مسيرة الآثار في المملكة العربية السعودية خلال 55 عامًا وشهادتي على العصر.
تعود بي الذاكرة إلى ما قبل 55 عامًا من الآن، حينما كانت الآثار في غرفة صغيرة بمعهد العاصمة النموذجي بالرياض، وكانت عبارة عن قطع أثريّة قليلة ومكدسة في فوضى واضحة تفتقر إلى أبسط قواعد العرض المتحفي والترتيب المنهجي، وكانت الآثار –حينذاك- تابعة لوزارة المعارف، وكانت مسؤوليتها مُناطة بموظّف واحد هو ــ إن لم تخنّي الذاكرةــ عوض الشملان (رحمه الله) الذي أصبح فيما بعد أمينًا للمتحف الوطني بعد انتقال الآثار إلى مقرّها القديم بشارع الإمام عبدالعزيز بن محمد بن سعود، المعروف شعبيًّا باسم: شارع العصّارات. وانضمّ إلى الآثار موظفان متخصّصان هما: عبدالرحمن البراهيم, وابن عمه محمد البراهيم، ثم عبدالله الهدلق (رحمه الله)، وكان إداريًّا. ومنذ ذلك الوقت بدأت الآثار تسلك مسلكها الجادّ، خصوصا بعد صدور أول نظام سعودي للآثار في عام 1392، وتشكيل المجلس الأعلى للآثار، وإسناد إدارتها – حينذاك - إلى شاب متخصّص يمتلئ حماسًا وحيوّة ونشاطًا هو الدكتور عبدالله بن حسن المصري، العائد للتوّ بأعلى المؤهلات من أرقى الجامعات الأمريكية، وأصبح جهاز الآثار والمتاحف إدارة عامة في وزارة المعارف (التربية والتعليم فيما بعد, ثم وزارة التعليم حاليًّا)، وتوسّعت الإدارة في ابتعاث عدد من الشباب السعودي إلى الغرب، واُفتتح قسم للآثار والمتاحف بجامعة الملك سعود في عام 1398هـ, وهو أول قسم للآثار والمتاحف على مستوى الجزيرة العربية. وقد أسهم افتتاح هذا القسم، بفاعليّة في العمل الأثري والبحثي في المملكة العربية السعودية بفتح حفريّتين للتنقيب عن الآثار في موقع “قَرْيَة” بالفاو التابع لمنطقة الرياض، وموقع الرَّبَذَة التابع لمنطقة المدينة المنورة. ومن خلال خريجي القسم المدرّبين تدريبًا جيدًا في الحفريتين المذكورتين، أمكن إمداد الإدارة العامّة للآثار بكفاءات مؤهّلة من أبناء الوطن أسهموا بفاعليّة في المسح الأثري الشامل للمملكة العربية السعودية، الذي نُشرت تقاريره الأوليّة في مجلة: أطلال. وتُعدّ هذه المجلّة التي تصدر حتى اليوم من أهم المصادر التي لا يستغني عنها أيّ باحث في حقل الآثار بالمملكة العربية السعودية. وشهدت تلك المدّة بناء خمسة متاحف إقليميّة في كل من الأحساء والجوف وتيماء ونجران وجازان بهدف عرض المكتشفات الأثريّة في متحف كل منطقة من المناطق والمحافظات المذكورة، ولا تزال هذه المتاحف تقوم بدورها حتى عصر الناس هذا. وتمضي السنون، فترتقي الإدارة العامة للآثار والمتاحف بوزارة المعارف إلى وكالة مساعدة، ثم إلى وكالة، تقلّب على كرسيّها بعد الدكتور عبدالله المصري، الدكتور عبدالله أبو راس، فالدكتور حامد أبو درك، ثم الأستاذ الدكتور سعد الراشد, الأكاديميّ البارز الذي استقطبه وزير المعارف – حينذاك - معالي الدكتور محمد أحمد الرشيد (رحمه الله) من قسم الآثار والمتاحف بجامعة الملك سعود، ثم الدكتور علي المغنم, وهو من الآثاريين المخضرمين أيضًا. ويعود الفضل بعد الله إلى سعادة الدكتور سعد الراشد الذي استطاع أن يفرض تقبّل الآثار بشكل واضح على مستوى أصحاب القرار في وزارة المعارف، واستطاع أن يحقّق منجزات تذكر له ويشكر عليها في مجال النشر العلمي، وفي بدء التعاون مع بعض البعثات الأجنبية للتنقيب عن الآثار في مختلف ربوع بلادنا، وكذا بدء