احذروا هذا الكاتب..

توصيات “مؤثري الكتب”.. إنعاش للقراءة أم اختطاف للذائقة؟

في عالمنا العربي الذي يتهم بأنه لا يقرأ، ويمكن الترويج فيه لكل شيء تقريباً إلا الكتاب، ظهرت -على مواقع التواصل الاجتماعي- فئة مؤثري الكتب كفرقة إنقاذ، فقدمت خدمة جليلة لكثير من الكتّاب ولدور النشر التي كانت تضع إصداراتها في اليم وتتمنى أن تشق طريقها بنفسها دون أي مجهود ترويجي، ربما زهداً، وربما تقديساً للكتاب عن معاملته كسلعة، ولذلك كانت بعض العناوين المهمة تضيع دون أن يسمع بها قطاع عريض من محبي القراءة، خاصةً أولئك الذين لا يتابعون الصحافة الثقافية التي تقدم مراجعات نقدية أو أخبار الإصدارات الحديثة، فأصبح المؤثرون يروجون لكتب يوصون بقراءتها، وبعضهم يحذر من القراءة لكاتب ما بجرأة غريبة على إطلاق الأحكام، مؤثر ما زال طالباً في كلية الطب يقيّم رواية بعد عرضها الموجز بـ “صفر”، وآخر يضع عنواناً لافتاً: “احذروا هذا الكاتب”، هكذا في دقيقة أو أقل يصدر حكماً على مجمل أعمال الكاتب، بل وأعماله القادمة أيضاً، وبما أن الآلاف يتابعون هذا المؤثر ويثقون في أحكامه، فنحن هنا أمام معضلة، فمن ناحية نحن أمام فئة تروج للقراءة في مجتمع أدمن الصورة والمقاطع السريعة، ومن ناحية أخرى يخشى البعض من إساءة هؤلاء المؤثرين لسلطة توجيه الذائقة القرائية، وبالتالي التأثير على الكتابة نفسها مما ينتج منه تغييرات جذرية في النشر والنقد والصحافة الثقافية، ولمناقشة تأثير هذه الظاهرة استطلعنا آراء عدد من الفاعلين في الحقل الثقافي، فكانت هذه إفاداتهم: جيل كسول أفسدته التكنولوجيا لقد حل مؤثرو الكتب بأرض خصبة وزمن مثالي، الأرض لا جدّية فيها إذا تعلق الأمر بالثقافة، والزمن باتت فيه الصورة أكثر جاذبية من الحروف، وصار الهاتف فيه أقرب إلى النفوس من المكتبة، هذا ما تراه الناقدة المصرية والفنانة التشكيلية فدوى عطية: “نحن في حقبة حافلة بضغوط الحياة وشديدة التسارع في تطورها التكنولوجي؛ فكل شيء تساعدنا فيه آلة، وذلك أورثنا الكسل، كسل في البحث وفي التدقيق والتمحيص فيما يصل إلينا من معلومات وكتب، قد يصل إلينا ما يفضله الآخرون وليس الأعلى قيمة”، أما الناقد المصري الدكتور أحمد كريم بلال فله رأي آخر حول اتهام هذا الجيل بالكسل، موضحاً أن المسألة ليست كسلاً: “هذه طبيعة العصر، ولكل عصر طبيعة وأداة، كان العقاد -مثلاً- يراسل دور النشر العالمية، ويطوف بالمكتبات ساعة كل يوم ليرى جديد الكتب، ولو أنه ابن زماننا لترصد تلك الكتب من وراء شاشة الكمبيوتر، تماشياً مع العصر، وتوفيراً للوقت والجهد، لا ركوناً للكسل”. شلل الاختيار القرائي ومن وجهة نظر أخرى، ترى الناقدة فدوى عطية أن كثرة الإنتاج الثقافي والروائي قد ساهمت في ظهور ما يمكن أن نسميه بـ “شلل الاختيار القرائي”، حيث يجد القارئ نفسه أمام آلاف العناوين المتدفقة يومياً، فيشعر بالحيرة والتردد، ويفضل الاعتماد على وسيلة سريعة تختار له، كالمؤثرين أو الخوارزميات التي