هل نحافظ على الوسيلة أم نحافظ على “الرياض”و”اليمامة”؟

خلال الأيام الماضية، تابعت باهتمام كبير ما قيل وكتب عن انتقال جريدة الرياض ومجلة اليمامة من النسخة الورقية إلى مرحلة جديدة. وقرأت مشاعر الحزن والحنين، كما قرأت التساؤلات والآراء المختلفة، واستمعت إلى كثير مما قيل حول هذه الخطوة. ولقد تفهمت كل هذه المشاعر وقدرتها كثيراً؛ لأن الورق بالنسبة لنا جميعاً في مؤسسة اليمامة الصحفية لم يكن مجرد وسيلة، بل كان جزءاً من تاريخ طويل، وذاكرة أجيال، ومسيرة نعتز بكل تفاصيلها. وندرك في اليمامة الصحفية تماماً أن مغادرة الورق ليست أمراً عابراً لمن اعتاد الرياض واليمامة لعقود، ولا لمن ارتبط بهما قارئاً أو كاتباً أو صحفياً. فالصحيفة والمجلة لم تكونا مجرد أوراق تصل إلى قارئهما، وإنما رافقتا أجيالاً ووثقتا أحداثاً وتحولات، وحملتا أصوات كتاب وصحفيين ومثقفين أسهموا في صناعة جزء مهم من المشهد الصحفي والثقافي في المملكة، لكنني في الوقت نفسه، كنت أنظر إلى واقع مختلف لا يمكن تجاهله. العالم تغير، وصناعة الإعلام تغيرت، وعادات القراءة تغيرت، والقارئ نفسه أصبح في مكان مختلف. وهذه ليست تحولات عابرة، بل تغيرات جوهرية أعادت تشكيل صناعة الإعلام في العالم كله. فطريقة صناعة الخبر وتلقيه وتوزيعه لم تعد كما كانت، والمنصات الرقمية أصبحت جزءاً رئيسياً من حياة الناس، وأصبح الوصول إلى القارئ أسرع وأكثر تنوعاً من أي وقت مضى. وأمام كل هذه التحولات، كان علينا أن نسأل سؤالاً واضحاً: هل نحافظ على الوسيلة، أم نحافظ على “الرياض” و”اليمامة”؟ وكان خيارنا في اليمامة الصحفية واضحاً؛ اخترنا الرياض واليمامة، اخترنا البقاء والاستمرار، اخترنا الإنقاذ والنماء، اخترنا أن نحمل تاريخهما معنا إلى المستقبل، بدل أن نبقى أسرى للوسيلة التي حملت هذا التاريخ لعقود. واخترنا أن نذهب بهما إلى حيث أصبح القارئ، وأن نستثمر بصورة أكبر في المحتوى والتقنية والمنصات الرقمية وأدوات المستقبل، دون أن نتخلى عن هويتنا أو رسالتنا أو مسؤوليتنا المهنية. فالوفاء لتاريخ المؤسسات العريقة لا يعني أن تبقى كما كانت إلى الأبد، وإنما أن تمتلك القدرة على قراءة التحولات من حولها، وأن تعرف متى تتغير وكيف تتغير، وما الذي يجب ألا يتغير فيها، وهذه بالنسبة لنا هي المعادلة الأهم في المرحلة المقبلة؛ فالذي سيتغير هو الوسيلة وليس الرسالة. أما المصداقية والمحتوى والهوية والمسؤولية المهنية والثقة التي صنعتها أجيال من أبناء مؤسسة اليمامة الصحفية ومنحنا إياها قراؤنا طوال هذه العقود؛ فهذه هي الأشياء التي نريد أن تبقى وأن نبني عليها مستقبل المؤسسة والتحول الرقمي الذي نتجه إليه لا يعني ببساطة أن نستبدل الورق بالشاشة، أو أن ننقل ما كنا نفعله بالأمس إلى وسيلة أخرى. طموحنا أن تكون المرحلة المقبلة فرصة لتطوير المحتوى، والاستفادة من التقنية والذكاء الاصطناعي، وتوسيع دائرة الوصول، وتقديم تجربة إعلامية تتناسب مع الطريقة التي يقرأ ويتابع ويتفاعل بها الجمهور اليوم. نريد أن تكون “الرياض” أكثر وصولاً وتأثيراً، وأن تبقى “اليمامة” حاضرة بقيمتها ومكانتها الثقافية والفكرية. وأن تستمر مؤسسة اليمامة الصحفية في أداء رسالتها بأدوات هذا العصر، وهي تستند في ذلك إلى تاريخ طويل من المصداقية والثقة. ولهذا لا ننظر إلى 24 أغسطس 2026 باعتباره تاريخ نهاية. نعم، سيكون محطة أخيرة للنسخة الورقية، وندرك أن لهذه اللحظة شيئاً من الحزن والحنين حتى بالنسبة لي شخصياً. فالورق الذي رافق هذه المسيرة الطويلة يستحق منا الوفاء والتقدير، وكل من عمل في هذه المؤسسة يدرك ما تمثله لحظة خروج الصحيفة أو المجلة من المطبعة، وما تحمله من ذكريات وتجارب لا تختصرها الكلمات. لكنني أرى الرابع والعشرين من أغسطس في الوقت نفسه بداية مرحلة جديدة. فالمؤسسات لا تقاس فقط بما أنجزته في الماضي، وإنما بقدرتها على حماية ما أنجزته وصناعة مستقبلها. وأعتقد أن مسؤوليتنا تجاه تاريخ “الرياض” و”اليمامة” لا تقتصر على الاحتفاء به، بل تشمل أيضاً ضمان استمرارهما وتأثيرهما في السنوات والعقود المقبلة. وأقول لكل من أحب الرياض واليمامة، ولكل من شعر بشيء من الحزن تجاه هذا التحول: نحن لا نغادر الصحافة، بل نذهب بها إلى حيث أصبح القارئ. نحمل معنا تاريخنا ونحافظ على هويتنا ونتجه بثقة نحو المستقبل. لقد خدمتنا الصحافة الورقية طويلاً، وكانت الوعاء الذي حمل رسالتنا إلى أجيال من القراء، وستظل جزءاً عزيزاً من تاريخ مؤسسة اليمامة الصحفية. واليوم، حين تتغير الوسيلة، فإننا لا نطوي ذلك التاريخ أو نتنكر له، بل نبني عليه ونحمله معنا إلى فضاء أرحب. فالصحافة في جوهرها لم تكن يوماً ورقاً وحبراً فقط. الصحافة محتوى ومصداقية وتأثير ومسؤولية وثقة. وإذا استطعنا المحافظة على هذه القيم وتطوير أدواتنا للوصول بها إلى الأجيال الجديدة، فإننا لا نغادر تاريخنا بل نضمن استمراره. ولهذا، نختصر رؤيتنا لهذه المرحلة في عبارة واحدة: “تطورت الوسيلة وبقيت الثقة”. وما انتهى هو فصل من مسيرة طويلة، أما “الرياض” و”اليمامة” فمسيرتهما مستمرة، ومرحلة جديدة تبدأ الآن. * المدير العام لمؤسسة اليمامة الصحفية.