العمل في تحديث نظام الآثار والمتاحف، وإصدار سلسلة آثار المملكة المكونة من 13 مجلدًا، بتمويل سخيّ من رجل المكرمات سمو الأمير سلطان بن عبدالعزيز (رحمه الله)، وعقد ندوة كبرى رعاها سمو وزير الداخلية الأمير نايف بن عبدالعزيز (رحمه الله)، بعنوان “آثار المملكة العربية السعودية: حمايتها والمحافظة عليها”، وصدرت مداولاتها في مجلّدين يحملان عنوان الندوة نفسه, ويُعدّان من المراجع المهمّة التي لا يستغني عنها أي باحث في آثار المملكة العربية السعودية وتراثها التقليدي المحسوس. ومن حسن حظّنا أن تراثنا شهد نُقلة نوعيّة حينما ضُمّت الآثار إلى الهيئة العليا للسياحة في عام 1424هـ/2003م لتصبح الهيئة العامة للسياحة والآثار, وأُسندت رئاستها إلى عاشق الآثار والتراث وابن عاشقها صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن سلمان بن عبدالعزيز, ومنذ تعيين سموّه شهدت الهيئة العامة للسياحة والآثار التي تحول اسمها فيما بعد إلى الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني في عام 1436هـ/2015م, حيث حقّقت الهيئة برئاسة سموه نقلة نوعية تمثّلت في مشاركة عدد من الجهات الحكوميّة، ونخبة من المثقّفين لوضع رؤية للعناية بالتراث الوطني من حيث الاهتمام به, وحمايته وتوثيقه، واستعادته من الأيدي التي وصل إليها بطرق غير مشروعة، حيث بلغ مجموع ما اُستردّ منه 17 ألف قطعة أثرية من داخل المملكة العربية السعودية، وأكثر من 30 ألف قطعة من خارجها بعد أن كان قد مضى على اختفائها – حينذاك - أكثر من 50 عامًا. وأقامت الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني مناسبة احتفاليّة تكريميّة رائعة في المتحف الوطني بالرياض مصحوبة بمعرض للآثار السعودية المستردّة من مختلف أنحاء العالم, وبعض من حضر هذه المناسبة, وحظى بالتكريم أفراد من أبناء وحَفَدَة قدماء العاملين الأمريكيين في أرامكو الذين ردّوا ما حمله آباؤهم وأجدادهم معهم إلى أمريكا عن قناعة وطيب خاطر, فاستحقّوا تكريمهم والحفاوة بهم في ذلك الاحتفال الرائع والمعرض المصاحب له. وعملت الهيئة على إقامة ملتقى عالمي آخر عن الآثار في المملكة العربية السعودية دعا إليه وترأسّه صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن سلمان بن عبدالعزيز, وشَرُف الملتقى برعاية أبويّة كريمة من لدن خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز (حفظه الله), وحضره علماء ووزراء ومسؤولين كبار من مختلف أنحاء العالم, وتضمّنت كلمة الملك سلمان التي ألقيت في الملتقى, ونوّه بها مجلس الوزراء تأكيده على أن الآثار والتراث الحضاريّ جزء مهمّ من تاريخ المملكة وهويّتها الوطنيّة, وهما الأسس المهمّة في بناء الوطن, كما تضمنت كلمته حفظ الله أيضا تقديره للجهود المبذولة في التنقيب عن آثار المملكة وكشفها وصيانتها والمحافظة عليها ودراستها ونشرها ضمن برنامج خادم الحرمين الشريفين للعناية بالتراث الحضاريّ. ونال التراث العمرانيّ الوطنيّ السعوديّ حظًا وافرًا من عناية الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني واهتمامها, فاقامت سلسلة من المؤتمرات التراثية العمرانيّة في مختلف مناطق المملكة العربية السعودية مبتدئة إياها بالرياض العاصمة التي عقدت الهيئة على ترابها مؤتمرًا بعنوان: التراث العمراني الإسلامي, ثم أتبعته بعدة مؤتمرات عُقدت برئاسة سمو