أصداء البعد الثالث وذكرياتهم.
وفقاً لمفاهيم الوعي والتنمية الروحية، يعيش أشخاص بسطاء جداً قد يكونون في أي بقعة من العالم يتنفسون الصعداء إلى هذه اللحظة، يعتمدون على ما يلمس ويرى، ويهتمون كثيراً بالممتلكات الظاهرية، مشغولون كثيراً بالصراع ومحاولة السيطرة على الأحداث والأشخاص من حولهم بدلاً من السلام الداخلي، نطلق عليهم البعد الثالث. يتجلى وعي البعد الثالث في مواقف يومية عشتها معهم في القرية القديمة قبل ثلاثين عاماً، تتكرر سلوكياتهم التي تحكمها المادة والرغبة في السيطرة والخوف ولم يكن زمن الطيبين أبداً، حيث تعود بي الذاكرة إلى مشاهد كنت أعتبرها مقدسة، ولكنني كنت أحاول أن أتمسك فيها بالمنطقة الآمنة، يتبدد فيها السلام الصباحي عند السواقي، حيث تشتعل العيون غضباً عندما يتمسك أحدهم بموعد سقيا الماء أكثر من الآخر، بما يسمى معركة الماء، فتبدأ مسرحية الطمع والتوجس. وبعد أذان الظهر وتحديداً عندما يخرجون من المسجد الصغير، يحتدم الصراع بين الرجال حول سنتيمتر واحد من التراب زاد فيه الأخ عن أخيه، فيتجمهر الصبية الصغار وأنا منهم لمشاهدة المصارعة العالمية التي قد تمتد لأجيال. وفي داخل البيوت صراع آخر، تدور أحداثه خلف الأبواب الخشبية لصفة المؤونة أو بيت المونة تقودها سيدات الدار؛ تتحول أعتابه إلى حلبة يومية تقف عليها سيدة واحدة تمسك بهذا المفتاح، وتقف بقية نساء الدار بين الرغبة في الانعتاق والرغبة في السيطرة. وعندما تبدأ جارتنا العجوز بالضجيج، نعلم أن أحفادها القادمين من المدينة وصلوا، فهي تعتقد أن هؤلاء ليسوا زواراً، بل هم مساجين في تلك المدينة، يحملون معهم صخب الشوارع، فلا يتركون سيارة إلا ويحذفونها بالحجارة، ولا شجرة إلا ويقطفون ثمارها، ولا حتى دجاجة إلا ويكسرون بيضها مستغلين لحظة الغفلة لأهل الدار، يبعثرون النظام ولا يحترمون النعمة، ويفتحون البطيخ، وينثرون القمح هنا وهناك، فهم يعيشون كبت المدينة، ويعتبرون القرية صندوق ألعاب كبير ومتنوع. أما الوعي المظلم في المساء فله حكاية أخرى ترسم فصولها كائنات مجهولة الهوية، فتعقد التمائم والرقى، وتسمع لصوت الملح على الجمر فرقعات، وقد تخطئ العالمة في تكوين الذرة فينقلب (عملاً) صنع لغيره فيصيب ابنها الأذى. لا زالت تلك السيدة الطيبة ذات الضفائر الحمراء مرسومة في ذاكرتي بين حقول القمح عندما رمت بحزمتها وركضت بعيداً تجري خارج القرية لأنها غريبة؛ فاتفقت نساء القرية على إخراجها بالسحر وسلب حياتها والقضاء على حياة هادئة وتحويلها إلى جحيم ومرض وفقدان للذاكرة، صراع الغربة والانتماء شيء، ولأنها زوجة ثانية شيء آخر. محاولات التغيير مشاهد درامية يحاول أن يديرها الأبناء المتعلمون؛ فلا الأدوية الحديثة تؤخذ بعين الاعتبار، ولا مظاهر التطور مقنعة لأصحاب البعد الثالث، يحدثنا جارنا الشاب محاولاً نقل ما رآه على الشاشة عن هبوط الإنسان للقمر أو البواخر التي تخترق البحار أو الطائرات التي تنقل في الجو الإنسان والمؤن، فيردون عليه بالضحك، وهنا الضحك هو سلاح دفاعي يستخدمه أصحاب وعي البعد الثالث لتسخيف ما لا يستوعبونه، أو بالأحرى الخوف من انتقال السيطرة على عقول أهالي القرية إلى شخص آخر متطور عقلياً. وداعاً لزمن يصر الطيبون على أن يطلقوا عليه ذلك رغم أنه زمن القسوة والجهل والسيطرة والبقاء للأقوى والظلم نوعاً ما. وأهلاً بأصحاب البعد الخامس، الذين يكتبون ويقرؤون ويساعدون الآخرين في معارك الحياة.