برحيل الفنان التشكيلي والنحات الكويتي سامي محمد أحمد الصالح، عن عمر ناهز 82 عاماً، تطوي الحركة التشكيلية الكويتية والعربية صفحة من صفحاتها الأكثر حضوراً وثراءً. لم يكن سامي محمد مجرد نحات أتقن التعامل مع البرونز والحجر، ولا رساماً انشغل بجماليات اللون والخط، بل كان فناناً جعل من الإنسان موضوعه الأول والأخير، ومن الفن وسيلة لمساءلة القهر والعنف، والانحياز إلى الحرية والكرامة والسلام. على امتداد أكثر من ستة عقود، ظل سامي محمد ينحت في صخر الحياة، كما لو أن الإزميل في يده قلم، وكأن الحجر ورقة لم يجد غيرها ليكتب عليها قصيدته. وبين أصابعه كانت الكتل الصماء تتحول إلى أجساد مقيدة، ووجوه صارخة، وأفواه مكممة، وأجساد تتلوى تحت وطأة الألم، لكنها في الوقت نفسه تبحث عن لحظة خلاص وانعتاق. كان الإنسان بالنسبة إليه أكثر من موضوع فني؛ كان سؤالاً وجودياً وأخلاقياً. ولذلك ارتبطت أعماله بقضايا الحرية والقمع والجوع والحرب والإبادة والمعاناة، دون أن تتحول منحوتاته إلى بيانات سياسية مباشرة. كان يترك للجسد أن يتكلم، وللحركة أن تصرخ، وللصمت الذي يحيط بالمنحوتة أن يقول ما تعجز الكلمات عن قوله. وُلد سامي محمد في الأول من أكتوبر عام 1943، في حي الصوابر بمنطقة شرق، أحد أقدم أحياء مدينة الكويت. نشأ في أسرة متواضعة؛ كان والده خياطاً متخصصاً في صناعة البشوت وتطريزها، وهو ما جعل الفنان يرى منذ طفولته أن الحرفة يمكن أن تكون شكلاً من أشكال الفن، وأن اليد قادرة على تحويل المادة الخام إلى شيء يحمل روح صاحبه. في طفولته، كانت الكويت القديمة نفسها بمثابة مرسم مفتوح. الطين الذي كانت تُبنى منه البيوت تحول في يدي الطفل سامي إلى مادة للعب والتشكيل. كان يجمع الطين والصخور البحرية ويصنع منها طيوراً وحيوانات وأشكالاً مختلفة، قبل أن يدرك أن تلك اللعبة الأولى ستصبح لاحقاً قدره المهني والفني. وحين كان تلميذاً، شارك في مشروع فني مدرسي لتجسيد معارك العدوان الثلاثي على مصر، فنحت أشكال الجنود والنساء والأطفال. وفي ذلك المشروع حصل على أول جائزة في حياته من الشيخ عبدالله الجابر الصباح، مدير دائرة التعليم آنذاك. كانت الجائزة بسيطة، قلمٌ جاف، لكنها بقيت في ذاكرته بوصفها لحظة الاعتراف الأولى بموهبته. منذ ذلك الوقت، بدأ الطريق يأخذ شكله تدريجياً. في عام 1962، التحق بـ»المرسم الحر» وتفرغ للفن، ليصبح واحداً من الفنانين الذين استفادوا من مشروع ثقافي كويتي منح الفنان مساحة ووقتاً لممارسة الإبداع. وكان هذا التفرغ، بحسب رؤيته، أحد الشروط الأساسية التي ساعدته على بناء تجربته. ثم جاءت القاهرة. في عام 1966 حصل سامي محمد على منحة حكومية للدراسة في كلية الفنون الجميلة بالقاهرة، حيث درس النحت وتخرج عام 1970. هناك اكتشف عالم المتاحف والمراسم والأساتذة والتيارات الفنية المختلفة، وتعمقت علاقته بالتشريح وبالتكوين وبالتاريخ الطويل للنحت. كان من بين أساتذته الفنان المصري الكبير جمال السجيني، الذي أسهم في صقل موهبته ودفعه إلى البحث عن لغته الخاصة. كما انفتح على تجارب كبار النحاتين، من مايكل أنجلو إلى رودان وهنري مور، لكنه لم يرد أن يكون تابعاً لأي منهم. كان السؤال الذي يلاحقه دائماً: كيف يصبح للعمل توقيع صاحبه؟ وكيف يمكن للفنان أن يقول شيئاً يخصه هو؟ بعد عودته إلى الكويت، أسهم مع عدد من زملائه في تأسيس الجمعية الكويتية للفنون التشكيلية عام 1967، في مرحلة كانت الحركة التشكيلية الكويتية تشق طريقها نحو بناء مؤسساتها الحديثة. لكن الدراسة لم تتوقف. ففي منتصف السبعينيات، انتقل إلى الولايات المتحدة، والتحق بمعهد جونسون التقني للنحت في برينستون بولاية نيوجيرسي، حيث تعمق في تقنيات النحت وصب البرونز. وهناك لم يكتفِ بالتعلم، بل قدم أيضاً دروساً في التشريح لزملائه، مستفيداً من معرفته الأكاديمية المتقدمة بجسم الإنسان. حين وجد صوته في «الجوع» كان التحول الحقيقي في تجربة سامي محمد مرتبطاً بالإنسان أكثر من ارتباطه بالتقنية.في بداياته اشتغل وفق قواعد النحت الأكاديمي، لكنه كان يبحث عن شيء أبعد من المهارة. أراد أن تحمل منحوتاته توتراً داخلياً، وأن تصبح الحركة الجسدية لغة للغضب والخوف والاحتجاج. جاء تمثال «الجوع» عام 1970 بوصفه إحدى المحطات المفصلية في هذا المسار. امرأة وطفلها، جسدان يختصران مأساة الحاجة، لكن العمل يتجاوز تصوير الفقر ليصبح استعارة عن هشاشة الإنسان أمام ظروف أقسى منه.ومنذ تلك اللحظة، أخذت منحوتاته تنحاز بصورة متزايدة إلى الإنسان الواقع تحت الضغط. أجساد مقيدة، عيون معصوبة، أفواه مكممة، أطراف تحاول الإفلات من القيود. لم يكن الجسد عند سامي محمد مجرد كتلة تشريحية؛ كان سجلاً للصراع. النحت بوصفه احتجاجاً مع نهاية السبعينيات، أخذت تجربة سامي محمد منحى أكثر وضوحاً في بعدها الإنساني والسياسي. الحروب والصراعات التي كانت تعصف بالمنطقة والعالم العربي لم تكن بالنسبة إليه أخباراً عابرة، بل تحولت إلى محفزات بصرية ووجدانية. من هنا ظهرت سلاسل مثل «الصناديق»، و»نداء الاستغاثة»، و»الاختراق»، و»الشلل والمقاومة»، و»رباعية الرعب»، وغيرها من الأعمال التي جعلت من الجسد ساحة مواجهة بين الإنسان والقوة التي تقيده. كان يؤمن بأن الفنان لا يستطيع أن يعيش منفصلاً عن عصره، وأن دوره لا يقتصر على إنتاج الجمال، بل يمتد إلى طرح الأسئلة التي يخشى المجتمع أحياناً طرحها. وفي منحوتته الشهيرة «صبرا وشاتيلا»، التي أنجزها بعد مجزرة مخيمي صبرا وشاتيلا عام 1982، اتخذ هذا الانحياز الإنساني بعداً أكثر مباشرة. جسد إنساني مكبل، معصوب العينين، يتلوى تحت وطأة الألم، يتحول إلى اختزال بصري لمأساة جماعية. لم يكن العمل توثيقاً فوتوغرافياً للمجزرة، بل محاولة لمنح الضحية جسداً وذاكرة. فالمنحوتة لا تقدم مشهداً صحفياً سريعاً؛ إنها تجمد لحظة الألم وتفرض على المتلقي أن يقف أمامها، وأن يتأملها، وأن يعيش زمنها البطيء. قد يبدو عالم سامي محمد قاتماً للوهلة الأولى، لكن اختزاله في فنان الألم سيكون ظلماً لتجربته. ففي مقابل أعمال القيد والرعب والمعاناة، ظهرت لديه أعمال أكثر احتفاء بالحياة والسكينة. وفي لوحاته، خصوصاً في سلاسل «السدويات» و»الصحراويات»، انتقل إلى عالم مختلف من الألوان والإيقاعات والزخارف، مستلهماً السدو والبيئة الكويتية والصحراء والبحر.هنا يصبح اللون بديلاً عن الصرخة، وتصبح الزخرفة لغة للذاكرة. رغم أن اسم سامي محمد ارتبط بصورة خاصة بالنحت البرونزي، فإن تجربته لم تكن محصورة في هذا المجال. اشتغل على الرسم والجرافيك والحفر والخزف، وترك عدداً كبيراً من اللوحات والاسكتشات التي تكشف اهتمامه الدائم بحركة الإنسان وتشريح الجسد. وفي الرسم، وجد مساحة مختلفة للتجريب. الألوان والسطوح والزخارف سمحت له بأن يبتعد عن الصرامة النحتية وأن يدخل عالماً أكثر رحابة. وكانت البورتريهات الشخصية التي أنجزها لنفسه مثالاً على ذلك. لم يرسم ذاته اعتماداً على الصور الفوتوغرافية، وإنما من خلال