الأمير سلطان بن سلمان بن عبدالعزيز رئيس الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني على التوالي في كل من جدة والدمام والأحساء والمدينة المنورة والقصيم وعسير تحت عنوان التراث العمراني الوطني, وشارك فيها مختلف الجهات التي لها عناية بالتراث العمراني سواء من القطاع الحكومي أو من القطاع الخاص, وقد استقطب سمو الأمير سلطان بن سلمان إلى جانبه سعادة الدكتور مشاري بن عبدالله النعيم, وهو من الأكاديميّين المعماريّين السعوديّين المميّزين. للاستفادة من خدماته في الشأن المعماري, وتشرّفت شخصيًّا بحضور كل تلك المؤتمرات السابقة واللاحقة, والمشاركة البحثيّة في بعضها. وفي إطار العلاقات الدوليّة أقامت الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني سلسلة معارض للآثار الوطنيّة في عدّة دول في أوروبا وأمريكا وآسيا بعنوان: (Road to Arabia) الطريق إلى البلاد العربية ضمّت قطعًا فريدة ومتنوعة من آثارنا الوطنيّة التي جُمعت ميدانيًّا من مختلف مناطق المملكة العربية السعودية, وتغطّي زمنيًّا مختلف الحقب التاريخيّة, وعصور ما قبل التاريخ. وقد أدهشت تلك القطع الأثرية المنتقاة العالم بندرتها وقيمتها التاريخية والأثرية, وأهميتها العلمية في إثراء المعرفة البشريّة بما للمملكة العربية السعودية من تاريخ عريق ومجد تليد وحضارة زاهية. واستقطبت مئات الألوف من الزوار في كل مكان أقيمت فيه تلك المعارض, خصوصًا وقد أقيمت كلها في رحاب أشهر المتاحف العالميّة المعروفة التي رحّبت بها, وخصّصت لها قاعات رحبّه في أجنحتها الفسيحة, فكانت تلك المعارض السعوديّة المتنقّلة خير سفير للثقافة الوطنيّة السعوديّة إلى مختلف أنحاء العالم. ومن الصدف الجميلة, والحظ الحسن أن هذا المعرض حينما أقيم في الصين ضمن جولته الآسيويّة تزامنت إقامته هناك مع زيارة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز للصين في 16 جمادى الآخرة 1438هـ الموافق 15 مارس 2017م, فزاره الملك سلمان حفظه الله مصطحبًا معه الرئيس الصيني ش.ج.بينج, وبحكم خلفيّة الملك سلمان, ومعرفته العميقة بتاريخ المملكة العربية السعودية وآثارها وتراثها فهو من تولّى الشرح بنفسه للرئيس الصيني, وتلك مَحْمَدَة للملك سلمان, ومَفْخَرَة للشعب السعودي يُسجّلها له التاريخ ولِمَلِكِهِ الملك سلمان بن عبدالعزيز حفظه الله. وعملت الهيئة على تسجيل بعض المواقع الأثرية في قائمة التراث العالمي باليونيسكو، حيث سُجّل منها – حينذاك - خمسة مواقع هي: الحِجْر أو مدائن صالح، والدرعيّة التاريخيّة، وجُدّة التاريخيّة، ونقوش جُبّة والشويمس بمنطقة حائل، وواحة الأحساء. كما عملت الهيئة على صدور نظام الآثار والمتاحف والتراث العمراني، وكان حين صدوره من أحدث أنظمة الآثار على مستوى عالمي، واستطاع رئيس الهيئة العامة للسياحة والآثار صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن سلمان بن عبدالعزيز، والفريق العامل معه, وعلى رأسهم سعادة الأستاذ الدكتور علي بن إبراهيم الغبّان، ومعاونه سعادة الدكتور حسين بن علي أبوالحسن أن ينفث في روح الآثار عزيمة وهمّة عالية من لدن سموّه الكريم، وأن يضع منهجًا جديدًا يتمثّل في إخراج الآثار من حفرة الآثار كما كان سموّه يقول ذلك في كثير من المناسبات، وأن يقرّبها إلى مفاهيم الناس, وأن ينشر الوعي الجمعي بالآثار بين المواطنين