قراءة في مجموعة حسين سنونة الجديدة (مجرد معطف)..
بانوراما مشهدية، ومفارقات صادمة، ورؤية انتقادية، والتزام بجماليات الفن.
منذ العنوان تتبدى للقارئ ملامح الرؤية في هذه المجموعة؛ فكلمة (مجرد) تشير إلى ضآلة القيمة مادياً ومعنوياً، ودلالة كلمة (معطف) ليست مجرد اللباس الشتوي الذي تومئ بنيته اللغوية إلى معانٍ مزدوجة، فالعطف (الجذر اللغوي) يشير إلى بعدٍ عاطفيٍّ يثري المفهوم الوجداني في تجلياته السطحية العابرة، ويشير إلى لون من ألوان اللباس الموسمي الذي يغطي الجسم ويحميه في موسم البرد؛ فهو القشرة الظاهرة التي تستر ما تحتها؛ فإذا مضينا في القصة الرئيسة التي حملت عنوان المجموعة تبدت لنا ملامح الموقف الذي يتخذه الكاتب من الحياة عبر مجرياتها العادية، ولكنه يصنع المفارقة الدلالية بأبعادها الاجتماعية والنفسية، الذاتية الفردية والجماعية؛ فيوغل في تقصي هواجس الشخصية الداخلية التي يحرص فيها على الحفر عميقاً في أغوار النفس، فيتقرى همومها وانشغالاتها وعوامل القلق وموجاته التي تجتاحها وتحرمها من لذة النوم، وتسلبها طمأنينتها النفسية وتغوص بها إلى نبض الداخل في عمقه وما يخلفه من آثار تحرم صاحبها النوم؛ فثمة جدل حاد بين الباطن والظاهر، وتفاعل بين خطرات الذات وأغوارها النفسية وهموم الواقع في تفاصيله وانشغالاته، ففي (مجرد معطف) يرصد الكاتب المفارقة الحادة بين اهتمامات الذات وشعورها الداخلي بالاعتزاز بالمعطف بوصفه لباساً فاخراً ونظرة الآخرين إليه باعتباره لباساً عادياً، بل أقل من ذلك؛ فيبين مدى البعد بين التقييم الذاتي والحقيقة الاجتماعية؛ وفي مستهل القصة يشير السارد البطل إلى سعادته الغامرة لامتلاكه هذا المعطف: “وحتى أكون سعيداً أكثر سوف أرتدي في هذا اليوم البارد المعطف الجديد الذي اشتريته قبل أيام، ماركة عالمية” فكما هو مألوف في هذا الفن (القصة القصيرة) تتنامى المشاعر حتى يقف بها صاحبها على مشارف تمثل ذروة القلق والتوتر؛ إذ تتراجع مظاهر الفرح ليحل محلها التوتر والقلق بعد أن تصطدم بما يغذيها من تفاصيل طارئة تنحسر فيها الموجة لتتداعى الهواجس والخواطر، وتحتشد لتحدث ذروة القلق؛ فمن الشعور برائحة الطفولة وشهوة التميز ولذة الاختلاف عن الآخرين إلى صدمة الخذلان والإحباط، وانحسار المشاهد المتخيلة من إعجاب الآخرين بالمعطف الفاخر إلى التردي في وهدة الشعور بالإحباط حين يرى عامل النظافة يرتدي مثل معطفه، ويعمد الكاتب بحسه الجمالي إلى مراكمة الشعور بالإحباط عبر استقصاء يهوي بحالته النفسية إلى قرارة الشعور بالخذلان، فهو ينتقل بشخصية البطل الذي يروي الوقائع بضمير المتكلم من المقهى إلى المطعم إلى الشارع منتهياً بمعطفه من ذروة الاعتزاز به إلى حضيض الشعور بتفاهته، حيث جاء المشهد الأخير الذي كان بمثابة لحظة التنوير في القصة، ليرى المعطف الفاخر يغطي به صاحبه الكلب، ولا شك أن هذه اللقطة الوامضة توحي بالانطباع الصادم الذي تميز به فن القصة القصيرة. وفي قصته (قبل النوم) يواصل الكاتب رحلته التي بدأها في تعميق المفارقة واستبطان الداخل عبر حديث النفس وهواجس القلق؛ إذ يمضي في مقاربة نفسية عصرية