المرآة، محاولاً تسجيل مراحل مختلفة من حياته، وكأن الوجه يصبح أرشيفاً للزمن. من الأعمال التي تكشف جانباً آخر من تجربة سامي محمد منحوتة «السدرة»، التي تحولت إلى واحدة من العلامات البارزة في مساره. فيها يبتعد عن الواقعية المباشرة، ويستعيد الشجرة بوصفها رمزاً للحياة والجذور والذاكرة. إنها ليست شجرة فقط، بل صورة للوطن والمرأة والطبيعة، ولعلاقة الإنسان بالمكان. كان سامي محمد يرى أن الفنان الحقيقي لا يتوقف عن التعلم. وكان يحذر دائماً من الغرور، مؤكداً أن الفنان مهما بلغ لا يزال أمام تاريخ طويل من الفن والأسئلة. لذلك لم يكن غريباً أن يمتد نشاطه إلى رعاية الفنانين الشباب، وأن تتشكل حول تجربته «مجموعة سامي محمد»، التي ضمت عشرات الفنانين التشكيليين. بالنسبة إليه، كان نقل الخبرة جزءاً من رسالة الفنان، مثلما كان إنتاج العمل الفني جزءاً منها. تجاوز حضور سامي محمد حدود الكويت والخليج منذ وقت مبكر. شارك في معارض وبَيناليات دولية، ونال العديد من الجوائز والتكريمات، من بينها الجائزة الأولى في بينالي القاهرة، والجائزة الأولى في معرض الكويت العام، والجائزة الأولى في بينالي الفنون لدول مجلس التعاون الخليجي، إضافة إلى جائزة الدولة التشجيعية وجائزة الدولة التقديرية وجائزة الإبداع الفني لمؤسسة الفكر العربي. وكان من أبرز محطات حضوره الدولي عرض أعماله في بينالي البندقية الخامس والخمسين عام 2013، في أول مشاركة للكويت في هذا الحدث الفني العالمي. كما دخلت أعماله مزادات كريستيز، ليصبح أول فنان كويتي يصل عمله إلى هذا المستوى من التداول العالمي. لكن قيمة تجربته لم تكن في عدد الجوائز وحده. فقد تحولت أعماله إلى موضوع للدراسات والأبحاث والكتب، وخصصت لها معارض ومؤسسات فنية مساحات واسعة، بما يؤكد أن مشروعه تجاوز حدود التلقي المحلي إلى فضاء نقدي وفني أوسع. كان سامي محمد واضحاً في موقفه من علاقة الفن بالسوق. لم يكن البيع هدفه الأول، ولم ينظر إلى العمل الفني بوصفه سلعة قبل أن يكون رسالة. ولذلك ظل يسأل: ماذا يستطيع الفن أن يفعل أمام الألم؟ وكيف يمكن للصورة والمنحوتة أن تساعد الإنسان على فهم معاناته، وربما على عدم تكرارها؟ ترك سامي محمد وراءه إرثاً يمتد عبر ستة عقود، لكنه ترك، قبل ذلك، نموذجاً للفنان الذي لم يفصل الجمال عن المسؤولية، ولا الفن عن الحياة. كان يرى الإنسان في كل مكان، ولهذا استطاعت أعماله أن تتجاوز حدود الكويت. وحين نحت «صبرا وشاتيلا»، لم يكن ينحت حادثة بعينها فقط، بل كان ينحت فكرة الضحية، وحين نحت «الجوع» لم يكن يرسم مأساة فرد، بل مأساة بشرية أوسع. وفي أعماله، ظل الجسد يتكلم نيابة عن الذين لا يستطيعون الكلام. ربما لهذا السبب تبدو منحوتاته، حتى وهي ثابتة في الحجر والبرونز، وكأنها تتحرك. أجساد تحاول الخروج من الصندوق، وجوه تحاول فتح أفواهها، أيدٍ تبحث عن فضاء، وأجساد تقاوم القيود.كان سامي محمد يؤنسن الحجر، ويمنح الصمت صوتاً. وبين الطين الذي لامسه طفلاً في أزقة الصوابر، والبرونز الذي حمل أعماله إلى المتاحف والبَيناليات العالمية، تتشكل سيرة فنان لم يتخلَّ عن السؤال الأول الذي رافقه منذ طفولته: كيف يمكن للمادة الصامتة أن تتكلم؟ كانت إجابته طوال ستة عقود: بالإنسان. رحل سامي محمد، لكن منحوتاته ستظل واقفة، لا بوصفها أجساداً جامدة، وإنما كشهادات على زمنه، وعلى آلام الإنسان وأحلامه، وعلى إيمان فنان بأن الفن يستطيع أن يقف في الجهة الأخرى من الخوف، حيث تبدأ الحرية.