تختصر له الطريق، وتواصل: “صارت الخوارزميات تلعب دور المرشد الثقافي الذي يوجه الذائقة أحياناً أكثر مما يوجهها النقد الأدبي التقليدي، وبذلك تبقى المشكلة في أن هذا الاعتماد قد يحصر القرّاء داخل دائرة الكتب الرائجة فقط، ويجعل كثيراً من الأعمال العميقة أو المختلفة خارج الضوء. فالمكتبة كانت تمنح القارئ فرصة الاكتشاف الحر والمصادفة الثقافية، بينما تمنحه الخوارزمية غالباً ما يشبهه وما سبق أن أعجبه، أي أنها تعيد تدوير ذائقته بدلاً من توسيعها”. دكتاتورية الخوارزميات وتنميط الذائقة يتفق الدكتور أحمد كريم بلال مع ما ذكرته الناقدة فدوى عطية حول تركيز مواقع التواصل على الرائج وحصر المتلقي في دائرة يحكمها التشابه ويغيب فيها العمق والاختلاف، ويخشى على الذائقة الأدبية من التنميط الذي يقتل الإبداع ويصيب الواقع الثقافي بالركود، معلقاً: “ترشيحات المؤثرين قد تساهم بقدر كبير جداً، ولو بشكل غير مباشر، في تنميط الذائقة العامة وحصر القراءة على السهل الرائج، وأذكر أنه في سنة من السنوات انتقد هؤلاء المؤثرون بشكل متواتر أحد الدواوين الشعرية الهزلية التافهة في معرض القاهرة للكتاب، وكانت النتيجة تحقيق رواج كبير جداً لهذا الديوان، ومبيعات مذهلة، بدافع الفضول والرغبة في الاكتشاف، لكن مثل ذلك يكون كفقاعة سرعان ما تنفجر، لأن العمل نفسه لا يترك تأثيراً، ولأن الموهبة هزيلة”، قد يرى البعض أن تركيز الخوارزميات على السهل قد يزيد من السطحية، إلا أن الصحفي الثقافي أنس الأسعد يرى أن “السطحية موجودة في كل مكان حتى في أعتى الأكاديميات، وليست حكراً على أحد. نعم، هناك اختلاف في الجمهور المستهدف، والشريحة العمرية أو حتى الاجتماعية، بين الصحافة الثقافية والمؤثرين، فالصحفي الثقافي، من موقعه، عليه أن يكون منفتحاً على مختلف المصادر وعلى الجمهور، وصانع المحتوى السطحي لن يكون حليفاً لشيء لا للكتاب الذي يتناوله ولا حتى لنفسه، أما صانع المحتوى الجاد، فعليه أن يستثمر كل مصدر في خدمة مادته المرئية”. ديمقراطية المعرفة وانهيار برج النخبوية ورغم دكتاتورية الخوارزميات، يرى الكثيرون أن الإنترنت بصفة عامة قد ساهم فيما يمكن أن نسميه “ديمقراطية المعرفة”، وصارت مواقع التواصل كبرلمانات افتراضية يمارس فيها هذا الجيل -ومعه بعض من سبقوه أيضاً- ديمقراطيته المعرفية، يقول الصحفي الثقافي والمحرر أنس الأسعد: “لا شك في أن القارئ العادي اليوم بات له دور كبير في مشهد “ديمقراطية المعرفة” الذي فرضته وسائل التواصل الاجتماعي، هذه العمومية أو “التبسيط” لا يمكن إنكار قدرتها على مخاطبة الجميع، إلى حد ما، لكن الحديث عن “انتقال كامل” في السلطات، وخصوصاً على مستوى المنطقة العربية، أعتقد ما زال مبكراً. فالمؤسسات الثقافية الرسمية، فضلاً عن كونها ما تزال لها قنوات حضورها القوي بعدة صيغ، فإن الكثير منها صار هجيناً، أي إنها تعتمد على المؤثرين بشكل كبير في التعريف بإنتاجاته، وكذلك على الصحافة الثقافية، وأخيراً على