محمد بن سلمان في باريس ..

حين لم تعد فرنسا تنظر وحدها.

تأتي زيارة الأمير محمد بن سلمان إلى فرنسا في لحظة تتجاوز دلالتها جدول اللقاءات والاتفاقيات؛ فهي تأتي في الذكرى المئوية لإقامة العلاقات السياسية بين البلدين، وفي مرحلة تتجه فيها الشراكة السعودية الفرنسية إلى مجالات أوسع تشمل الاقتصاد والاستثمار والدفاع والتقنية والثقافة والذكاء الاصطناعي. وقد أكدت الزيارة الأخيرة هذا الاتجاه من خلال اجتماع مجلس الشراكة الاستراتيجية بين البلدين وإبرام عدد من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم. لكن المشهد الراهن يكتسب معناه الأعمق حين يوضع في سياق تاريخ طويل من العلاقة بين فرنسا والعالم العربي؛ تاريخ لم يكن سياسيًا فقط، وإنما كان أيضًا تاريخًا للمعرفة والصورة والنظر المتبادل. فمنذ الحملة الفرنسية على مصر عام 1798، أصبح العالم العربي والإسلامي حاضرًا بقوة في مشروع المعرفة الفرنسية. لم تكن الحملة مجرد مغامرة عسكرية؛ فقد رافقها علماء ودارسون، وجُمعت المخطوطات والآثار والمعلومات، وتوسعت دراسة اللغة العربية والإسلام وتاريخ المنطقة. ومن هذه البيئة نما الاستشراق الفرنسي، وأصبح واحدًا من أبرز التقاليد الأوروبية في دراسة الشرق. غير أن الاستشراق الفرنسي لا يمكن اختزاله في خطاب واحد. ويقدم الدكتور حسن بزاينية في كتابه «في نقد الخطاب الاستشراقي: سيرة محمد ونشأة الإسلام في الاستشراق الفرنسي المعاصر» قراءة نقدية لنماذج بارزة من الاستشراق الفرنسي المعاصر، متتبعًا تصورات عدد من الباحثين الفرنسيين للسيرة النبوية ونشأة الإسلام، ومقارنًا بينها في ضوء العلوم الإنسانية والفلسفة. وتكمن أهمية هذا النوع من الدراسات في أنه ينقل النقاش من الحكم العام على الاستشراق إلى سؤال أكثر دقة: كيف تُنتج المعرفة عن الآخر، ومن يملك أدوات تفسير تاريخه ودينه ومجتمعه؟ وهنا تتقاطع المعرفة مع القوة. فقد كانت دراسة العربية والإسلام نشاطًا علميًا أصيلًا في جوانب كثيرة منها، لكنها ارتبطت في سياقات أخرى بحاجات الدولة الاستعمارية، ولا سيما في الجزائر. فإذا كانت مصر قد فتحت لفرنسا بابًا واسعًا إلى معرفة الشرق، فإن احتلال الجزائر عام 1830 جعل المعرفة جزءًا من تجربة استعمارية طويلة، وأصبحت اللغة والمجتمع والتقاليد موضوعًا للدراسة في سياق إدارة أرض خاضعة للسيطرة الفرنسية. لكن هذه الصورة تظل ناقصة إذا تصورنا أن فرنسا كانت تنظر إلى العرب، وأن العرب لم يكونوا سوى موضوع لهذه النظرة. ففي الفترة نفسها تقريبًا كان هناك حضور عربي داخل فرنسا نفسها. وهنا تكتسب دراسة المؤرخ الأسترالي إيان كولر «فرنسا العربية: الإسلام وصناعة أوروبا الحديثة (1798–1831)» أهميتها؛ إذ يعيد من خلال الوثائق والرسائل والسجلات المتناثرة بناء عالم عربي عاش داخل فرنسا في أعقاب الحملة الفرنسية على مصر. فقد وصل إلى فرنسا، خصوصًا إلى مرسيليا، مصريون وغيرهم من الناطقين بالعربية، وكان بينهم جنود وتجار ومثقفون وموظفون، ثم انتقل بعضهم إلى باريس ومدن أخرى. ويكشف كولر عن فضاء عربي مبكر داخل فرنسا، سبق بقرون الصورة التي تحصر الوجود العربي في موجات الهجرة الحديثة. والدلالة الأهم لهذه المادة ليست في حجم ذلك الحضور، وإنما في كشفها أن العربي لم يكن دائمًا خارج أوروبا موضوعًا لوصفها؛ فقد كان حاضرًا داخلها، يعيش فيها ويتفاعل معها ويترك أثره، وإن ظل هذا الجانب أقل حضورًا في التاريخ المكتوب. ثم اتسعت العلاقة في اتجاه آخر: بدأ العرب ينظرون إلى فرنسا. كانت رحلة رفاعة رافع الطهطاوي إلى باريس في القرن التاسع عشر لحظة مبكرة ومهمة في هذا التحول. فالطهطاوي لم يكتف بوصف مدينة أوروبية، وإنما قرأ المجتمع الفرنسي من موقع عربي، وتأمل مؤسساته وتعليمه وقوانينه وعمرانه، ثم عاد إلى مصر محملًا بأسئلة النهضة والإصلاح. لم تعد أوروبا مجرد قوة تنظر إلى الشرق؛ أصبحت هي نفسها موضوعًا للمعرفة العربية. ومع اتساع حركة البعثات والتعليم والهجرة، أصبحت باريس فضاءً عربيًا للطلاب والمثقفين والأدباء والسياسيين، ومكانًا للتعلم والكتابة والنشر والنقاش. وهكذا لم تعد المعرفة تسير في اتجاه واحد؛ فكما أنتجت فرنسا معرفة عن العرب، بدأ العرب ينتجون معرفة عن فرنسا وأوروبا، ويعيدون النظر في صورتها وفي صورتهم عنها. وهنا حدث التحول الأعمق. لم تعد صورة الآخر حكرًا على طرف واحد. ولم يعد العربي مجرد موضوع يُوصف من الخارج، وإنما أصبح ذاتًا تتحدث عن نفسها، وتقرأ الآخر، وتناقشه، وتعيد بناء صورته في وعيها. ثم جاءت التحولات السياسية الكبرى في القرن العشرين لتعيد تشكيل العلاقة. انتهى الاستعمار المباشر في معظم العالم العربي، وظهرت الدول الوطنية المستقلة، وانتقلت العلاقات تدريجيًا من السيطرة إلى الدبلوماسية وتبادل المصالح. وظلت الذاكرة الاستعمارية حاضرة في البلدان العربية التي عاشت التجربة الفرنسية مباشرة، لكنها لم تعد الإطار الوحيد الذي يمكن من خلاله فهم العلاقات العربية الفرنسية. وهنا تبرز خصوصية الحالة السعودية. فالمملكة العربية السعودية لم تكن مستعمرة فرنسية، ولم تخضع لنظام انتداب أوروبي؛ ولذلك فإن علاقتها بفرنسا لا تُقرأ من خلال تجربة تحرر من استعمار فرنسي كما هو الحال في بلدان عربية أخرى. نشأت الدولة السعودية الحديثة في مسار تاريخي مختلف، وحافظت على استقلال قرارها، وبنت علاقاتها الدولية وفق رؤيتها ومصالحها، مع احتفاظها بمكانتها العربية والإسلامية ورسالتها المرتبطة بموقعها في العالم الإسلامي. وفي القرن الحادي والعشرين تغير معنى القوة نفسه. فلم تعد القوة تقاس بالأرض والسلاح وحدهما، وإنما بالاقتصاد والمعرفة والتقنية والاستثمار والقدرة على بناء الشراكات وصناعة المشروعات. ومن هنا تكتسب زيارة الأمير محمد بن سلمان إلى فرنسا دلالتها الأوسع. فالسعودية تدخل اليوم إلى باريس حاملة مشروعًا وطنيًا واسعًا، ورؤية اقتصادية وتنموية، وقدرات استثمارية، وطموحًا في التقنية والثقافة والسياحة والصناعات الجديدة. وتأتي الشراكة السعودية الفرنسية في هذا السياق بوصفها علاقة بين دولتين تبحثان عن توسيع مجالات المصالح المشتركة، لا استكمالًا لعلاقة تاريخية فرضها الاستعمار أو الانتداب. وقد عكست الزيارة الأخيرة هذا الاتجاه في المجالات الاقتصادية والاستثمارية والدفاعية والتقنية والثقافية. ولا يعني ذلك أن المصالح أصبحت متطابقة أو أن التاريخ فقد أثره؛ فالعلاقات الدولية تقوم على التفاوض والاختلاف بقدر ما تقوم على التعاون. لكن الجديد هو أن العلاقة لم تعد محكومة بالصورة القديمة التي تجعل أحد الطرفين منتجًا للصورة والآخر موضوعًا لها. وهكذا يمكن قراءة مسار العلاقة كلها في ثلاث حركات واضحة: العربي بوصفه موضوعًا للمعرفة، ثم العربي بوصفه ذاتًا تنتج خطابها عن نفسها وعن أوروبا، ثم العربي بوصفه شريكًا يشارك في صناعة المصالح والمستقبل. ولا تختصر السعودية هذا التحول كله، لكنها تقدم في لحظتها الراهنة نموذجًا واضحًا له. لم تعد باريس تنظر وحدها