الجنون بين البقر والبشر.

حين تصاب بقرةٌ بمرض “جنون البقر” لا يجتمع الناس حولها ليتأملوا شجاعتها، ولا تُرفع صورتها في الميادين، ولا يكتب شاعر قصيدة في هيجانها، ولا يبحث المؤرخون عن الأعذار التي تبرر سلوكها. تصبح البقرة خطرًا، فيُتعامل معها باعتبارها خطرًا، وقد يكون مصيرها الإعدام منعًا لانتقال المرض وحمايةً للإنسان والحيوان. لكن الصورة تصبح أكثر التباسًا حين يتسلل الجنون من حظيرة البقر إلى عالم البشر. المقصود بالجنون هنا ليس المرض العقلي، ولا الاضطرابات النفسية والعصبية التي تستحق العلاج، والرعاية، بل والتعاطف أيضًا، ولا يجوز أصلًا تحميلها مسؤولية الوحشية البشرية. المقصود هو “الجنون” بمعناه المجازي: الطيش الأعمى، وانفلات القوة من الضمير، والهيجان الذي يجعل الإنسان قادرًا على قتل إنسان آخر لأنه مختلف عنه في العرق، أو اللون، أو الدين، أو تدمير الطبيعة لكي يزداد ثراءً. من هنا تبدأ المفارقة: فالبقرة حين تصبح خطرًا يُقضى عليها، أما الإنسان حين يفقد اتزانه الأخلاقي فقد يصبح قائدًا، وقد تُرفع له الرايات، وتنصب له التماثيل، وتكتب باسمه أناشيد النصر وأهازيج الفخر. فبالله عليكم: أي الجنونين أشد خطرًا؟ يتميز الإنسان عن بقية الكائنات بما يمتلكه من قدرات عقلية ولغوية هائلة، وبقدرته على التفكير والتخطيط وتراكم المعرفة ونقل التجارب بين الأجيال. بهذه القدرات بنى المدن، وصَنَعَ الدواء، ورصد النجوم، وغاص في أعماق الذرة، وكتب الشعر، وصاغ الحكمة. لكن المأساة أن العقل الذي يستطيع ابتكار الدواء يستطيع أيضًا إنتاج السم، والعِلْمُ الذي يطلق مركبة إلى الفضاء يستطيع أن يصنع قنبلة ذرية تمحو مدينة، كأن لم يَغْنَوْا أهلها فيها. لعل المشكلة الكبرى في تاريخ الإنسان ليست غياب العقل، بل قدرة العقل على العمل بكفاءة مذهلة بعد أن ينفصل عن الضمير، فالحيوان المفترس يقتل ليأكل، ويدافع عن منطقته أو صغاره أو وجوده وفق دوافعه الغريزية، أما الإنسان فيستطيع أن يقتل إنسانًا لم يره من قبل، ولا يعرف اسمه، ولم يهدده قط. لمجرد أن فكرة ما أوحت له بأن ذلك الإنسان عدو. الحيوان لا يؤلف نظرية في ضرورة إبادة قطيع آخر، ولا يرسم خريطة لمعسكر اعتقال، ولا يضع جدولًا زمنيًا للقتل، ولا يخترع لغة بيروقراطية تخفي الجريمة خلف كلمات مهذبة، لكن الإنسان يستطيع أن يفعل ذلك كله، وهو مقتنع، بل - في أحيانٍ كثيرة - مُغتبط، ولهذا ربما لم يكن السؤال الحقيقي: متى يفقد الإنسان عقله؟ بل: ماذا يحدث عندما يحتفظ الإنسان بعقله كاملًا ويفقد ضميره؟ لم يكن خوف الفلاسفة من انفعالات الإنسان جديدًا. فقد رأى “أفلاطون 427 ق. م – 346 ق.م.” النفس البشرية ميدانًا تتجاذبه قوى مختلفة، وأن العقل ينبغي أن يقود الرغبات والانفعالات بدل أن يصبح تابعًا لها. وفي هذا التصور اعتراف مبكر بأن الإنسان ليس عقلًا خالصًا، وأن في داخله قوى تستطيع، إن أفلتت من القيادة، أن تجره إلى ما لا يليق بكائن يصف نفسه بالعاقل. أما “أرسطو 384 ق م – 322ق م” فلم يعتبر الغضب شرًا في ذاته، وإنما جعل الفضيلة في ضبطه: أن يغضب الإنسان ممن يستحق، وللسبب الذي يستحق، وبالقدر والوقت والطريقة المناسبة. فالخلل ليس في وجود الانفعال، بل في فقدان الميزان الذي يضبطه. وكان “ لوسيوس آنيوس سينيكا نحو 4 ق. م – 65م” الذي عاش قريبًا من بلاط “نيرون” أكثر تشددًا، ففي كتابه “عن الغضب” تعامل مع الغضب باعتباره انفعالًا بالغ الخطورة حين يستولي على العقل ويقوده نحو الانتقام. وكان يعرف ما تعنيه القوة حين يقودها الانفعال، فالغضب في ذاته واحد، لكن نتائجه تتغير بقدر ما تملكه اليد الغاضبة من قوة. إن أخطر ما عرفه التاريخ لم يكن دائمًا جنون الفرد، بل اللحظة التي ينجح فيها الفرد في نقل جنونه إلى الآخرين. فقد لفت “غوستاف لوبون 1841 – 1931م” في كتابه “سيكولوجية الجماهير” إلى التحول الذي قد يطرأ على الإنسان عندما يذوب داخل الحشد. فالمرء الذي يتردد منفردًا في ارتكاب فعل ما قد يقدم عليه وسط الجماعة، حيث تضعف المسؤولية الفردية، وتنتقل الانفعالات، ويعلو الهتاف الجماعي فوق صوت الفرد. ففي وسط صخب الحشود لا يسأل: هل هذا صحيح؟ بل: ماذا يفعل الجميع؟ ولا يقول: هل يجوز أن أُدَمِّر؟ بل: لقد أمروني. ولا يعود يرى الضحية إنسانًا له اسم ووجه وأسرة وذكريات وأحلام، وإنما عضوًا في جماعة منحها خطاب الكراهية اسمًا آخر: خونة، طفيليون، متوحشون، نجسون، كفرة، أعداء الأمة. ولهذا تبدأ المجازر الكبرى كثيرًا باللغة قبل أن تبدأ بالسلاح. فكم من جريمة بدأت بهتاف! يقدم التاريخ شواهد مرعبة على قدرة اللغة على تمهيد الطريق لمرور العنف، ففي رواندا عام 1994 سبقت الإبادة الجماعية حملة تحريضية استخدمت أوصافًا مهينة بحق التوتسي، وكان وصفهم بـالصراصير من أكثرها شهرة. ولم تكن الكلمة مجرد شتيمة، كانت خطوة في عملية نزع الإنسانية عن الضحية. ومن أكثر حيل الجنون الجماعي خبثًا أنه لا يبدأ بقتل الإنسان، بل بإقناع الآخرين بأن الضحية أقل إنسانية منهم، وسيصبح قتله بعد ذلك أسهل. حين تابعت الفيلسوفة “حنه آرندت 1906 – 1975م” محاكمة “أدولف أيخمان” أحد المسؤولين عن اضطهاد اليهود وترحيلهم إلى معسكرات الإبادة النازية، أثار انتباهها أنها لم تجد أمامها الصورة الأسطورية للوحش الذي ارتكب جرائم بتلك الضخامة والوحشية. بل وجدت بيروقراطيًا يلبس ربطة عنق، يتحدث عن الأوامر والإجراءات والتسلسل الإداري. وبعد متابعتها للمحاكمة خرجت بمفهومها الشهير”تفاهة الشر”. ولم تكن تقصد أن الشر نفسه تافه، فالجرائم كانت هائلة، وإنما كانت تشير إلى حقيقة أكثر إزعاجًا: أن الإنسان قد يشارك في شر فادح من دون أن يبدو شيطانًا أسطوريًا، وهذا ربما كان أخطر أنواع الجنون البشري: الجنون الذي لا يصرخ. جنون يرتدي بدلةً أنيقة. يجلس خلف مكتب فاخر. ثم يعود مساءً إلى بيته، ليتعشى، ويلاعب أطفاله، ويسمع الموسيقى الحالمة قبل النوم. بينما تكون الأعمال التي ارتكبها قد أرسلت رجالًا، وأطفالًا أبرياء إلى الموت زرافات ووحدانا. كان “سيغموند فرويد 1856 – 1939م” قليل الاطمئنان إلى الصورة المثالية للإنسان المتحضر. ففي كتابه الشهير “الحضارة وسخطها” رأى أن الحضارة لا تمحو دوافع العدوان من الإنسان، وإنما تعمل على كبحها وتنظيمها وفرض القيود عليها. وهذه مقاربة مقلقة. لماذا؟ لأنها تعني أن المسافة بين الإنسان المتحضر والوحشية ربما تكون أقصر مما نتصور. تُبني المحاكم، وتُسَن القوانين، وتُأسس الجامعات والمتاحف، وبعد كل هذا نتصور أن الوحش مات، لكنه ربما أخذ استراحة محارب، وحين تأتي لحظة الخوف، أو الكراهية، أو التعصب، قد يستيقظ الوحش مرتديًا ملابس الحضارة نفسها. وللمفارقة العجيبة أن أكثر الحروب شراسة وتدميرًا لم تقع حين كان الإنسان لا يملك إلا العصا والحجر، بل بعدما امتلك المصانع والجامعات، وتعُلَّم الكيمياء والفيزياء والهندسة. نعود إلى البقرة المصابة بمرض جنون البقر، لنجد أنها ليست شريرة، ولا تكره أحدًا، ولا تخطط لجريمتها، ولا تحقد على بقرة أخرى لأنها سوداء أو بيضاء، ولا تُقْنِع بقية القطيع بأن السماء منحتها حق القضاء على قطيع آخر. إنها مريضة، ومريضة فقط. أما حين يصاب الإنسان بجنون القوة، فالأمر مختلف. يستطيع أن يمنح جنونه اسمًا جميلًا، وأن يكتب له بيانًا، وأن يصنع له علمًا وشعارًا، وأن يؤلف له أغنية، وأن يقنع الآخرين بأن ضحاياه هم المذنبون. لم يحصر الإنسان هَيَجَانِه في أبناء جنسه، فالغابة التي احتاجت قرونًا لكي تنمو يستطيع أن يحولها إلى أرض جرداء في أيام. والنهر الذي منح الحياة لأجيال يستطيع أن يحوله إلى مجرىً للنفايات. والحيوان الذي عاش آلاف السنين في بيئته يستطيع الإنسان أن يدفعه نحو الانقراض. من أجل ماذا كل هذا الطيش والجنون؟ من أجل الربح أو المتعة أو الزينة. أطلق الإنسان على نوعه اسم الإنسان العاقل، أو الحكيم. إنها تسمية رائعة، لكن التاريخ يضع بعدها علامة استفهام ضخمة، فقد عرف الإنسان كيف يقيس المسافة بين الأرض، والقمر، والشمس، وحتى النجوم البعيدة، وفك شفرة الجينات، لكنه مع كل هذه الإنجازات الباهرة ما زال قادرًا على قتل إنسان بناءً على أصله أو معتقده أو انتمائه. إذن ليست المشكلة في نقص الذكاء، بل في الحكمة. فالذكاء يعلمنا كيف نصنع القنبلة، والحكمة تسأل لماذا نصنعها. والذكاء يستطيع أن يبني آلة قتل، والضمير يسأل: بأي ذنبٍ قُتلت؟ لنتخيل محكمة غريبة تجمع إنسان استبد به جنون القوة، وبقرة مجنونة. في البداية يدخل الإنسان المجنون، وخلفه جثث قتلى، ومشاهد مدن محترقة، وغابات مدمرة، وحيوانات أبيدت. ثم تحضر للشهادة أمهات ثكالى، ويقف أطفال خائفون لم يعرفوا لماذا قُتل ذووهم. ثم يأتي الشعراء لتزكيته، والمؤرخون ليبحثوا عن مبرراته، والأتباع ليهتفوا باسمه، وفي خارج المحكمة يتأهب النحاتون ليصنعوا له تمثالًا منيفًا. وسيقول الإنسان المُتَهَم: إنه كان يدافع. وإن الآخرين هم الذين بدأوا بالشر. وإن الضحايا كانوا خطرًا مُحْدِقا. ثم تقف البقرة – المجنونة - بلا محامٍ، ولا مُزَكِين، ويشهد الجميع أنها لم تختر مرضها. ولن تستطيع أن تقول شيئًا، ومع ذلك يصدر الحكم بالإعدام حمايةً للآخرين. ثم تذهب إلى مصيرها صامتة. إنني هنا لا أدعو إلى معاملة الإنسان كمعاملة الحيوان، بل المقصود شيء آخر تمامًا. أن نتوقف عن تمجيد الجنون البشري. وأن نسمي الجريمة جريمة مهما كان اسم مرتكبها. فأخطر لحظة في حياة أمة ليست عندما يظهر فيها شخص استبد به جنون القوة. فهؤلاء عرفهم كل عصر تقريبًا. الخطر الحقيقي يبدأ عندما يستطيع ذلك الشخص أن يقنع العقلاء بأن يشاركوه جنونه، وأن يجعلهم يصفقون لما كانوا سيشمئزون منه لو ارتكبه عدوهم. وعندها ربما تكون البقرة، التي لم تعرف الكراهية، ولم تختر مرضها، ولم تكتب خطابًا لتبرير هيجانها، أقل جنونًا من كثير من البشر.