اللقب الاعتباري.. لمن؟
ثمة كلماتٌ تُكتب إلى جوار الاسم، فتبدو للوهلة الأولى زينةً له، ثم لا تلبث أن تكشف عن مسؤوليةٍ أثقل من الزينة، وعن مقامٍ لا تمنحه الرغبة ولا تصنعه المجاملة. من هذه الكلمات: كاتب، أديب، شاعر، ناقد، مفكر. وقد تبدو المسألة بسيطة: ما الضرر في أن يُقال عن رجلٍ «أديب» أو «شاعر» أو «ناقد»؟ لكن المسألة، في جوهرها، أبعد من لقبٍ يُضاف إلى الاسم؛ إنها مسألة علاقة الإنسان بما أنجز، وعلاقة الآخرين بما عرفوا منه، ثم علاقة الكلمة بصاحبها أمام الزمن. قال صديقٌ كريمٌ: «ضع تعريفًا مع اسمك». ولأنني أعرف من أنا، لم أجد ما أضيفه إلى اسمي أكثر من اسمي كاملًا، وما أمارسه من عمل، ثم كتبت عن مشاعري بلغتي وحروفي. ولم يكن ذلك تواضعًا مصنوعًا، ولا فرارًا من لقبٍ جميل؛ إنما كان اختيارًا لما أراه صادقًا في علاقتي بالكلمة. فأنا كاتب. هذه الكلمة وحدها تكفيني. ثم قال لي صديقٌ آخر، أطلقتُ عليه لقبَ مستشاري، إنه يرى في ما أكتب ما يتجاوز ذلك، فأشار إلى: أديب، وناقد. فقلت له: شكرًا لك، ولكن ليس شيئًا من ذلك أراه أصلًا في تعريفي لنفسي؛ الأصل عندي كاتب. وليس في الأمر تقليلًا من شأن هذه الصفات؛ بل لعل العكس هو الصحيح. فأنا أرى أن الألقاب الأدبية الكبيرة لا ينبغي أن تُستعجل، ولا أن يحملها صاحبها لمجرد أن آخرين أحسنوا الظن به. الشاعر ليس من كتب أبياتًا؛ وإلا لكان كل من نظم بيتًا شاعرًا. والناقد ليس من أبدى رأيًا في قصيدة أو كتاب؛ فالنقد معرفةٌ وذائقةٌ وأدوات، وله مقامه الذي لا تصنعه كثرة التعليقات. والأديب ليست صفةً تسبق صاحبها إلى الناس؛ إنها حصيلة كتابةٍ واسعة، وتجربةٍ لغوية، وحضورٍ يتجاوز النص المفرد إلى عالمٍ له ملامحه وصوته. أما الكاتب، فأجدها أوسع الأبواب وأصدقها في الوقت نفسه. الكاتب من جعل الكتابة طريقته في التعبير، ومارسها لا باعتبارها لقبًا، بل باعتبارها عملًا. يكتب مقالًا، أو فكرةً، أو شهادةً، أو قراءةً، أو تأملًا؛ ثم يترك للنص أن يقول ما عجز الاسم عن قوله. فالاسم لا يرفع النص، وإنما النص هو الذي يرفع الاسم. وقد يكون في الساحة من يحمل ألقابًا كثيرة، فإذا قرأت ما كتب لم تجد وراءها ما يسندها. وقد تجد رجلًا لا يضع إلى جوار اسمه لقبًا واحدًا، لكنك ما إن تقرأه حتى تعرف أن وراء الكلمات تجربةً وصوتًا وصاحب مشروع. وهنا تظهر قيمة اللقب الاعتباري. إنه ليس لقبًا يمنحه صاحبه لنفسه، ولا بطاقة تعريفٍ يكتبها على صدره، بل منزلة تتكون ببطء من تراكم العمل، ويمنحها الآخرون لأنهم رأوا ما يستحقها. فالاعتبار يأتي من خارج الاسم، لا من داخله. ولذلك أتحفظ كثيرًا أمام الألقاب التي تسبق أصحابها، وأرتاح أكثر إلى الأسماء التي تأتي عاريةً من الزينة، ثم تكتسب قيمتها مما تتركه وراءها. وليس معنى ذلك أن يرفض الإنسان تقدير الآخرين له. على العكس؛ من أجمل ما في الحياة أن يرى المرء في عيون الآخرين ما لم ينتبه إليه في نفسه. لكن الفرق كبير بين أن يُكرمك الناس بلقب، وبين أن تصنع من اللقب هويةً لنفسك. الأول محبة. والثاني ادعاء. وقد يكون اللقب في بعض البيئات العلمية أو الثقافية وصفًا مستحقًا، بل ضروريًا للتعريف بصاحبه، ولا حرج في ذلك. لكن استحقاقه يحتاج إلى شيء يتجاوز حسن الظن: منجزٍ ظاهر، وتجربةٍ معتبرة، واستمرارٍ يمنح الصفة معناها. فلا يكفي أن يقول المرء: أنا شاعر، لأن له قصائد. ولا أن يقول: أنا ناقد، لأنه كتب نقدًا. ولا أن يقول: أنا أديب، لأنه كتب نصوصًا أدبية. فالفرق بين ممارسة الفن واستحقاق اللقب هو المسافة التي تصنعها التجربة. وقد يكتب الإنسان الشعر ولا يكون شاعرًا بالمعنى الذي يليق بهذا اللقب، وقد يكتب النقد ولا يبلغ مرتبة الناقد، وقد يمارس الأدب طويلًا دون أن يحتاج إلى أن يعلن عن نفسه أديبًا. الزمن أكثر عدلًا من المجاملة. هو الذي يفرز الأسماء من الألقاب، ويُبقي من الكلمات ما كان له أصل، ويسقط ما كان معلقًا في الهواء. ولعل أجمل ما في اللقب الاعتباري أنه يأتي متأخرًا. يأتي بعد أن يكون صاحبه قد شغلته الكتابة عن التفكير في اللقب، وبعد أن يصبح للناس من أعماله ما يكفي ليضعوا الاسم المناسب إلى جواره. عندها لا يعود اللقب مدحًا؛ يصبح وصفًا. ولا يعود إضافةً إلى الاسم؛ يصبح شهادةً عليه. أما أنا، فقد اخترتُ وصفًا أُقِرُّ به شاهدًا على فعلي القولي: الكتابة؛ وأضعه قبل اسمي، وهو كلمة «كاتب». لا أطلب لها رتبةً، ولا أستعير لها مقامًا، ولا أزاحم بها ألقابًا أكبر منها؛ فهي عندي وصفٌ لفعلٍ أمارسه، ومسؤوليةٌ أتحملها كلما وضعت كلمةً إلى جوار أخرى. أما ما وراء ذلك من الألقاب، فأتركه للذين يقرؤون، وللأثر الذي تتركه الكتابة فيهم. وللألقاب الاعتبارية وأهلها كل التقدير والاحترام؛ فهي مقاماتٌ لها أصحابها، واستحقاقاتها، ومسوغاتها، ولا ينقص من قدرها أن يختار المرء لنفسه الوصف الذي يراه أصدق في التعبير عن مقامه. أنا كاتب؛ لأنني أكتب. وما عدا ذلك، فللأثر كلمته، وللقارئ حكمه، وللزمن كلمته الأخيرة.