تأتي زيارة الدولة التي يجريها صاحب السمو الملكي ولي العهد رئيس مجلس الوزراء -حفظه الله- إلى الجمهورية الفرنسية، تلبيةً لدعوة من فخامة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، لتؤكد عمق العلاقات بين البلدين ومتانة شراكتهما الاستراتيجية. وتعكس الزيارة تقدير القيادة الفرنسية للمملكة ومكانتها السياسية والاقتصادية، وثقلها الإقليمي والدولي، ودورها المحوري والمؤثر في تعزيز أمن واستقرار المنطقة والعالم. وتعكس زيارة سمو ولي العهد -حفظه الله- إلى الجمهورية الفرنسية حرص قيادتي البلدين على تطوير العلاقات الثنائية بين المملكة وفرنسا، وتعزيز شراكتهما الاستراتيجية الشاملة، واستثمار إمكاناتهما السياسية والاقتصادية في خدمة المصالح المشتركة، في ظل ما تشهده العلاقات بين البلدين من تطور متسارع. كما تجسد الزيارة حرص المملكة على توثيق شراكاتها الاستراتيجية مع جميع القوى والأطراف الدولية الكبرى والمؤثرة، والمحافظة على علاقات متوازنة معها، بما يخدم مصالح المملكة الوطنية، ويعزز دورها القيادي والمحوري في منطقة الشرق الأوسط والعالم. حضور سمو ولي العهد حدث استثنائي وقد عكس حضور سمو ولي العهد -حفظه الله- حفل اختتام بطولة كأس العالم للرياضات الإلكترونية 2026م في باريس، خلال زيارته للجمهورية الفرنسية في أول نسخة من البطولة تقام خارج المملكة حدثاً استثنائياً يجسد عمق ومتانة العلاقات السعودية الفرنسية، وقد تجلى ذلك في تقديم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون شكره للمملكة على ثقتها في اختيار باريس لاستضافة هذه النسخة، ووصفها بأنها سابقة يعتز بها كثيراً. الرياض وباريس.. تنسيق يتجاوز العلاقات الثنائية قادت المملكة وفرنسا الجهود الدولية في دعم القضية الفلسطينية لتنفيذ حل الدولتين، وتجلى ذلك في رئاستهما المشتركة للمؤتمر الدولي بشأن التسوية السلمية للقضية الفلسطينية وتنفيذ حل الدولتين الذي عُقد في مدينة نيويورك في سبتمبر 2025م، بهدف وضع مسار واضح يفضي إلى إنهاء الاحتلال الإسرائيلي وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، وصدر عن المؤتمر "إعلان نيويورك"، الذي كان المحرك الدبلوماسي الرئيس لبلوغ عدد الدول التي تعترف بفلسطين 159 دولة حتى الآن. وقد شهدت العلاقات السعودية الفرنسية نقلة نوعية بعد توقيع مذكرة تفاهم بشأن تشكيل مجلس الشراكة الاستراتيجية بين البلدين خلال زيارة فخامة الرئيس ماكرون إلى المملكة في ديسمبر 2024م، حيث يمثل المجلس إطاراً مؤسسياً لتطوير العلاقات الثنائية والتعاون في القطاعات الاستراتيجية الواعدة، والتحول إلى شراكة منظمة ومستدامة بين البلدين وسيعقد المجلس اجتماعه الأول خلال الزيارة. وأسهم تبادل الزيارات بين قيادتي البلدين في توطيد العلاقات بين المملكة وفرنسا وتطوير التعاون بينهما في إطار الشراكة الاستراتيجية التي تجمعهما، حيث زار سمو ولي العهد -حفظه الله- الجمهورية الفرنسية في شهر يوليو 2022م، وشهر يونيو 2023م، كما زار فخامة رئيس الجمهورية الفرنسية المملكة في شهر ديسمبر 2021م، وشهر ديسمبر 2024م. يسعى البلدان إلى الإسهام في تحقيق الأمن والاستقرار والسلام إقليمياً ودولياً، ويبذلان جهوداً