زاوية واحدة لا تكفي.

كثيراً ما نبني أحكامنا في حياتنا العامة على وقائع محدودة نحسب أنها كافية وشافية، ونغفل عند إطلاقها بعض المعطيات التي قد يبدو أثرها يسيراً، لكنها كفيلة بأن تخفف الحكم أو تنقضه من أساسه؛ فالأسباب الظاهرة ليست دائماً كافية لإصدار الأحكام، وليست بالضرورة هي الأكثر تأثيراً. ولذلك، تعنى الدراسات العلمية بتحديد العوامل المؤثرة وضبطها؛ لأن إهمالها قد يقود إلى نتائج مضللة، مهما بدت الأدلة مقنعة. ومن الأمثلة الشائعة في البيئة المدرسية المقارنة بين طلاب الصفوف الأولى؛ فحين يتميز أحدهم على أقرانه في المستوى الأكاديمي وسرعة التعلم، يظن بعض المعلمين وأولياء الأمور أن ذلك يعود إلى فروق في القدرات، بينما قد يكون أحد المتغيرات المؤثرة هو العمر النسبي داخل الصف. فقد لا يتجاوز الفارق بينهم بضعة أشهر، وهي مدة قد تبدو يسيرة، إلا أن دراسات عديدة أظهرت أن هذا الفارق قد ينعكس في السنوات الأولى على النضج اللغوي، والأداء الأكاديمي، مما يجعل المقارنة بينهما غير عادلة. وفي الرياضة، أثير مؤخراً نقاش حول مقارنة منتخبين بالنظر إلى حجم الإنفاق فقط؛ وهو فارق ضخم، يبدو الاقتصار عليه وحده كافياً لحسم الأمر: هذا المنتخب ينفق أكثر ويقدم مستوى أقل، إذن السبب سوء الإدارة. لكن هذا النقاش أغفل الكثير من العوامل الأخرى المؤثرة في المقارنة، وهي في معظمها لصالح المنتخب الأفضل؛ الذي يعاني بلده من ضعف اقتصادي دفع كثيراً من الأسر إلى الهجرة، فنشأ عدد كبير من لاعبيه في دول متقدمة كروياً وتلقوا تدريبهم فيها. كما أن الاحتراف الخارجي بالنسبة لهم خيار أفضل في معظم الأحوال من البقاء في الدوري المحلي، مهما كان المردود المادي، فضلاً عن سهولة الانتقال وتقبله في مجتمعاتهم، وإتقان بعض اللغات الأوروبية، ووجود أقارب وأصدقاء ومعارف هناك. وهذه فقط بعض الزوايا المهملة الكفيلة بقلب طاولة المقارنة رأساً على عقب. وفي الطب، قد نظلم المستشفى الذي تسجل فيه نسبة وفيات أعلى، لأننا لا نعرف مدى خطورة الحالات التي يستقبلها، ولا أعدادها، ولا طبيعة العمليات التي يجريها مقارنة بمستشفيات أخرى تسجل نسباً أقل. وحتى على مستوى القادة ورؤساء الدول، كثيراً ما تقع مقارنات ظالمة؛ فلكل عصر ظروفه الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي تؤثر في قرارات الحاكم وتحد من خياراته، وربما دفع بعض القادة ثمن ظروف وقرارات من سبقهم، فتنسب إليه نتائج بدأت مقدماتها قبل أن يتولى الحكم. ولو تمعنا في الأمثلة السابقة، لوجدنا أن الصورة الأولية بدت كافية لإصدار الحكم، قبل أن نوسع عدسة الكاميرا لتشمل أبعادها كاملة. وفي تراثنا الإسلامي نجد هذه الفكرة حاضرة بقوة؛ ففي قصة الخضر وموسى عليهما السلام، كان ما ظهر لموسى عليه السلام كافياً للإنكار، لذلك لم يستطع معه صبراً، لكنه ما إن أحاط بحقيقة الأمر، حتى انكشفت له الحكمة الكامنة وراء تلك الأفعال. وعندما عاد إخوة يوسف عشاءً وهم يبكون، كان رد يعقوب عليه السلام: ﴿بل سولت لكم أنفسكم أمرًا فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون﴾؛ لأنه لم يكتفِ بهذا المشهد، رغم كثافته: البكاء والدماء والقميص. لذلك علينا أن نعيد النظر في كثير من قناعاتنا، وأن نتأمل طويلاً قبل أن نقارن، وأن نتأنى كثيراً قبل أن نحكم، وأن نعي جيداً أن الإنصاف يحتاج إلى رؤية شاملة تكشف ما قد تعجز الزاوية الواحدة عن إظهاره، حتى وإن كانت واسعة وواضحة وثرية.