الرّفّ.. مقبرة الصّخب الأنيقة.
في هندسة العلاقات والمشاعر، لا تبدو الخيارات دائماً حاسمةً بين البقاء والزوال؛ فالحياة ليست مجرد مساحتين: إمّا اشتباكٌ دائمٌ وإمّا قطيعةٌ أبديةٌ، وبين هذين النقيضين يبتكر الإنسان العاقل مساحته الثالثة، مساحةً رماديةً أنيقةً تدعى «الرّفّ». الرّفّ في جوهره ليس مكاناً في زاوية الغرفة، بل هو حالةٌ نفسيةٌ، وجغرافيا نتّجه إليها لحفظ سلامنا الداخلي؛ فهو يعمل «كاتم صوتٍ» يوضع في مواجهة صخب الحياة وضجيج المواقف التي لم نعد نملك طاقةً لتغييرها أو مجاراتها. عندما نضع فكرةً، أو عتاباً، أو علاقةً، أو خيبة أملٍ على الرّفّ، نحن لا نعدمها، ولا نلقي بها في سلال المهملات؛ بل نرفعها إلى المنطقة المعلّقة لنجرّدها من قدرتها على إيذائنا في الحاضر، ونكتفي بتأملها كمنظرٍ صامتٍ، بعيداً عن متناول أيدينا اليومية. هذا التعليق الإرادي هو البداية الحقيقية لترميم الذات، فالرّفّ ليس مجرد أداةٍ للعزل، بل هو زاويةٌ لرؤية الحقيقة؛ فالأشياء وهي تشتبك معنا تعمينا بصخبها، وتفقدنا القدرة على الحكم الصحيح، لكن حين نرفعها إلى الرّفّ، تمنحنا المسافة وضوح الرؤية، لنكتشف حينها أن بعض المعاني التي كانت تملأ الدنيا ضجيجاً وتستنزف أعصابنا، لم تكن تستحق كل تلك المعارك. الأشياء التي تترك على ذلك الارتفاع، بعيداً عن حرارة التداول اليومي، تبدأ بالاغتراب عن سياقها القديم، وتبرد المشاعر الملتهبة تجاهها، وهنا تتجلى مفارقةٌ شعوريةٌ عجيبةٌ؛ فنحن نكرم الأشياء بالرفع إلى الأعلى تقديراً لماضيها، لكننا في الحقيقة نتركها هناك لتسقط من حسابات الحاضر والمستقبل، نرفعها لتستقر في سكونها، فمن تلك الأشياء، والمعاني، والوجوه، ما يكون بقاؤه في تفاصيلنا استنزافاً محضاً؛ لذا يجب تركه هناك ليتآكل مع الوقت في عتمة النسيان. يأتي النسيان هنا كعملية حتٍّ وتعريةٍ بطيئةٍ تخوضها الأيام ضد صخب الماضي، حتى تنحلّ بنيته، وتتفتّت جزيئاته، ويفقد في النهاية قدرته على إحداث أي أثرٍ. إن «الرّفّ» هو المصّاص الذكي الذي نستعمله لابتلاع الأقذاء نيابةً عنّا لنسلم من التنغيص والمعاناة، ونتركها لمن يتطلبها، وليس هذا دليل عجزٍ أو ضعفٍ، بل هو ذروة السيادة على النفس، والتحكم في التصرفات وردود الفعل، وهو الفارق بين من يتصدى للخيبات بصدرٍ مفتوحٍ فتحرقه بنيرانها المضطرمة، ومن يملك القدرة على رفعها عالياً ليتأمل انطفاءها المتدرج. لذا لا بأس أن تمتلئ جدران أرواحنا بالرفوف، ولا بأس أن نلوح لبعض الوجوه والأفكار من بعيد دون أن نفتح لها باباً؛ فقد عزلنا صخبها، وحمينا ما تبقى من سلامنا الداخلي، فالنجاة لا تبدأ من النسيان ذاته، بل من تلك اللحظة الشجاعة التي نقرر فيها كتم الصوت، ونسمح للأيام بالتهام ذلك الضجيج وتلك الضوضاء في هدوءٍ وسكونٍ. وعلينا، كلما مررنا بضجيجٍ، أن ننظر إلى الأعلى بامتنانٍ، فهناك على الرّفّ، ثمّة ضجيجٌ قديمٌ، يحتضر ويلفظ أنفاسه الأخيرة.