رواية « الحدقي» لأحمد فال ولي الدين ..

شخصيتان والإيهام بحالة واحدة .

أهداني صديقي رواية «الحدقي» للأستاذ أحمد فال ولد الدين، لعلمه بحبي للجاحظ رحمه الله، فقرأتها في يومين، والحق أني استمتعت بها، وبالفن في كتابتها. فأسلوب الرواية أسلوب عربي أصيل، وأدبي فني آسر، والكلمات دقيقة في التعبير والوصف، من معناها المعجمي العربي، وقوة الخيال فيها؛ جعلت الأحداث متصلة متسلسلة مثل حبل نَظَمَ قافلة جمال في صحراء ذهبية لا تجد فيها قلقا ولا ارتباكا، وعنصر التشويق والإمساك بتلابيب القارئ؛ من أبرز سماتها، وصدق الذي قال: «السحر الحلال»! ولكن الأفكار سطحية وتقليدية، أجلى ما يكون ذلك في ربط شخصية المدقق اللغوي القروي من موريتانيا بشخصية الأديب الكاتب الجاحظ من بصرة العراق، وهو ما قد يريد كاتب الرواية إيصاله إلى القارئ. ولكن التشابه بينهما ظاهري فقط، وعند الفحص والنظر نجد أنهما متباعدتان إلى حد النقيض، يتجلى ذلك في اللغة والفكر والثقافة، فالقروي متمكن من اللغة ولكنه في أفكاره ليس إلا مقلدا أسيرا للأفكار الشائعة ويفتقد لمهارة النقد الحر، بينما الجاحظ مفكر مستقل يمتلك عقلا نقديا يزن فيه الأفكار، ولا سيما الشائع والمرسل على عواهنه، وأضرب على هذه الفكرة أمثلة توضحها. وصف القروي حصة بـ «مطوع بريدة» وشرح ذلك بقوله: «أرى أنك حنبلية في مسلاخ ليبرالية! وقبلية في لحاف مواطنة!»، أي أنها تظهر غير ما تبطن؛ فهي ليبرالية منفتحة ولكنها في حقيقتها متدينة رجعية، وبدوية أسيرة القبيلة والعادات وإن أظهرت اعتدادها بالوطن والإنسان والاستقلال الشخصي. وهذا المفهوم بوصفه العام ناتج عن بعض الأعمال الروائية في مطلع هذا القرن، والتي جعلت «المطوع» علامة ثقافية، وإضافة بريدة إليه ترديد لما يتداوله الإعلام عن بريدة من أنها محافظة ومتشددة في الدين وغيورة على موروثها الثقافي وما إلى ذلك. كذلك في مجلس والد حصة حين كان القروي يريد خطبة ابنته، فمع السذاجة في القروي وأصحابه الذين جاؤوا للخطبة وعدم معرفتهم بالعادات والتقاليد والآداب المرعية لتلك المناسبة، نجده حين رُفض طلبه يغضب وينفجر ليقول: «الفرق الوحيد هو أنني بدوي متعلم، وأنك بدوي من نوع آخر، أنا أحصي سبعة من آبائي كلهم عالم، ولعلك تحصي نفس العدد من أجدادك قطاع طرق». لا يتسع المجال لمناقشة هذه المفاهيم الشائعة ثقافيا مثل «المطاوعة» و «قطع الطريق»، لا سيما الأخيرة التي تتردد منذ زمن الشعوبيين، ولكن أريد أن أبيّن أن شخصية القروي أسيرة لما يتردد في الإعلام والأدب، ولذا فهو تقليدي بحت من ناحية المعاني والأفكار، وإن تزيّن باللغة، على عكس شخصية الجاحظ الذي كان أديبا يخضع كل شيء للعقل والنقد، لا يتناول الأفكار كما يرددها الناس، بل يتناولها بطريقة مختلفة تقلبها عن حالتها لديهم، وأشهى ما يفنده ويقوضه هو الأفكار التي يرددها الكتاب والأدباء الشعوبيون. مثال آخر؛ الجاحظ في الرواية خفيف الظل حلو المعشر ممتع المجلس حين يخالط جلساءه، أما القروي فممل ثقيل جاد، والروائي وصف ما يشعر به جليس القروي من ثقل وملل في أكثر من مناسبة، خاصة حين يتفاصح باللغة. ولذا هو صارم متشدد في اللغة، حتى لو آل به ذلك إلى عدم فهم الناس لما يُقال، وهو من الذين يتبنون كلمة أبي تمام حين قيل له: «لم لا تقول من الشعر ما يُفهم» فقال أبو تمام: «ولم لا تفهم ما يُقال»، على عكس الجاحظ الذي كان يطوّع اللغة ويكتب عن البلغاء والخطباء الذين أساس عملهم مخاطبة الناس والتأثير عليهم، وحثهم على الخطبة والكتابة بما يفهمه الناس. كما وجدنا هذه السطحية في التدقيق اللغوي، مهنة القروي، فهو مثلا يخطّئ استخدام الفعل الخماسي «يتواجدون» دون أن يبين سبب خطئه بيانا لغويا مبنيا على نظام اللغة، ولم يحلله ويقلّبه على وجوهه كما يقول ابن جني في الخصائص، ولو تأمله –كما هو الظن بالجاحظ- وكان مدركا للنظام اللغوي الذي تتألف منه هذه اللغة الكريمة ومدى مرونته، ووزن الفعل بالميزان الصرفي لوجد أنه فعل خماسي على وزن «تفاعل»، وهو وزن أصل في بابه في الأفعال المزيدة، أصل اشتقاقه من الجذر الثلاثي «و ج د»، وحيث إن من معاني هذا الجذر الإيجاد (بمعنى وجدت الشيء)، ووزن «تفاعل» لا يقتصر على دلالة المشاركة، بل يتعداه إلى صدور الفعل الواحد من أطراف متعددة، والقياس -الذي هو قياس ما لم يجيء على ما جاء كما يقول ابن جني في سر صناعة الإعراب- يسمح باشتقاق خماسي من ذلك الجذر بهذا المعنى، وحيث إن التضمين من الأصول المعنوية في اللغة العربية يستخدم بكثرة مع الأفعال، لوجده فعلا صحيحا فصيحا يجري على سنن العرب ولغتهم، ولكن الحكم بالخطأ هو ما نجده في كتب التصويبات اللغوية وبعض المقالات هنا وهناك، التي تحاكم هذا الفعل بلفظه وترده إلى معنى واحد فقط. قد يكون سبب ذلك عائدا إلى المدارس الفكرية التي تنتمي إليها الشخصيتان، فالجاحظ البصري من مدرسة تعلي من شأن العقل، حتى قال ابن العميد: «كتب الجاحظ تعلم العقل أولا، والأدب ثانيا»، والقروي الموريتاني من مدرسة تعلي من شأن اللغة والكلام، فهي تعلّم اللغة أولا وثانيا وثالثا. ولكني على كل حال أعود من حيث ابتدأت، وأقول إن هذه الرواية كادت أن تخدعني في ربط شخصية القروي بالجاحظ، أقوى سحر استخدمته هو اللغة، ولكن «من مأمنه يؤتى الحذر» كما يقال، فاللغة وإن كانت فاتنة ساحرة إلا أنها مسكينة لا تأمن خيانة الأنساق الثقافية حين تسقط من جعبتها بعضُ الكلمات الكاشفة عنها، قد تصل إلى حد التناقض.