البحر ليس غداراً وهو جندي من جنود الله مسير بمشيئة الخالق..

الغواص فيصل عبد السلام : الإبداع نتاج الفضول والبحر يشبه النفس البشرية..

على امتداد الأفق الأزرق، يقف الإنسان هاربًا من صخب عالمه، تائهًا بين أفكاره، متأملًا صعود الموج وانكساره، ومع كل موجة، يغوص أعمق في ذاته، باحثًا عن صوت يلم شتاته، فلا يجد سوى هدير الموج وسكونه يملأن كل ما حوله . في هذا الحوار الصحفي مع غواص لم يكتفِ بمراقبة البحر من سطحه، بل قرر أن يشق أمواجه، ويغوص في أعماقه، لينقل لنا مشاهد آسرة أبدعها خالق الكون، وأجوبة مثرية عن الغوص والبحر فيصل عبدالسلام غواص حر محترف وصانع محتوى بحري، بدأ عام 2024 توثيق رحلاته عبر سلسلة بحرية ينقل من خلالها تجاربه في الغوص الحر والصيد واستكشاف سواحل المملكة، مقدمًا تجربة مميزة عن عالم البحر. أولًا: التجربة و الخبرة الشخصية •هناك مئات الهوايات، لكنك اخترت الغوص تحديدًا، ما الذي جذبك إليه؟ • منذ الطفولة كان البحر يمثل المتنزه الوحيد لعائلتي، ومغامرة بحرية مشوقة لنا، فأبي يهوى الصيد ونحن نسبح من حوله ونستمتع بالرمال الذهبية. من تلك الذكريات نبع حبّ السباحة حتى تحول إلى شغف لاستكشاف أعماقه بممارسة الغوص الحر. • ما أكثر فكرة كانت لديك عن البحر أو الغوص ثم اكتشفت أنها كانت خاطئة تمامًا؟ • كانت فكرة أن البحر “غدار” وخطير كما هو متعارف عليها بين الناس تجول في ذهني، ثم بحثت عن الموضوع أكثر واكتشفت أن البحر جند من جنود الله، يسير بأمر من الله سبحانه، وأوامر الله كلها صائبة لا يوجد فيها غدر. تعلمت أن الخطر يأتي من الجهل، وخطورة البحر تعتمد على إدراك الشخص لإجراءات السلامة اللازمة. التعلم ينقذك ويحول الخوف إلى ثقة. • هل عشت موقفًا تحت الماء غيّر نظرتك إلى الحياة، أو الخوف أو معنى الموت؟ • أبدًا ولله الحمد، توجد مواقف خطيرة حدثت لكنها بعيدة عن خطورة الموت، مثل الإغماء اللحظي في الغوص الحر، أو الدخول لحطام سفينة غارقة قد يأخذ وقتًا في الخروج منها، أو رؤية كائنات لابد من التعامل معها بحذر. كل التجارب تنتهي بمعلومة جديدة وفهم أكبر عن هذا العالم الممتع “البحر”. • بعد كل رحلة غوص، ما الذي يتغير داخلك؟ • علميًا نعم، تحدث تغيرات حقيقية وإيجابية للإنسان عند اتصاله بالطبيعة الموجودة في البحر، سواءً من خلال السباحة أو الغوص والتأمل. شعوريًا، أحيانًا أكون منشغلاً بأمور كثيرة في الحياة، ومن الطبيعي أن ينتج عنها القلق وأحيانًا الغضب. كل هذه الأمور تعتبر مشتتات تُفقد الإنسان جزءًا كبيرًا من الفضول، والفضول له أهمية كبيرة للشعور بالمتعة. مثل الطفل، نراه سعيدًا ومستمتعًا بأبسط الأشياء لأنه ما زال يمتلك قريحة فضولية. وهنا نجد أن المكان الوحيد الذي ما زال محتفظًا بخاصية الفضول، وتغيب عنه كل أنواع المشتتات، هو البحر. • هل يرسل البحر إشارات أو تحذيرات قبل أن تتغير حالته؟ • طبعًا، أحيانًا يكون الموج عاليًا، وهذا المؤشر يظهر عادةً قبل الإبحار بيوم، وأحيانًا بنفس اليوم، يسبق العاصفة هدوء غير معتاد وعندما يكون البحر في سكون تام بداية الصباح وكأنه مرآة، ومع ارتفاع الشمس تزداد حرارة اليابسة وتتكون رياح قوية تزيد الأمواج والتيارات أيضًا شكل الغيوم عامل مهم؛ إذا كانت الغيوم متفرقة غالبًا يكون البحر آمنًا، ولكن إذا كانت تتكون بسرعة كبيرة ومعها رياح تتصاعد بالتدريج، فهنا تلقائيًا تتبع إجراءات السلامة وتعود إلى منطقة آمنة. • كيف تقيّم واقع رياضة الغوص في المملكة؟ • رياضة الغوص الحر على مستوى عالمي غير معروفة بشكل كبير، والأغلب لا يدرك إمكانية نزول الغواص للأعماق باعتماده على كتم النفس، بالرغم من أنها قدرات بشرية يمتلكها الجميع. ولكن ولله الحمد يزداد تقدم وتطور الرياضة، ونسعى دائمًا لنشرها وتعريف المهتمين بها. واقع الغوص الحر في المملكة العربية السعودية أيضًا في تطور مستمر ولله الحمد. ثانيا: البحر والإنسان • هل فقد الإنسان المعاصر علاقته بالطبيعة؟ • الطبيعة هي أكثر شيء فقده الإنسان في الوقت الحالي، أصبحت الحياة سريعة ومليئة بالأحداث، ويعيش الإنسان فيها متقوقعًا داخل الجدران والبنايات الكبيرة والمنازل المعزولة وبعيدة عن كل المخلوقات على الأرض التطور ليس شيئًا سيئًا، بل مهم ويساعدنا كثيرًا، ولكن الطبيعة والاتصال بها أهم بكثير للحياة والصحة النفسية والعقلية. لذلك عندما يشعر الإنسان بالضيق يلجأ لله سبحانه أولًا، ثم للطبيعة التي خلقها الله سبحانه له ليعيش. • لماذا ارتبط البحر في الأدب والفن بالوحدة والبحث عن الذات والحرية؟ • البحر مهيب ومكان له اختلاف واضح عن كل ما في الحياة، يتغير ويتشكل حسب الأمواج ولون السماء وكثافة الغيوم، ولا نعرف نهايته، وبالنسبة لنا يعتبر مجهولًا والفنان في هذه اللحظة يبحر بالخيال بحرية أكبر، لأن الفضول المرتبط بالبحر يوقظ هذا الإبداع ولا يوجد فيه طريق واضح ومرسوم، لا ضجيج ولا شوارع وحواجز، بل ممتد ومليء بعوالم مختلفة تشعرك بالتنقل المستمر دون التقيد بطريق معين لذلك يوجد في البحر ارتباط عميق بالنفس البشرية، فأحيانًا يكون هادئًا، غاضبًا، متأملًا وسعيدًا، وكأن البحر تجسيد ملموس لشعور الإنسان. • ما أكثر كائن بحري أثار دهشتك لطريقة حياته؟ وما الذي تعلمته منه؟ • توجد كائنات كثيرة، ولكن أبرزها الأخطبوط والحوت القاتل. الأخطبوط يتميز بذكاء عالٍ وقدرة ممتازة على التكيف والابتكار تحت أي ظرف، وهو كائن انطوائي غالبًا، وهنا نتعلم منه كيف نحل المشاكل ونتعايش معها حتى لو كنا بمفردنا نواجهها. الحوت القاتل رغم الاسم المرعب إلا أن بعض صفاته مميزة لدرجة خيالية. الأوركا يعيش مع والدته طوال الحياة، ويوجد ترابط عائلي قوي بينهم، والجدة دائمًا لها أهم دور في قيادة العائلة، ينقلون الخبرة للأجيال الجديدة ويحترمون الأكبر، والعائلة هي كل شيء بالنسبة لهم. • ما الذي علمك إياه البحر، ولم تستطع الحياة وحدها أن تعلمك إياه؟ • تعلمنا أشياء كثيرة في الحياة ولكن تطبيقها أحيانًا صعب، لكن في البحر التطبيق ميسور، وشعرت بلذة هذه المعلومات، مثل الصبر والسعي وتهذيب النفس، وإدراك حقيقي بأن الحياة أكبر وأضخم بكثير من أن نستسلم لأي حاجز يقف في طريقنا ويوقفنا عن السعي، لأن هذه العقبات المميتة للصبر في حياتنا كبشر رأيت حجمها الحقيقي عندما أبحرت.