آخر الورق

كانت مجلة اليمامة وجريدة الرياض أول ما دلني على طريق النشر، وأول نافذة أطلت منها كتاباتي على القارئ. بدأت علاقتي بهما في أوائل عام 1398هـ، حين كانت قصائدي تنشر في صفحة التراث الشعبي التي كان يشرف عليها الأستاذ راشد بن جعيثن، ثم جاءت التعقيبات والمشاركات عبر صفحة القراء في جريدة الرياض، فكان الورق يومها هو الطريق الذي تعبر من خلاله الكلمة إلى الناس. ومنذ ذلك التاريخ، مضت سنوات طويلة حملت معها الصحافة الورقية كثيراً من الذكريات، ولم تكن اليمامة والرياض بالنسبة لي مجرد مطبوعتين، فقد كانتا جزءاً من مرحلة عمرية عشت تفاصيلها، وشهدت من خلالهما بدايات تجربتي في النشر، قبل أن تتسع التجربة وتتعدد المنابر. واليوم تقرر مؤسسة اليمامة الصحفية أن تطوي صفحة الإصدار الورقي لمجلة اليمامة وجريدة الرياض، وتكتفي بالنشر الإلكتروني، بعد أن كانت سباقة إلى الجمع بين الإصدارين الورقي والإلكتروني. قد يحزن هذا القرار كل من تعلق برائحة الورق والحبر، وبذلك الموعد الذي كان ينتظر فيه القارئ صدور العدد، وبمتعة تقليب الصفحات والعودة إلى ما كتب فيها. وأنا واحد ممن ستبقى تلك التفاصيل عالقة في الذاكرة، لا باعتبارها وسيلة للنشر فحسب، وإنما باعتبارها جزءاً من زمن جميل عشته وعاصرت تفاصيله. لكن الصحافة التي تعيش على قراءة الواقع لا يمكن أن تبقى أسيرة لوسيلة تغيرت أدواتها. فالورق يتراجع، والإلكترونيات تتقدم، والقارئ أصبح يريد الخبر والمقال والتحليل في اللحظة التي يحدث فيها، لا في اليوم التالي. لذلك فإن توقف اليمامة والرياض عن الإصدار الورقي ليس توقفاً عن الصحافة، وإنما الانتقال بها إلى وسيلة أخرى أكثر سرعة واتساعاً، وهو امتداد طبيعي لمسيرة مؤسستين عرفتا كيف تحافظان على حضورهما مع تغير الزمن. وإذا كان لنا أن نحزن، فلنحزن قليلاً على الورق الذي حمل بداياتنا، ثم نمضي مع الكلمة حيث تمضي. أما اليمامة والرياض، فقد عرفناهما من الورق، وسيأتي جيل يعرفهما من الشاشة، وربما يكتب فيهما كما كتبنا نحن يوماً على صفحات الورق. وهكذا تنتهي مرحلة، ولا تنتهي الحكاية.