر إلى أطفال هذه الأيام, عادة ما يصلني الأطفال الذين ينحدرون من العدم , أولئك الذين يعيشون في بيوت متنقلة أو في أحياء سيئة للغاية ,انهم الأطفال الذين يضطرون إلى العمل ليساعدوا في دفع الفواتير , أولئك الأطفال لطالما استطعت أن أرى نفسي فيهم و لطالما تمكنت من التواصل معهم , فنحن نتحدث اللغة نفسها ونتكلم بالطريقة ذاتها ونسير بالخطى ذاتها و أرى نفسي فيهم , دائماً أشعر بأن من مسؤوليتي أن أساعدهم على بلوغ نجاح ما ! اي نجاح وأي نهاية تليق بالإنسان بلا تعاسة! حتى ذلك الوغد الصغير كريغ هو أيضاً أريد له نهاية هل تصدق! (إيقاع يومئ برأسه) يتمتم هو أيضاً. تشارلي: ربما سيكبر أحدهم ويشق طريقه في الحياة ثم ينظر إلى ماضيه ويتذكر أن لدي شيئاً أقدمه له، شيئاً ساعده على الوصول إلى ما هو عليه الآن وبهذه الفلسفة, ثم يصمت . (إيقاع يتنفس بصعوبة) تشارلي: أنا رجل يحاول التمسك بزعنفة حوت يهوي إلى الأعماق ونحن الاثنان مجرد رجلين عاجزين عن الهـ ! يتقطع كلامه ويتمتم عن أكثر من ذلك ويصبح تشارلي بالكاد قادراً على الوقوف ويتجه نحو جاسبر ويتقيأ خلف الحوت ثم ينهار مستنداً إليه ومتشبثاً بزعنفته بيد واحدة. تشارلي: بسرعة كبيرة يا جاسبر! (ايقاع يسعل بخفة) يكافح تشارلي لالتقاط أنفاسه ثم تهوي يده التي كانت متشبثة بزعنفة جاسبر و يتمتم تشارلي لنفسه: أنا بائع الحلوى , ويسقط تشارلي وعيناه في الفراغ بين الفجر ونحو الشاطئ . -خاتمة - (ايقاع لصرير تمثال جاسبر الحوت من ريح الشاطئ ونهاية المسرحية)