قبل أن يصبح فرانز كافكا كاتباً عالميّاً، صار عالماً سينمائيّاً. فالمفارقة الكبرى أن الكاتب الذي أوصى بإحراق مخطوطاته بعد وفاته، تحوّل إلى أحد أكثر الأدباء اقتباساً في تاريخ السينما، ليس فقط عبر تحويل رواياته إلى أفلام، بل بتحويل شخصيته نفسها إلى مادةٍ بصريّةٍ تتأرجح بين السيرة الذاتيّة والأسطورة الثقافيّة. ومن هنا تبدو السينما، وهي تواجه أدب كافكا، أمام تحدٍّ مزدوج: كيف تصوّر عالماً يقوم على الغموض والاغتراب واللايقين؟ وكيف تحوّل نصّاً يعتمد على القلق الداخليّ إلى صورةٍ مرئيّةٍ دون أن تفقده روحه؟ لم تتعامل السينما مع كافكا باعتباره كاتباً فحسب، بل باعتباره شخصيةً روائيّةً بحد ذاته. ويعد فيلم «Kafka» (1991) لستيفن سودربيرغ المثال الأوضح على هذا الاتجاه، إذ يتخلى منذ البداية عن فكرة السيرة التقليديّة، ليذيب الحدود بين حياة الكاتب وأعماله، فتغدو براغ فضاءً كابوسيّاً يشبه روايتي «المحاكمة» و»القلعة» أكثر ممّا يشبه مدينةً تاريخيّةً حقيقيّةً. لا يبحث سودربيرغ عن «الحقيقة» البيوغرافيّة، بل عن الحقيقة الشعوريّة التي صنعت أدب كافكا. فالموظف الهادئ الذي يحقق في اختفاء صديقه يجد نفسه داخل متاهةٍ بيروقراطيّةٍ غامضةٍ، وكأن الكاتب نفسه أصبح أحد أبطال رواياته. وهنا ينجح الفيلم في نقل ما يسمى بـ «الكافكاوية» بوصفها حالةً ذهنيّةً أكثر منها حبكةً روائيّةً. اختيار التصوير بالأبيض والأسود لم يكن مجرد نزعةٍ جماليّةٍ، بل استدعاءً مباشراً للتعبيريّة الألمانيّة، حيث تتحول الظلال والزوايا الحادة إلى تعبيرٍ عن اغتراب الإنسان داخل مؤسساتٍ لا يمكن فهمها. غير أن الفيلم، رغم جرأته البصريّة، وقع أحياناً في فخ الغموض المتعمد، فبدا أقرب إلى تمرينٍ أسلوبيٍّ منه إلى بناءٍ دراميٍّ متماسكٍ، وهو ما يفسر استقبال النقاد المتباين له. لكن اللافت أن سودربيرغ لم يتخل عن الفيلم، بل عاد بعد ثلاثة عقودٍ تقريباً ليعيد مونتاجه في نسخة «Mr. Kneff»، مختصراً الأحداث، ومضيفاً تلويناتٍ جديدةً، وحاذفاً الحوار بالكامل. لقد تحول الفيلم نفسه إلى تجربةٍ «كافكاويةٍ» في إعادة كتابة الذات، وكأن المخرج مارس على عمله ما كان كافكا يمارسه على نصوصه من مراجعاتٍ دائمةٍ وعدم يقينٍ. إذا كان سودربيرغ قد مزج بين الإنسان ونصوصه، فإن أغنيشكا هولاند في فيلم فرانز «Franz» (2025) تذهب إلى اتجاهٍ معاكسٍ؛ فهي تسعى إلى تفكيك الصورة النمطيّة الراسخة عن الكاتب الكئيب والمنعزل. تقدم هولاند كافكا إنساناً هشّاً، مرحاً أحياناً، رقيقاً في علاقاته، حسّاساً تجاه الآخرين، في مفارقةٍ واضحةٍ مع العالم المظلم الذي أنتجه أدبه. إنها لا تنفي سوداوية كتاباته، لكنها تفصل بين الكاتب ونصوصه، لتؤكد أن الأدب ليس سيرةً ذاتيّةً مباشرةً. يعتمد الفيلم سرداً غير خطيٍّ، يتنقل بين الطفولة والشباب والذاكرة والهلاوس، مستثمراً العلاقة المضطربة مع الأب بوصفها المفتاح النفسيّ لفهم شخصية كافكا. ويصبح مشهد الطفل الذي يتركه والده يغرق في الماء استعارةً بصريّةً تتكرر بأشكالٍ مختلفةٍ طوال الفيلم، لتجسد شعوراً دائماً بالعجز أمام سلطة العالم. الأكثر ذكاءً أن