الطب والأطباء في مطلع القرن العشرين.
لم يكُن الطبّ مُتقدّماً كما نراه اليوم في الأزمان القديمة، فلقد بدأ علاج الأمراض بالسّحر والشعوذة؛ إذ تمكّن بعض الأشخاص مِن التأثير على الناس، بدافع اليأس وانعدام الحيلة، ليُصدّقوا بأن هؤلاء لهُم قُدرات عجيبة تُساعد في شفائهم من الأمراض التي يٌعانون منها، ولكن لم تدُم هذه الوسائل العلاجية المُخادعة لوقتٍ طويل، وذلك بسبب النّمو والتطوّر الفكري عند الناس. ثم أن مرحلةً من تطوّر الطبّ اعتمدتْ على الفلسفة، وانتشرتْ في الصين والهند، وكان لها دورٌ في تطوّر الطبّ اليوناني، وعملتْ على إلغاء العديد من المُعتقدات العلاجية التي كانت سائدةً في مرحلة السّحر والشعوذة، وظهر الطبيب والفيلسوف اليوناني “أبو قراط” أو “أبو الطبّ”، الذي عمل تفصيل جسم الإنسان، والمرض، ووضع نظريّات طبيّة ما زال بعضها يُستخدم في عصرنا الحاضر، كما أنه أول من وضع قَسَماً للأطبّاء؛ وهو عهدٌ أو ميثاقٌ أخلاقيّ يُقسِم به الأطبّاء قبل مُزاولة المهنة، يتضمّن التعهّد بحماية حياة الإنسان، وحِفظ أسرار المرضى، وبذل أقصى جُهدٍ في علاجهم بلا تفريق. ثم أن الإنسان بدأ يُفكّر بعلاجاتٍ أكثر فاعلية، يُدخلها مع الوصفات الطبية التي اكتشفها مُسبقاً، فوجد نوعاً جديداً من الطبّ سُمّي بالطبّ البديل أو “طبّ الأعشاب”، الذي اهتمّ بدراسة تراكيب النباتات وخواصّها العلاجية ودورها في الشفاء من الأمراض، وما زال طبّ الأعشاب يُستخدم بشكلٍ كبير حتى يومنا هذا. وبالرغم من أن الطبّ شهد تطوّراً في علاج بعض الأمراض قبل بداية القرن العشرين؛ مثل اكتشاف بعض الأدوية الجديدة، وظهور الأدوات الطبية، واكتشاف البنسلين.. إلا أن كلّ ذلك لم يكُن شيئاً، مُقارنةً بما عرفه العالم من تقدّم الطب الهائل ابتداءً من مٌنتصف القرن العشرين. يذكر الكاتب “سلامة موسى” أنه عرف طبيباً في إنجلترا في عام 1910، كان قد انقطع عن ممارسة العلاج، بدعوى أنه ليست هناك أدوية فعّالة للأمراض، وأن كلّ معارف الأطباء عن الطبّ لا تُبرّر لطبيبٍ أن يزعم أنه يعرف معاني الداء والدواء، أو أنه قادرٌ على شفاء المرضى، وأن كلّ الطبّ في نظره (وهو طبيب مُرخّص) عبارة عن أملٍ يُرجى فقط، وليس مهنة تُمارَس! ويتذكّر “موسى” طبيباً في “الزقازيق” بمصرفي سنة 1915، انتهى إلى مثلٍ يضربه لكلّ من يأنس فيه القُدرة على التفكير وحِفظ السّر، وهذا المثل يقول: “ليس في الطبّ غير ثلاثة أشياءٍ يوثَقُ بها، هي: الشُّربة للإسهال، والكينا للملاريا، والسُّم للموت”.. أما ما عدا ذلك فليس هناك دواء لأي مرضٍ آخر! ويخلص “موسى” أخيراً إلى القول إنه لو سُئل أحد الأطباء (المُخضرمين) في الخمسينيات من القرن العشرين مثلاً، عن حالة الطبّ في مطلع القرن، لأجاب: “بأنه لم يكُن شيئاً يُذكَر”، وأن هذا الطبيب حين يصف الآن دواءً لأحد المرضى، فإنه لا يجد واحداً من تلك الأدوية المعروفة في بداية القرن يُمكن الاعتماد عليه. أما الفيلسوف الإيرلندي “برنارد شو”، فقد عاش طيلة عُمره يحمل على الطبّ والأطباء، فيقول عن الطبّ في عام 1906 بأنه مجموعة من الخُرافات، ويصف أطباء ذلك الزمان بأنهم ليسوا مُخلصين؛ إذ يعلمون أن معارفهم قاصرة، وأن جِراحاتهم خطِرة، وأن علاجاتهم عقيمة، ولكن يكاد أن يكونون مُرتبطين في مؤامرة؛ كلٌّ منهم يُداري على أخطاء الآخرين، ويزعُم العِلم أو الفنّ، حيث لا عِلم ولا فنّ! وألّفَ “شو” مسرحية ساخرة بعنوان “ورطة الطبيب” The Doctor’s Dilemma، وكتب لها مُقدّمةً في 88 صفحة، شرح فيها موقفه من الطبّ والأطباء؛ وهو موقف الأديب الفيلسوف الذي يدرس العلوم في استقلال، ويُدلي برأيه في شجاعةٍ تُقارب الوقاحة! إن اختيار “شو” لأسلوب معيشته في الغذاء والنوم والعمل، لهو ثمرة استقلاله الفكري، وقد عاش بهذا الأسلوب 94 سنة. وعندما نتأمّل أسلوب حياته نجد أنه ينطوي على الاعتقاد بأن الأمراض هي نتيجة الانغماس في الحضارة القائمة وتعقيداتها المادية، وإلى الجهل بقيمة ارتباطنا بالطبيعة، فقد كان “شو” يرفض التدخين والشراب والمُنبّهات، كما كان ينام في غرفة مُفتّحة النوافذ حتى في الشتاء، وكان يمشي كلّ يومٍ ثمانية كيلومترات، وكان يتسلّق الأشجار.. بل إنه مات إثر كسرٍ مُضاعف حدث له عندما سقط من شجرة. وقد كان أسلوب حياته ذاك مُتأثّراً بالدعوة التي سادت في القرن التاسع عشر، وتزعّمها الفيلسوف “جان جاك روسو” وهي: “عودوا إلى الطبيعة، لأن الطبيعة هي الإنسانية، وهي الصّحة، وهي الهدوء والطمأنينة، وهي شاطيء الأمان من مفاسد الحضارة”. والحقيقة أن هذا الرأي في الطبيعة لا يُمكن أن يؤخذ بشكلٍ نهائي، ولكن الأفكار والخيالات التي سادت في ذلك الوقت وتزعّمها الشٌّعراء الرومانسيون، كثيراً ما حفّزت وغيّرت الواقع الحقيقي.