صَدَف النور.

أحب صَدَف النور؛ يذكّرني بوجه أمي، رحمة الله عليها، أول ما صافحته عيوني، وصدف النور اللي أذكره وحنا صغار، حين يتسلل الضوء إلى مكان نومنا، وينعكس على جذوع النخيل وأغصان الأشجار، ويتشتت من خلالها. وتسمع بعض الأقران يقول: “خلنا نجلس بصدف النور”. أتحدث هنا عن معنى الصَّدَف الذي رسخ في أذهاننا، أما المعنى المعجمي فله أهله، وهم أدرى باللغة وشعابها، وإن كنت قد قرأت في موقع مجمع اللغة الافتراضي على منصة “إكس”، تحت عنوان “كلمة اليوم”: الصَّدَف بداية انبلاج الضوء بعد الفجر، تكون الرؤية فيه غير كاملة؛ لمخالطة الظلام، ولعله من السُّدْفة، وهي الضوء والظلام. وخلال دردشة هاتفية مع الزميل نايف فلاح وهو من أهل الذوق اللغوي، قرّب لي معنى العبارة من جهة الاستعمال؛ فاللغة بطبيعتها تتحرك على ألسنة الناس، وقد يتحول فيها التشبيه مع الزمن إلى تسمية تستقر في أذهانهم. ولعل بقعة الضوء المتسللة، في لمعانها وانحناء أطرافها كما يشير فلاح شُبّهت بالصدفة؛ فقيل: “النور مثل الصدف”، ثم اختصرها الاستعمال إلى “صَدَف النور”، فبقي فيها المعنى الأصلي إلى جوار المعنى الذي صنعته الذاكرة الشعبية. وكنت قد عدت إلى المعجم، ووجدت عشرات التصريفات والمعاني، لكن ما يعنيني معنى صَدَف النور المجازي الذي استوعبته ذاكرتنا، ولعله مستوحى من لمعان الأصداف ونقاء النور حين تطل الشمس بأول خيوطها الذهبية وتبدد العتمة. وسمعت عن “صدف النور” أو “أصداف النور”، الذي يشير إلى قطع إكسسوارات ومجوهرات نسائية مستوحاة من جمال البحار والأصداف. كل ما سبق، وإن لم يُصب المعنى مباشرة، يشير إلى ارتباط الكلمة بالصدف الضياء. ما زلت حتى الآن أفضل، حين يتمدد ضوء الشمس، أن أفتح الستارة قليلًا كي يدخل صَدَف النور. وقد بحثت في الشعر عن شاعر وظّف المعنى، ولم تفلح محاولاتي؛ لأن الشعر يأتي بكلمات لم تستوعبها معاجم اللغة أحيانًا. مثل صَدَف النور كلمات كثيرة مفعمة بالحياة، ولها رنتها، طرقت أسماعنا صغارًا، وارتبطت بمحيطنا البسيط. وكل ما أخشاه أن تفسد معناها في أذهاننا محاولةُ تتبع معناها المعجمي بدقة. وتكاد مثل هذه الكلمات والتوصيفات تتلاشى اليوم، مع دخول الكهرباء والأضواء بشتى أشكالها وألوانها، ولم يعد لصَدَف النور، الذي كنا نشعر به يتسلل بين جدران منازلنا، ذكرٌ إلا في لحظات عابرة تمر بنا.