النقاد”، ولا يذهب الناقد الدكتور أحمد كريم بلال إلى أبعد من ذلك، بل يؤكد: “هنا مربط الفرس بلا شك، الفائدة الأكبر لهذه المنصات أنها -بالفعل- كسرت نخبوية القراءة، وأزاحت سلطوية الأسماء، وحققت جماهيرية أوسع لأدباء لم يكن في وسعهم أبداً الوصول إليها من خلال الوسائل التقليدية (على شاكلة الكتاب المطبوع، والمجلة)، نزار قباني وهو اسم كبير وشاعر من شعراء (القصيدة الرائجة) لو صح التعبير، ومع ذلك لم يوزع أبداً مليون نسخة من ديوان واحد، لكن قصيدة ما على موقع فيسبوك وأمثاله ربما شوهدت ملايين المرات، ولعلها تحقق لشاعرها انتشاراً لم يكن في وسعه أن يتخيله لو أنه نشر قصيدته في مجلة منذ ثلاثين عاماً مثلاً”. موت الناقد.. تحرر للقارئ في الديمقراطيات تختفي الوصاية أو على الأقل ترتدي أقنعة مقبولة، وفي مشهد ديمقراطية المعرفة هذه، كان باستطاعتنا أن ننظر إلى الناقد كاختصاصي ضبط الجودة في مصانع الإبداع لا كوصي، ولا يرى الناشر زياد المبارك تراجع دور الناقد وحسب، بل يرى موته، حيث يشرح: “هنالك تحولات حتمية طرأت في عصر ما بعد الحداثة؛ ما أنتج واقعاً تحكمه نظرية موت الناقد. فلم يعد للصحافة الثقافية دورها المؤثر كما كان في عصر الصحافة الورقية، أما النقد الأكاديمي فلم يكن موجهاً للقراء لطبيعته التخصصية المشتغلة بالنظريات والمفاهيم والمصطلحات، وموت الناقد أفضى إلى ديمقراطية التلقي في فضاء من التأثير الرقمي الذي يبذله غير المتخصصين في المدونات ووسائل التواصل الاجتماعي ومواقع مراجعات الكتب. ويمكن القول إن السلطة للقارئ، لأن تراجع سلطة الناقد نتيجة للاحتجاج على وصاية المؤسسات التقليدية، ما كسر النخبوية هو تبدّل الأدوار بين الناقد والقارئ”، ويوافق الصحفي الثقافي والمحرر أنس الأسعد على رأي زياد قائلاً: “أتفق تماماً مع هذا الطرح حول كسر النخبوية، من دون أن نغرق في الثنائيات، وإعطاء هذه المنصات أو القائمين عليها أدواراً أكبر من حجم فاعلية أصحابها”. قلق على المستقبل هذا الحجم الذي أعطي للمنصات والمؤثرين، جعل الشاعر اللبناني بلال المصري يبدي تخوفه على مستقبل المؤسسات التقليدية بقوله: “أعتقد أن الأمر قد يفلت من أيدي المؤسسات التقليدية، التي هي خاضعة بالأساس لسلطة سياسية تتحكم وتوجّه القارئ، لكن السؤال الآن: هل “المؤثر” قارئ عادي، أم إن السلطة نفسها التي كانت تصيغ سياسات المؤسسات الثقافية هي نفسها من جعلت ذلك القارئ العادي مؤثراً؟ أو على الأقل استغلت حضوره ونجاحه لتوظيفه ضمن توجهاتها في بعض الحالات”. موت النقد.. أو كيف تعرض كتاباً في ثانية؟ إذا كان هذا الوضع الديمقراطي قد أتاح لكل شخص أن يبدي رأيه فيما قرأ، فإن وسائل التواصل ليست ديمقراطية على الإطلاق، على الأقل تفرض قيوداً زمنية على المحتوى لكي يصير رائجاً، وهذا من ثم يجبر صناع المحتوى على عرض كتاب كامل في ثوانٍ معدودة، وهذا يقودنا من موت الناقد الذي ذكره زياد إلى موت النقد نفسه، أذكر من فيديوهات مؤثري الكتب التي شدت انتباهي، تلك التي كانت حول عرض قائمة قراءة إحدى المؤثرات، كانت الحصيلة ثماني عشرة رواية، استطاعت أن تذكر عناوينها ومؤلفيها وتعرض أغلفتها وتقيمها في ثمانين ثانية فقط، مثل هذا العرض الخاطف هو ما جعل الكاتبة لطيفة حسيب القاضي تسأل سؤالاً جوهرياً: “هل نحن أمام ثورة في القراءة، أم ثورة عليها؟