دبلوماسية لتحقيق أمن وحرية الملاحة البحرية، وتحرص الجمهورية الفرنسية على شراكتها مع المملكة وتعتبرها حليفاً وثيقاً يلعب دوراً رئيساً في الحفاظ على الأمن والسلم الإقليمي واستقرار المنطقة، لذا يحرص فخامة رئيس الجمهورية الفرنسية على التشاور مع سمو ولي العهد -حفظه الله- بشأن القضايا والأزمات الراهنة وسبل معالجتها. ويحرص البلدان على تعزيز التعاون والتنسيق في المجالات الدفاعية بما يخدم ويحقق المصالح المشتركة، ويسهم في تحقيق الأمن والاستقرار إقليمياً ودولياً كما يعمل البلدان على رفع مستوى التعاون والتنسيق الأمني القائم بينهما، خاصة في مجالات مكافحة الجرائم بجميع أشكالها، ومكافحة الإرهاب والتطرف وتمويلهما، والأمن السيبراني. من الشراكة السياسية إلى المصالح الاقتصادية يتطلع البلدان إلى أن تسهم زيارة سمو ولي العهد -حفظه الله- للجمهورية الفرنسية في تعزيز الاستفادة من الفرص التي تتيحها رؤية المملكة 2030، وخطة فرنسا 2030، لتطوير وتعزيز الشـراكة الاقتصادية بين البلدين في مجالات الاستثمار المشترك، والصناعة، والطاقة، والثقافة والتراث، والسياحة، التعليم، والتقنية، الفضاء، والدفاع والأمن، وغيرها من المجالات. وتتجه الشراكة بين المملكة وفرنسا إلى توسيع مجالات التعاون والاستثمار في مجالات الطاقة المتجددة والكهرباء وكفاءة الطاقة والابتكار وتقنيات إزالة الكربون، وتوليد الكهرباء من المصادر المتجددة بما فيها الطاقة الشمسية وطاقة الرياح وتطوير مشـروعاتها، والنقل والتوزيع والتخزين وأتمتة الشبكات، والتقاط الكربون واستخدامه وتخزينه، والهيدروجين والكهرباء منخفضة الانبعاثات، إضافة إلى البترول وإمداداته والبتروكيماويات، والاستخدامات السلمية للطاقة النووية. كما يعمل البلدان على تعزيز العلاقات الاقتصادية والاستثمارية وتنمية التبادل التجاري بينهما، من خلال انتظام عقد اجتماعات مجلس الأعمال السعودي الفرنسي، وتكثيف تبادل الزيارات بين الوفود التجارية والاستثمارية، وتشجيع إقامة المشاريع المشتركة، وعقد الفعاليات التجارية والاستثمارية، لبحث الفرص الواعدة في عدد من القطاعات الاستراتيجية، وقد أثمرت هذه الجهود في بلوغ حجم التبادل التجاري بين البلدين 11.5 مليار دولار في عام 2025م. رؤية المملكة 2030 وخطة فرنسا 2030 وتبرز قوة الحضور الاستثماري في المملكة من خلال منتدى الاستثمار السعودي الفرنسي الذي عُقد في شهر ديسمبر 2024م، تحت شعار "رؤية المملكة 2030 وخطة فرنسا 2030"وشهد اجتماعات طاولة مستديرة تناولت موضوعات جودة الحياة، والبنية التحتية، والترفيه، والتحول الاقتصادي، والتقنية، وجرى خلاله المنتدى توقيع عدد من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم، بين مؤسساتٍ من القطاعين الحكومي والخاص في البلدين، وتعد فرنسا من أكبر الدول استثماراً في المملكة حيث بلغ عدد الشركات الفرنسية التي تعمل في المملكة ٦٥٠ شركة منها (٣٩) اتخذت من المملكة مقراً إقليمياً لها. وفي قطاع الطاقة يحظى دور المملكة بتقدير الجانب الفرنسي لما تضطلع به من دور في دعم توازن أسواق النفط العالمية واستقرارها، وفي تعزيز موثوقية الإمدادات بصفتها مُصدراً رئيساً للنفط الخام، كما يثمن الجهود والمبادرات التي بذلتها المملكة لضمان استمرار ومرونة سلاسل الإمداد من خلال استخدام مسارات تصدير بديلة وعلى رأسها خط أنابيب (شرق - غرب) والذي أسهم في الحد من تقلبات الأسواق وعزز أمن الطاقة العالمي، كما يربط البلدين علاقات تجارية ومشروعات مشتركة في مجال النفط الخام والغاز ومشتقاتها والصناعات البتروكيماوية وعلى رأسها مجمع "ساتورب" في الجبيل ومشروع "أميرال”.