المحتوى المحلي وكلمة الحق التي يراد بها باطل.
مع صدور الأمر الملكي الكريم بتعيين صاحب السمو الملكي الأمير عبد العزيز بن سلمان رئيساً لـ “هيئة المحتوى المحلي والمشتريات الحكومية” إضافةً إلى مهامه الأخرى في وزارتي الطاقة والصناعة والثروة المعدنية، استرجع البعض كلمةً صريحة لسموّه عن مسمى “المحتوى المحلي” قالها في جلسةٍ حوارية عن الاستراتيجية الوطنية للصناعة قبل عدة سنوات؛ إذ وصف الأمير عبد العزيز عبارة «المحتوى المحلي» بأنها «كلمة حقٍّ يراد بها باطل»، مفضِّلاً استخدام “التوطين” بدلاً منها، ومضيفاً: «التوطين يعني أن تغوص في أصناف المواد الداخلة في التصنيع، أما المحتوى المحلي فتخرج بمعادلة (فورمولا) أشبه بالتجميع التايواني: قطعة من هنا وقطعة من هناك». وضرب الأمير مثالاً بصناعة السيارات في الستينيات، وكونها كانت عملية تجميعٍ أكثر منها صناعةً حقيقيةً. وأشار إلى أن المحتوى المحلي «يدخلك في عملية إشباع حالةٍ من الزهو الزائف»، وشدد على أن مفهوم التوطين الحقيقي هو الدخول في تفاصيل صناعة المحتوى. وعمق الوصف ودقّته تدلان على معرفةٍ ودرايةٍ، وانتقادٍ أيضاً لـ “عملية إشباع حالةٍ من الزهو الزائف”. فـ “المحتوى المحلي” عبارةٌ فضفاضةٌ مجالها رحبٌ، ويمكن لمن أراد أن يفسرها كما يريد، لكنَّ التوطين عبارةٌ محددةٌ وواضحةٌ. لقد عملت في وزارة الصناعة والكهرباء - وكان هذا اسمها في مرحلةٍ من مراحلها لسنواتٍ - وكان الهاجس الذي صبغ تلك المرحلة هو العدد: كم لدينا من مصنعٍ... وهنا تذكرت إشباع حالة الزهو... إنَّ الدولة - أيدها الله بتوفيقه - كانت وما زالت تدعم الصناعة والصناعيين، ومن أوجه الدعم المتعددة تفضيل الصناعة السعودية “الوطنية” على غيرها، خاصةً في مناقصات المشتريات الحكومية، وهو أكبر دعمٍ يمكن لقطاعٍ تلقّيه؛ لكبر حجم هذه المشتريات والالتزام الحكومي الموثوق. ومن أوجه الدعم للصناعة الإعفاء الجمركي للمواد الخام وقطع الغيار والآلات للمصانع ومنتجاتها؛ ومن هنا برزت فرصٌ ذهبيةٌ وظهرت صناعاتٌ تجميعيةٌ أغلبها قيام وكيلٍ لمنتَجٍ بتصنيع جزءٍ من السلع التي يستوردها. ومن النماذج السيارات التي أشار إليها سمو الأمير، حيث نشأت صناعات تجميعٍ للسيارات من شاحناتٍ وحافلاتٍ، والتجميع ليس عيباً إذا ما كان مرحلة تأسيسٍ للتصنيع؛ بحيث يتم التصنيع المحلي لقطعٍ مهمةٍ تدريجياً، وتشجيع مصانع صغيرةٍ على إنتاج قطعٍ أخرى والشراء منها، وليس الاستمرار في استيرادها مفككةً وتجميعها والاستفادة من الإعفاء والأفضلية في المشتريات الحكومية. فلا يكفي لصق عبارة “صنع في السعودية”؛ إذ إنَّ المردود على الاقتصاد الوطني يزيد ويتضاعف كلما كانت المواد مصنعةً في الداخل وبأيدٍ سعوديةٍ وموادَّ محليةٍ، فهذه هي القيمة المضافة التي يحكى عنها كثيراً. وبخلاف السيارات هناك الكثير من المنتجات التي استفادت من الدعم والتفضيل، فهل قامت لدينا قاعدةٌ صناعيةٌ صلبةٌ؟ وهل أنتج محركٌ أو حتى إطارٌ؟ أيضاً من ذاكرة تلك المرحلة نشأت مصانع مكيفات الفريون، إذ بدأت بمكيفات الشباك وكانت في الأصل تجميعاً لماركاتٍ أجنبيةٍ، ودعمت بالشراء الحكومي حتى أصبحت علاماتٍ سعوديةً، لكن كم قطعةً منها تصنع محلياً وبعيداً عن قوالب البلاستيك؟ وبعد هذه السنوات الطويلة، هل رأينا اختراقاً حقيقياً في تصنيع المكيفات بإنتاج القطع الأساسية، أم لا زلنا على رصيف التجميع؟ إنَّ صناعة المكيفات في بلادنا لها أهميةٌ خاصةٌ بحكم المناخ، وعندما نشأت لم يكن المنتج الكوري موجوداً ولا الصيني، فانظر أين هم وأين نحن! وهي هنا - مع السيارات - نموذجٌ للعديد من المنتجات الصناعية. ومن المبشرات أن يكلف سمو الأمير عبد العزيز بن سلمان بهذه المهمة، وهو لا شك أهلٌ لها إن شاء الله، ولم يأت هذا الاختيار إلا عن نظرةٍ ثاقبةٍ من القيادة الرشيدة وفقها الله. أسأل الله تعالى أن يعينه على تحقيق طموحات خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي عهده الأمين - حفظهما الله - لكل ما فيه رفعة الوطن الغالي.