هولاند تربط بين براغ التاريخيّة وبراغ السياحيّة المعاصرة، فتظهر المرشدين السياحيين وهم يعيدون تسويق اسم كافكا، في إشارةٍ ساخرةٍ إلى تحول الكاتب الذي عاش مجهولاً إلى علامةٍ تجاريّةٍ ثقافيّةٍ. وهنا يتجاوز الفيلم حدود السيرة ليطرح سؤالاً معاصراً حول كيفية استهلاك الرموز الأدبيّة داخل اقتصاد الثقافة. تكشف الاقتباسات السينمائيّة لروايات كافكا عن صعوبةٍ استثنائيّةٍ في نقل عالمه إلى الشاشة. فالروايات لا تقوم على الحدث بقدر ما تقوم على الإحساس، ولا تعتمد على العقدة الدراميّة بقدر اعتمادها على القلق الوجوديّ. يظل فيلم «المحاكمة» (1962) لأورسون ويلز واحداً من أكثر الاقتباسات اكتمالاً. فقد فهم ويلز أن جوهر كافكا ليس في غرابة الأحداث، بل في النظام الاجتماعيّ الذي يجعل الإنسان شريكاً في اضطهاده. لذلك لم يقدم جوزيف ك. ضحيةً بريئةً، وإنما موظّفاً متورّطاً في البنية البيروقراطيّة نفسها التي تسحقه. ويستثمر ويلز العمارة، واتساع الفضاءات، والزوايا المشوهة، والإضاءة القاسية، ليحول المكان إلى شخصيةٍ دراميّةٍ. فالمكاتب والمتاهات ليست ديكوراً، بل تجسيداً بصريّاً للسلطة المجردة التي لا يمكن الإمساك بها. أما «القلعة»، سواء أكان في نسخة مايكل هانيكه أم أليكسي بالابانوف، فتقدم صورةً مختلفةً للعجز الإنسانيّ أمام سلطةٍ لا ترى. بينما يحاول فيلم «المسخ» (2012) مواجهة أصعب تحدٍّ بصريٍّ في أدب كافكا: كيف يمكن تجسيد تحول غريغور سامسا إلى حشرةٍ دون أن يتحول الرمز إلى مجرد مؤثّرٍ بصريٍّ؟ ورغم وفاء الفيلم للنص، فإن المؤثرات الرقمية لم تستطع دائماً تعويض العمق النفسيّ الذي يمنحه الأدب للقارئ. وفي المقابل، يقدم فيلم الرسوم المتحركة «طبيب ريفي» للمخرج اليابانيّ كوجي يامامورا واحداً من أنجح الاقتباسات، لأنه لم يحاول تفسير كافكا، بل حافظ على غرابته، موظّفاً لغة الأنيميشن للتعبير عن اللاوعي أكثر من الواقع. تكشف هذه الأعمال أن تأثير كافكا في السينما تجاوز حدود الاقتباس المباشر. فقد أصبحت «الكافكاوية» أسلوباً بصريّاً قائماً بذاته، يقوم على المتاهة، والبيروقراطيّة، والاغتراب، والسلطة غير المرئية، والإنسان الذي يواجه عالماً لا يخضع لأي منطقٍ عقلانيٍّ. ولهذا تبدو أعمال مثل «Brazil» لتيري غيليام أو كثير من أفلام ديفيد لينش مدينةً لكافكا حتى وإن لم تستند إلى نصوصه مباشرةً. لقد تحول الكاتب إلى لغةٍ سينمائيّةٍ أكثر منه مصدراً أدبيّاً. تثبت السينما، في تعاملها مع فرانز كافكا، أن بعض الأدباء لا يقتبسون بقدر ما يعاد اختراعهم. فكل مخرجٍ يقترب من عالمه يكتشف أن النصوص ليست سوى مدخلٍ إلى كونٍ أوسع، حيث يذوب الواقع في الحلم، ويتحول القانون إلى متاهةٍ، والسلطة إلى شبحٍ، والإنسان إلى كائنٍ يبحث عبثاً عن معنى لا يأتي. ولعل أعظم إنجازٍ حققته السينما مع كافكا أنها لم تنجح في تفسيره بالكامل، لأن غموضه هو سر بقائه. فكل محاولةٍ لتحويل رواياته إلى صورةٍ تنتهي إلى اكتشافٍ جديدٍ مفاده أن «الكافكاوية» ليست موضوعاً يصوَّر، بل تجربة يعيشها المشاهد نفسه، وهو يخرج من الفيلم مثقلاً بالأسئلة أكثر ممّا دخل إليه بالإجابات.