السعوديين, بحيث يكون كل منهم حارسًا للآثار. وعملت الهيئة عام 1432 على إنشاء “سجل الآثار الوطنية” الذي ضمّ –حينذاك - أكثر من 7270 موقعًا أثريًّا. واستطاعت الهيئة العامة للسياحة والآثار أو التراث الوطني أن تدير 35 بعثة أثرية وربما أكثر بين سعودية ودولية مشتركة تنقّب في عدد من المواقع الأثريّة مع بعثات من عدة دول أجنبيّة لها باع طويل في التنقيب عن الآثار من كل من أوروبا وأميركا والصين واليابان. وامتدّت عمليّة التطوير في قطاع الآثار إلى ربط المتاحف بالمسارات والأنشطة السياحيّة في مختلف مناطق المملكة العربية السعودية إدراكًا من الهيئة بأن الآثار أهم مقوّم من مقوّمات أي سياحة ناجحة؛ فقامت بترميم عدد من المباني والقصور التاريخيّة, وتحويلها إلى متاحف، وأنشأت متاحف جديدة في مختلف مناطق المملكة ومحافظاتها. كما قامت الهيئة بدعم المتاحف الخاصّة حتى تتمكن من مزاولة نشاطها المتحفي، واستقبال زائريها على أكمل وجه، فرخّصت لـ31 متحفًا في أنحاء مختلفة من المملكة, خصوصًا تلك التي تنطبق عليها المعايير والضوابط المرعيّة لدى الجهات المختصّة في الهيئة، وأقامت الهيئة لأصحاب المتاحف الخاصّة ملتقى كل سنتين، ونظّمت لهم رحلات خارجيّة للوقوف على تجارب الدول التي سبقتنا في هذا الخصوص. وهكذا نلحظ أن قطاع الآثار والمتاحف بعد انضمامه إلى الهيئة العليا للسياحة تحت اسم: الهيئة العامة للسياحة والآثار برئاسة الأمير سلطان بن سلمان بن عبدالعزيز, ثم الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني حقق قفزات واسعة في زمن لا يتجاوز ثماني عشرة سنة من تاريخ انضمامه إليها. وشهدت مسيرة آثارنا الوطنية دفعة قويّة جديدة إلى الإمام حينما تأسست هيئة التراث في العام 1441هـ/2020م ضمن الهيئات الأحد عشر التي تندرج تحت عباءة وزارة الثقافة, ومن مسؤوليّاتها: قطاع الآثار, وقطاع التراث العمراني, وقطاع التراث الثقافي غير المادي, وقطاع الحرف اليدويّة. ومنذئذ وهيئة التراث تمارس نشاطها بقوة واقتدار ودون كلل أو ملل في مختلف هذه القطاعات التي تندرج تحت مظلّتها, فازداد نطاق المسح الأثري الشامل عن الآثار وتوسّع, ونشط التنقيب عن الآثار في كثير من المواقع الأثريّة في طول المملكة العربية السعودية وعرضها, وانتشرت فيها البعثات الأثرية التي زادت على 40 بعثة أثريّة بين سعودية محضة, وسعودية بالتشارك مع بعثة أجنبيّة تشاركًا ندّيًّا, وتضاعف الكشف عن الآثار, وازدادت نتائجه وتنوّعت وتعمقّت في المكان والزمان, وازداد تسجيل المواقع الأثرية في قوائم التراث العالمي باليونيسكو, آخرها تسجيل المنظر الثقافي لمنطقة الفاو الأثرية في يوليو عام 2024م. وتوسّعت مناشط هيئة التراث وشركائها في القطاعات الأخرى المرتبطة بها توسّعًا غير مسبوق مدعومًا بسخاء من لدن خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز, ومن ولي عهده الأمين صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز رئيس مجلس الوزراء (حفظهما الله), وبمتابعة حثيثة من وزير الثقافة سمو الأمير بدر بن عبدالله الفرحان, وإدارة حكيمة من سعادة الدكتور جاسر بن سليمان الحربش, الرئيس التنفيذي لهيئة التراث, والفرق العاملة معه, وهم على مستوى عالٍ من التأهيل والتدريب والخبرة التي أهّلتهم للبروز في كثير من المحافل الدوليّة, وفقهم الله جميعًا, وأخذ بأيديهم وسدّدهم.