مهمة، تتمثل في رصد انعكاسات الواقع الخارجي بتفاصيله المثقلة بالالتزامات على الباطن؛ فالعالمان يتراسلان عبر الوعي المثقل الذي يحول دون انقطاع الصلة بينهما، والتخلص من عبودية القلق في الاستغراق في النوم فتتأبى عليه السبل؛ ويظل الهم الخارجي يتوسع حتى يستولي على المساحة التي تغيب في سديمها هموم الواقع. وفي قصته (حين يغني المطر) تتبدى رؤيته التي تتألق فيها الفطرة وتتصل بعالم الصفاء والنقاء؛ ذلك العالم الذي بدأ ينحسر؛ وهو إذ ينبو به الخيال ليلامس شغاف جوهر النقاء الذي تتواصل عبره الروح فيه متجردة مما يحجبها عن خالقها؛ فالمطر في دلالته المزدوجة: النقاء والعطاء ثم الحزن والدموع، تتكشف الآفاق عن مرآة الوجود، وإن بدا ذلك غير مألوف؛ إذ يلامس سقف الفانتازيا أو يكاد، كما صوره الكاتب في شخصية السارد الذي خرج إلى العراء متجرداً من ملابسه إلا مما يستر عورته، وأدار حواراً مع زوجته التي استهجنت فعلته؛ ولكنه -بلا مواربة وعبر التعبير المباشر- الذي يكافئ في نظري من حيث البنية التعبيرية الجسد الذي تجرد من عرض الدنيا؛ وتتبدى المفارقة بين رؤيتين: إحداهما محافظة تحاول أن تلتزم بالعرف والعادة وتساير منطق الواقع، وأخرى تتجرد من القشرة الخارجية لتلامس في جوهرها الروحي والصفاء الكوني المطلق عبر معانقة المطر ومخاطبة الخالق جل وعلا، فهو في رؤيته -عبر العديد من قصصه- يسلك هذا النهج في بحثه الدؤوب عن الحقيقة الكونية المجردة بما تنطوي عليه من نقاء وصفاء في عالم يكتظ بالنفاق، ولست مع تصنيف المواقف إلى رومانسية وواقعية انتقادية وما إلى ذلك، فالكاتب هنا منذ العتبة الأولى يهزأ بانخداع النفس البشرية بالمظاهر وينقب عن جوهرها الداخلي في صفائه. وامتداداً لهذه الرؤية التي تسعى إلى اختراق الصدفة الخارجية المضللة التي يطمسها النسيان، ويخفيها الزمن في إيقاعه المتسارع، تأتي قصة (ذاكرة الأسماك) التي تسلك نهجاً حوارياً يمتح من الذاكرة بين زوجين، وقبل أن يشرع في حواريته يصور شخصية الزوج الذي بدا وكأنه يسائل ذاته ويتحدث إليها؛ فقد طرأ تحول كبير على شخصيته في استرجاعاته لذكرياته، وحديثه الذاتي إلى نفسه؛ ومنذ العنوان تتبدى رؤيته، فهو يريد أن يتخطى حاجز النسيان ويستحيي ذاكرته وينعشها بارتدادات متتابعة لماضيه، فيقدمه في لوحة أقرب إلى (البورتريه) وهو يخاطب نفسه ويحرك جوارحه في لغةٍ جسدية تعكس حالته النفسية وانقطاعه عما حوله، وارتداده إلى ماضيه فيما يشبه الانسحاب من حاضره واللجوء إلى ماضيه: “يحدث نفسه كثيراً، تارة بإشارات يديه، وبعض الأحيان يحرك رأسه يميناً وشمالاً، أعلى وأسفل، وكأنه يؤدي دوراً في عرض مسرحي” ويعمد إلى تتبعه في أكثر من موقع، ويرصد ردات فعل من حوله؛ إلى أن ينتهي به الأمر فيدير الحوار بينه وبين زوجته بعد أن استغرقت هواجسه وقته الذي يمضيه في قضاء الحاجة؛ واختياره لذلك المكان الذي يوحي برمزية عبثية تنبئ بها حواراته مع زوجته التي تحاول أن ترده إلى طبيعته كلما أبدى استذكاره لما يعتقد أن حياته في خضمها كانت عبثاً، وقد توسع الكاتب في إبدائه لرؤيته فانتقل من عبثية وجود بطله الذاتي الذي تمنى