وتتجسد الشراكة الاستثمارية بين البلدين في عدد من المبادرات والاتفاقيات المرتبطة بدعم المشروعات والشركات المرتبطة بتحقيق رؤية السعودية 2030، وتعزيز تمويل الصادرات الفرنسية والمشروعات المشتركة حيث تم توقيع مذكرة تفاهم بين صندوق الاستثمارات العامة والبنك الاستثماري الوطني الفرنسي في ديسمبر 2024م بهدف تعزيز التعاون وتقديم خدمات دعم تمويل بقيمة تصل إلى 10 مليارات دولار لمدة خمس سنوات، كما وقع برنامج الربط الجوي السعودي اتفاقية تعاون مع مجموعة (Air France-KLM) لإطلاق رحلات مباشرة بين مطار شارل ديغول في باريس والرياض ابتداءً من صيف 2025م. ويمثل التعاون المناخي أحد مسارات الشراكة بين البلدين في إطار التزام يلتزم البلدين بمبادئ الاتفاقية الإطارية للتغير المناخي، واتفاقية باريس، وضرورة تطوير الاتفاقيات المناخية وتنفيذها بالتركيز على الانبعاثات وليس على المصادر، ويحظى دور المملكة الريادي في العمل المناخي بإشادة الجانب الفرنسي، بما في ذلك إطلاق (مبادرة السعودية الخضراء) على المستوى الوطني، و(مبادرة الشرق الأوسط الأخضر) على المستوى الإقليمي والعالمي. الثقافة جسر متين للشراكة عززت المملكة علاقاتها الثقافية مع الجمهورية الفرنسية من خلال تأسيس اللجنة الوزارية السعودية-الفرنسية في عام 2018م، بهدف الإشراف على التطوير الشامل ومسيرة التحول لمحافظة العُلا وتحويلها إلى وجهة سياحية وثقافية عالمية، وقد عملت اللجنة على حماية وتطوير التراث وصون المواقع الأثرية والتاريخية في العُلا، وتمكين التبادل الفني بين البلدين، وجذب الاستثمارات الفرنسية والعالمية للمحافظة، إضافة إلى التطوير البشري وبناء القدرات. وشملت مجالات التعاون الثقافي بين المملكة والجمهورية الفرنسية تطوير منتجع شرعان المبتكر المنحوت داخل الصخور والذي صممه المعماري الفرنسـي الشهير جان نوفيل، وتنفيذ مشروع ترام العُلا الصديق للبيئة بالتعاون مع شركة ألستوم الفرنسية إضافة إلى افتتاح مؤسسة "فيلا الحجر" كأول مركز ثقافي سعودي–فرنسي مشترك في العُلا، لتكون منصة للإبداع، والفنون البصرية، والتبادل الفني، وتدريس اللغة الفرنسية لأبناء وبنات المحافظة لتأهيلهم لقطاع الضيافة والسياحة وبناء القدرات الوطنية في علم الآثار، وتقديم عروض مشتركة للأوركسترا والكورال الوطني السعودي، وأوركسترا دار الأوبرا الملكية الفرنسية. ويعد التعاون السياحي أحد أولويات الشراكة الاستراتيجية بين المملكة وفرنسا وقد انتقل هذا المجال في يونيو 2026م إلى مستوى تنفيذي من خلال توقيع برنامج عمل مشترك يهدف لتنمية الموارد البشرية والتدريب السياحي، وجذب الاستثمار، والسياحة المستدامة، وتنافسية الوجهات، وتبادل الخبرات، والتقنيات الرقمية والبيانات والذكاء الاصطناعي المرتبط بالسياحة.