؛ فأرى في هذه الظاهرة وجهين: فهي من جهة كسرت الجمود النخبوي وجذبت شباباً لم يكونوا ليقتنوا كتاباً، لكن الخطر الحقيقي يكمن في تحويل الكتاب إلى سلعة استهلاكية تقيّم بجاذبية الغلاف وسرعة المقطع، لا بعمق المتن وثقل الفكرة”، ويرد الناشر زياد مبارك على هذه الجزئية: “لا أستطيع إيجاد رابط بين جماليات الغلاف وجودة المتن، فلا أعتقد أن هناك تلازماً بينهما، الغلاف يقرأ كعتبة من عتبات النص في المنهج البنيوي، وله دلالاته السيميائية المضمنة في تحليل المتن. وبالنظر لقيمته الفنية فهي من أسس الترويج لأي عمل كتابي، ولكن لا يمكننا الربط بين الجودة الفنية للغلاف وجودة الكتاب، فالعلاقة ليست طردية بالطبع”، وينظر الصحفي الثقافي أنس الأسعد لسرعة العرض متقبّلاً، ويوضح: “لا يمكن للمحتوى السريع إلا أن يأخذ شكلاً أفقياً، وبالتالي هو يقدم مفاتيح ليس إلا. في الوقت ذاته، لا أحبّذ تعميم خطاب واحد تجاه المؤثرين في الحقل الثقافي، خاصة أن بينهم مختصين، وبعضهم يعطيك الزبدة خالصة بعيداً عن أي “رصانة” مدعاة وفارغة، وبالتالي أرى الكلمة في ذاتها عمومية، والأمر متروك لخبرة المتلقي وقدرته على تمييز التافه من الثمين، نحن أولاً وأخيراً نعيش في عصر الصورة، ولا يمكن فصل الجماليات عن المضمون، حتى أكبر النقاد مثل جيرار جينيه تحدث عن “عتبات” النص”. حول ذاكرة الجسد وهفوات المتنبي وحول تركيز بعض المؤثرين على العناوين واسم الكاتب وجماليات الغلاف والتقييم الجامد -مثل كذا من عشرة- الذي لا يصحبه تبرير، وذلك في ثواني عرضهم السريع، يلفت الناقد الدكتور أحمد كريم بلال انتباهنا إلى مصائد العنوان موضحاً: “هذه المسألة ليست رهينة بالتقنيات البصرية وحدها، ولا هي من ثمرات شيوع الوسيط الإلكتروني في حد ذاته، ولنسم هذه القضية: «اختبار العتبة»، فالعتبات دوماً في موضع اختبار، لأنها قد تكون مضللة، انقياد القارئ لعمل أدبي بسبب عنوان مخاتل مسألة شائعة، وأذكر أن كثيراً من زملائي توهموا أن رواية «ذاكرة الجسد» لأحلام مستغانمي رواية جنسية بسبب هذا العنوان، ومن قرأ الرواية سيعرف أن الجسد هو جسد المناضل الجزائري الذي فقد ذراعه في ثورة التحرير الجزائرية، وأن هذه الإعاقة بمثابة ذاكرة لا تمحى. وعلى النحو نفسه تظل عتبة اسم المؤلف مضللة، حتى المتنبي له أبيات سيستهجنها الجمهور -قطعاً- لو أنها بُذلت إليه دون التعريف باسم شاعرها، وسيختلف الأمر تماماً لو أن المتلقي نُبّه بدايةً إلى أن هذا الشعر للمتنبي، سيتردد القارئ كثيراً قبل أن يذمه ويستهجنه، والأمر لا يختلف كثيراً عند ممارسة مثل هذه الدعاية من خلال الوسيط الإلكتروني، غاية الأمر أنه مجرد ظرف وآلة ساهمت في التضليل بسبب كفاءة استقطابها لجمهور أكبر، ومخاتلة عقله بالمؤثرات البصرية والسمعية”. نقد بديل أم دعاية مغلفة؟ وإذا لم نستطع أن نسمّي تقييم المؤثرين السريع للكتب نقداً، فهل يمكننا تسميته دعاية مغلفة؟ يجيبنا الدكتور أحمد كريم بلال بقوله: “ما يقوم به المؤثرون ليس نقداً بديلاً، ولا دعاية مغلّفة، هو نقد يصل للمتلقي عبر قناة جديدة، وبأدوات مختلفة، ليضمن تأثيراً أقوى، وانتشاراً أوسع، فهذه طبيعة العصر، والمعوّل عليه هو موضوع النقد نفسه، وشخصية الناقد وأخلاقه، فهو من خلال هذه الأداة الفعّالة يستطيع أن يمنح جمهوره نقداً منضبطاً يحمل رؤية موضوعية متزنة، أو يمارس ضلالات الدعاية الملفقة، وكل يعمل على شاكلته”، وإذا لم يمكن ما يقدمه المؤثرون نقداً بديلاً أو دعاية مغلفة، فهل هو وسيط يكمل دور المؤسسات الأخرى أم منافساً لها؟ ترد الناقدة فدوى عطية: “لا أرى أن هناك منافسة أو تكاملاً بشكل حقيقي، فالأغلب أصبح ينظر إلى الأمر باعتباره تجارة بحتة ووسيلة لتحقيق الربح، بينما هناك جزء آخر يحاول الموازنة بين الجانب التجاري وحب الأدب والتعمق فيه، مع السعي لتوصيل الكتب إلى أكبر عدد ممكن من القراء بهدف الإفادة ونشر الوعي الثقافي”، وتحسم المؤثرة ياسمين مرزوق القضية بقولها: “نحن لم نختطف دور النقاد، بل نقدم شيئاً مختلفاً عنهم، والفرق أننا أصبحنا حلقة وصل بين القارئ والكاتب، وكثيراً ما أسمع من بعض الكتّاب: “لولا مجهودك في الترويج للكتب لما عرفت أعمالي”، وهذا رأي أعتز به كثيراً، ليس تكبراً، بل فخراً؛ لأنني لا يمكن أن أحب قلم كاتب دون أن أسعى لإيصاله إلى القراء”. الوجه الآخر لديمقراطية المعرفة يبدأ كل شيء كهواية ثم يتدخل رأس المال فيحوله إلى تجارة، يؤكد هذا الشاعر بلال المصري إذ يقول: “عندما يدرج أي كتاب على منصة تجارية للتسويق، يتحول إلى سلعة بكل معنى الكلمة. لذلك لا يمكن الأخذ بتلك التوصيات على أنها تقييم أدبي بل هي وسيلة تسويقية، وبالتالي لا يمكن التعامل معها إلا بوصفها إعلاناً مدفوع الأجر ولا تمثل تقييمياً جاداً أو توصية أدبية، وعلى القارئ أن يميز بين الإعلان التجاري والتقييم الأدبي الجاد”، ولا تخفي المؤثرة ياسمين مرزوق ذلك إذ تصرح: “لا أنكر أن الهدف الأول من الإعلانات المدفوعة لدى الأغلبية هو زيادة المبيعات فقط، ولو بالتطبيل، ولذلك -رغم كوني مؤثرة- أصبحت من القلة التي لا تعتمد على آراء بعض المؤثرين، بل أعتمد على رأيي الشخصي في تقييم ما إذا كان العمل يستحق أم لا، ومع ذلك لا ألقي باللوم الكامل على المؤثرين، لأن المؤسسات نفسها أصبحت تسعى خلف الترند”، وللصحفي الثقافي أنس الأسعد رأي مشابه، فهو يرى أن “المؤسسات باتت هجينة، تارة تستخدم أدوات رسمية، وأخرى تلجأ للمؤثرين. ليس فقط عبر الإعلانات المدفوعة، بل حتى العلاقات والصداقات والأهواء والمبالغات التفخيمية، وصولاً إلى الغش المقصود، كل ما سبق قد يتداخل بشكل أو بآخر أحياناً. هذا هو الوجه الآخر لـ “ديمقراطية المعرفة”، الجميع يستطيع أن يصنع المحتوى، أو يتلقاه، ولكن الضوابط تبقى مسألة غير محسومة، على ماذا تعوّل؟ على الذائقة؟ على الحس السليم؟”. شواهد من الماضي يعلق الدكتور أحمد كريم بلال على جدلية التوصيات والتقييمات المدفوعة ويعيدنا إلى شواهد من الماضي، ذاكراً أن “هذه من السلبيات طبعاً؛ لكنني لا أربطها بمواقع التواصل الاجتماعي، فالإعلانات المدفوعة، والتوصيات الرسمية، واستئجار الأقلام المادحة ظاهرة قديمة، ولها شواهد معروفة منذ عقود طويلة، وقد اتهم الكاتب الكبير مصطفى لطفي المنفلوطي -على سبيل المثال- بأنه يستأجر أقلاماً لإطراء أدبه، وسواء صح الخبر أم كان مكذوباً فهو شاهد على ظاهرة غير مجحودة، ولا يمكن أن نتهم وسائل التواصل بأنها خلقت هذه الظاهرة، أو ابتدعتها ابتداعاً؛ لنقل: إنها استثمرتها وزادت من فاعليتها، لأنها تخاطب جمهوراً أوسع، وتمارس تأثيراً أقوى”. حجر الأساس في أخلاقيات التوصية حول تأثير بعض مروجي الكتب، ترى المؤثرة ياسمين مرزوق أن “لدى بعض المؤثرين طرقاً في جذب المشاهدين، وهذا لا إشكال فيه، لكن الفكرة الأساسية تتوقف على مدى مصداقية التقييم؛ فحتى لو كانت مجرد كلمة واحدة، يجب أن تكون معبرة فعلاً عما يحتويه الكتاب، لا أن تستخدم فقط لاستعطاف الجمهور وتحقيق المشاهدات”، أما الناشر زياد مبارك فيشكك في اعتماد المصداقية كحجر أساس في أخلاقيات التوصية، فيقول: “المصداقية مختلف حولها ابتداء من الأعمال الحائزة على الجوائز الأدبية، والأسماء التي تحصد جائزة نوبل... إلخ، فمسألة المصداقية جدلية إلى حد كبير، لذا فالأسلم أن ننظر للتوصية على أنها وجهة نظر المؤثر -مهما كانت دوافعها- وبطبيعة الحال يكون الترشيح مناسباً لبعض القراء، وغير مناسب لآخرين”. المستقبل للتكامل مهما يكن الرأي في مؤثري الكتب، فليس من مصلحة القراءة أن يعيش شركاء الثقافة في جزر معزولة، وما زال هنالك المزيد من الجهد ليبذل في التكامل لا التفاضل، واحتواء المؤثرين وخلق علاقة احترافية معهم قد يساهم في ازدهار سوق الكتاب دون التنازل عن المعايير الفنية، فإن مبدأ الشراكة هو الذي يوحد الجهود، وكما يقول الشاعر بلال المصري: “هناك كثير من المؤلفين والناشرين يقيمون شراكات مع المؤثرين على وسائل التواصل وهذا جيد، شرط أن يبنى على الشفافية والمصداقية في تقديم الكتاب، وبشكل يوازن بين التسويق التجاري والقيمة الحقيقية للعمل الأدبي، وليس فقط من أجل تحقيق المشاهدات”، وعندما يصبح الناشرون والمؤلفون والنقاد المتميزون أنفسهم صناع محتوى -كما يرى الدكتور أحمد كريم بلال- سيكون في وسعهم التسويق لأنفسهم، والترويج للكتابة الجادة، والدفاع عن الأدب الرصين، وهذا موجود بالفعل، ويتزايد مع مرور الأيام. ومن الممكن القول إن ظاهرة مؤثري الكتب قد أنعشت سوق الكتاب، ولكن ليس من السهل القول إنها قد اختطفت الذائقة الأدبية، وهذا لن يحدث إلا إذا استسلم بقية الشركاء واكتفوا بدور المتفرج.