لو لم يولد فيه أصلاً إلى نقدٍ لاذع لثقافة سلوكية عامة متخذاً من الانتخابات قناعاً لها. وفي قصته (إشارة حمراء) بانوراما مشهدية تلتقط فيها عدسته صوراً متعددة، وفي اختياره للمكان الوقوف عند الإشارة الحمراء دلالة عميقة، فهي تشير إلى الوقوف الإجباري الذي لا يسمح بتخطيه إلا عندما تصبح الإشارة خضراء، فالحمرة تشير إلى الخطورة، وهو من خلال هذا الموقف يريد أن يرسل رسائل متعددة تفضي إليها لحظة التنوير التي تقدم مشهداً بانورامياً لكل من عناصره دلالة: “مجموعة الشباب والسحابة السديمية ونفثات الدخان، الرجلان الصامتان الجامدان كالجبال الرواسي، أطفال مع والديهم يرمون مخلفاتهم في الشارع، شاب مستغرق في مناجاة رومانسية مع زوجته أو خطيبته، مراهقون يرقصون، رجل يعد نقوده، سيارة نقل كبيرة على متنها عمال مغتربون” مشاهد بانورامية ملتقطة من زوايا متعددة منتقاة بعناية للإحاطة بالتركيبة الديموغرافية للمجتمع، ضمن أسلوبه الذي انتهجه في هذا المجتمع: التغلغل في أغوار الذات، ثم الطفو على سطح المجتمع في تقصٍّ لخريطة اجتماعية تميط اللثام عن هموم أصحابها في ملمح انتقادي واضح لبعض هذه المشاهد: ما استغرقت فيه شريحة من الشباب من آثام، ونمط سلوكي لأطفال يلقون بالنفايات في الشارع أمام ناظري كل من والديهما، فهذه اللقطات البانورامية تسلط الضوء على اللوحة السكانية، وتحاول أن تسبر أغوارها في لقطات سينمائية أشبه بتقنيات السينما (المونتاج)، وفي الوقت ذاته تحتفظ بالجوهر الفني لفن القصة القصيرة؛ بل وتعمد إلى تطويره عبر تعدد مشاهد الحركة والتوتر في انتظار لحظة التنوير التي تنطلق إلى رحاب الحياة بعد أن تفتح الإشارة الخضراء، نهجٌ في بناء القصة القصيرة يعتمد البانوراما والمشهدية والمونتاج السينمائي والارتحال إلى الأغوار الداخلية، ورصد النبض الاجتماعي والحراك النفسي. وفي قصته (غضب القشور) يرصد مشاهد تنطوي على مفارقاتٍ صادمة، ينتهج فيها الأسلوب ذاته الذي يعتمد على تعدد المشاهد: الاستنكار الذي تتقاذفه الألسن حول الرسوم المسيئة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث بلغت الصيحات الغاضبة أقصى مدىً لها من لدن (مسلم) الذي انتفخت أوداجه غضباً، وبلغ انفعاله واستنكاره لهذا الحدث ذروته، في مقابل المشهد الذي تشكلت عبره المفارقة الصادمة؛ فهذا الرجل الغضوب تقوىً وورعاً، يهضم حق العامل الذي ماطله في استحقاقه؛ فلم يعطه أجره منذ شهور، وهذا التناقض البين هو الذي انداحت عبره لحظة التنوير في القصة. ولعل فيما أشرت إليه من نماذج لقصصه في المجموعة يتضح أن الكاتب، مع التزامه الواضح بجماليات هذا الفن الذي يطلق عليه بعض النقاد (فن الأزمة وفن الجماعات المقهورة)، والتزامه بوحدة الانطباع والبنية الأرسطية الثلاثية، ولحظة التنوير، اختط له نهجاً خاصاً تمثل في تعددية المشهد وبانورامية اللقطات واستثمار التقنية السينمائية، والمفارقة بين الباطن والظاهر، والارتحال إلى أعماق النفس ورصد هواجسها وأفكارها، والنزعة الانتقادية، وشفافية الرؤية والحرص على وضوحها. فهذه المجموعة إضافة إلى رصيده السردي وتطوير لأدواته الفنية.