وماذا عن حنين الشُرُفات الى اليمامة؟

اليوم هو تأريخ فاصل بين زمن وزمن، بين عصر وعصر، بين فلسفة وفلسفة في عالم النشر. يوم يمثل تحولاً جوهرياً في مفاهيم هذه الصناعة التي بدأت مع اختراع الآلة الكاتبة، واختراع المطبعة والأحبار. إنها اشتراطات الثورة التقنية التي فرضت علينا عالماً رقمياً بكل تفاصيله، وسواءً تصالحنا معه أم لا، أعجبنا أم لم يعجبنا، فإنه قد فرض نفسه، ولا بد من التعايش معه. وحين نتحدث عن صناعة الصحافة والنشر بالذات فنحن نتحدث عن اقتصاد خاضع لعوامل الجدوى والربح والخسارة، ومعايير الانتشار والوصول الى المتلقي، التي تغيرت في خضم طوفان الرقمنة، وأجبرت المؤسسات الصحفية ودور النشر وكل ما له علاقة بصناعة المادة المقروءة الى التحول والخضوع للواقع الجديد. هذا الكلام ليس مقدمة تأبينية ولا فقرة من مراسم عزاء ونحن نتحدث عن آخر إصدار ورقي لمجلة اليمامة العريقة التي احتفلت قبل فترة قريبة بعيد ميلادها الخامس والسبعين، بل هو محاولة للتأمل في ضرورة توقف أو إيقاف العدد الورقي. نعرف أن المجلة تابعة لمؤسسة اليمامة الصحفية التي تصدر أيضاً صحيفة الرياض اليومية، التي ستتوقف عن الصدور أيضاً ابتداءً من تأريخ 24 أغسطس. وهناك فرق بين صحيفة ومجلة أسبوعية لها نمط واتجاه ومحتوى مختلف عن الصحيفة، موجة إيقاف العدد الورقي اجتاحت كثيراً من الصحف في العالم لحسابات اقتصادية محضة، لكن الأمر مختلف نوعاً ما بالنسبة للمجلات، خاصةً ذات المحتوى المتنوع والاهتمامات المختلفة، التي تقدم للقاريء وجبة أسبوعية دسمة ينتظرها بشغف. كثير من المجلات تحولت الى الرقمنة لكنها لم تجرؤ على إيقاف العدد الورقي كرمزية تحترم التأريخ والقاريء العتيق الذي ما زال يجد لذّةً في رائحة الورق، وهي بذلك تحاول إيجاد توازن بين العقلية الاقتصادية والوفاء لنوعية خاصة من القراء نشأت بينهم وبين المجلة علاقة حميمة لا يجوز إنهائها بفراق بائن. وعندما نتأمل واقع المجلات في المملكة نجد أن عددها قليل جداً، وتكاد مجلة اليمامة أن تكون الوحيدة من حيث تنوع المحتوى لناحية الثقافة والأدب والفن والفكر والسياسة وقضايا الشأن العام التي يخوض فيها المجتمع، مجلة شاملة ذات نكهة فريدة وخط تحريري له محدداته الخاصة. هي ليست متخصصة كبقية الأخريات من المجلات التي تهم شرائح معينة لها اهتماماتها الخاصة، بل مجلة كل فرد في المجتمع، ولذلك يكون الحديث عنها مختلفاً مع كامل التقدير لما تقدمه غيرها. قلتُ أننا هنا لا ننعى مجلة اليمامة لأنها سوف تستمر رقمياً، ولكن لا يمكن كتمان الأسى على اختفاء العدد الورقي، أمثالنا من القراء القدامى سوف نعاني من فقد كبير وحنين جارف لتلك المجلة التي كنا نحرص على تصفحها بأصابعنا وعيوننا وقلوبنا. شخصياً أنا لم أتصالح بعد مع المنتج الرقمي، ما زلت كائناً ورقياً. أُجبرتُ على التعايش مع الصحف الرقمية لأنه لا يوجد خيار آخر بعد التوقف شبه التام لتوزيعها، لكنه ما زال يمكنني اقتناء الكتب الورقية والمجلات، والآن سأفتقد مجلة رافقتني منذ الصبا الى الآن، وسأحاول التعايش غصباً عني مع يمامة جديدة، كانت يمامة حقيقية تطير بجناحين من الرياض وتهبط على نوافذ عشاقها كل خميس، أما الآن فستكون يمامة رقمية سابحةً في فضاء شاسع لا نستطيع الشعور بلذة احتضانها بين أيدينا. سنظل عشاقاً أوفياء لليمامة، ولكن ماذا عليها لو أبقت نسختها الورقية للعشاق المدنفين الذين سيعانون كثيراً من أعراض انسحابية بعد اختفائها. حظاً سعيداً ليمامتنا في مرحلتها الجديدة، مع بعض العتب عليها.