قدمها الباحث عبد الله العطية ..

رحلة في بدايات المسرح الشعري ومآلاته بجمعية ابن المقرب بالدمام .

في ليلة استعادت فيها الكلمة جلالها الموهوب، وشَهِدَت فيها الخشبة حنينها الأول للقصيدة، احتضن مقر جمعية ابن المقرب للتنمية الأدبية والثقافية بحي الأثير في الدمام، مساء الأربعاء الماضي ، أمسية استثنائية حملت عنوان *”المسرح الشعري بداياته ومآلاته”*. أدار اللقاء الشاعر الأستاذ ناجي حرابة بأسلوبه الحواري العذب، ممهداً الطريق لضيف الأمسية الشاعر والباحث المسرحي الأستاذ عبد الله بن حسين العطية ليخوض بالجمهور في عمق هذه العلاقة التاريخية الجدلية بين الشعر والمسرح. افتتح الأستاذ ناجي حرابة الأمسية بمقدمة احتفائية بسيرة الضيف الإبداعية؛ فالعطية – ابن مدينة الجرن بمحافظة الأحساء، والحاصل على الماجستير في الأدب والنقد البلاغي من جامعة الملك فيصل – يحمل زاداً بحثياً متيناً توّجه بإصدارات نوعية، في مقدمتها كتابه الصادر عن الهيئة العربية للمسرح عام 2025م بعنوان “الحوار في المسرح الشعري السعودي”، وديوانه الشعري “قبلة تسرق الحزن”. وانطلق الحوار بسؤال السحر والبدايات حول سر شغف الضيف بالمسرح ولماذا استحق هذا الفن تحديداً لقب “أبو الفنون”. وبيّن العطية أن المسرح ليس مجرد فن قائمة بحد ذاتها، بل هو الوعاء الاستيعابي الأكبر الذي يندمج في أحضانه الشعر، والتصميم، والموسيقى، والأداء الحركي، والإخراج؛ إنه الفضاء الإنساني الأكثر شمولاً وتأثيراً في وجدان الشعوب. وعبر أربعة محاور رئيسية، أخذ العطية الحضور في رحلة سردية وتاريخية شائقة: توقف أولاً عند *المفهوم والنشأة والتطور*، مستعرضاً التلازم التاريخي بين الشعر والمسرح منذ عهد الإغريق حين ولدت التراجيديا في رحم القصيدة، وصولاً إلى تحولاته في المسرح العربي والتجربة السعودية وروادها. ثم انتقل إلى *القيمة المضافة التبادلية*، مفككاً ما قدمه المسرح للشعر من أبعاد حوارية وديناميكية حية، وما أضفاه الشعر على المسرح من جلال لغوي وشحنات بلاغية أورثت الجمهور دهشة لا تزول. ولم تغفل الأمسية قراءة لحظات الانكسار؛ إذ ناقش المحور الثالث *أسباب الأفول والتراجع* لحساب النثر والفنون البصرية الحديثة كالسينما، مشيراً إلى التحولات الكبيرة في ذائقة الجمهور، وهجرة المبدعين والمخرجين لهذا الفن المركّب الصعب، في زمن أصبحت فيه الصورة السريعة هي السائدة. غير أن الأمسية لم تغلق أبوابها على الحسرة، بل فتح المحور الأخير *نافذة على المستقبل والمآلات*، متسائلاً عن إمكانية إعادة إحياء المسرح الشعري بصيغة معاصرة تتلاءم مع الروح الرقمية، وما هي الشروط الفنية الكفيلة بتمكينه من الحضور المؤثر مجدداً. ومع ختام هذه الرحلة الفكرية الثرية والنقاشات المثمرة التي جادت بها قاعة جمعية ابن المقرب، توّجت الأمسية بلمسة وفاء؛ حيث تفضّل نائب رئيس الجمعية الأستاذ علي النمر بتكريم المشاركين في الجلسة: الضيف الأستاذ عبد الله العطية، ومدير الحوار الأستاذ ناجي حرابة، ممتناً لهما هذا العطاء الأدبي والبحثي الرفيع، وسط تصفيق وتشجيع الحاضرين الذين أثنوا على حسن التنظيم وعمق الطرح.