حين يقتل الإنسان نفسه ليعيش كما يريده الآخرون*
*من وحي فيلم The Power of the Dog* ليس أصعب على الإنسان من أن يبتعد عن نفسه وهو يظن أنه يقترب من الحياة. فأكثر الناس لا يخسرون ذواتهم في لحظة واحدة، ولا يتخلون عنها بقرار مفاجئ، وإنما يحدث ذلك على مهل؛ تنازل صغير هنا، وصمت هناك، وخوف لا يجد صاحبه شجاعة الاعتراف به. ثم تمضي الأيام، فإذا بما كان استثناءً قد أصبح عادة، وإذا بالوجه الذي يراه الناس يبتعد شيئًا فشيئًا عن الوجه الذي يعرفه صاحبه في عزلته. ولعل أقسى ما في الأمر أن الإنسان قد ينجح في إقناع الجميع بأنه بخير، بينما يكون أكثر من يعرف الحقيقة... هو نفسه. --- هذا ما ظل يرافقني وأنا أشاهد فيلم The Power of the Dog. لم تكن المزرعة، ولا الغرب الأمريكي، ولا الصراع الظاهر بين الشخصيات، هي ما شد انتباهي. كنت أراقب إنسانًا يبذل عمره كله ليقنع الآخرين بأنه لا يشبه نفسه. يبدو “فيل” في البداية رجلًا لا يعرف الضعف؛ قاسٍ، حاد، سريع السخرية، كأنه اعتاد أن يهاجم العالم قبل أن يمنحه فرصةً للهجوم عليه. ومع تقدم الحكاية، تتسلل حقيقة لا يقولها الفيلم صراحة، لكنه يجعلنا نراها بأنفسنا: ليس كل إنسان شرس قويًا، بل إن أكثر البشر شراسة قد يكون أكثرهم خوفًا. فبعض القلوب، حين تعجز عن الاحتماء بالمحبة، تتقن الاحتماء بالقسوة. وهنا تكمن براعة الحكاية. إنها لا تشرح الشخصية، ولا تدافع عنها، ولا تطلب منا التعاطف معها. تكتفي بأن تضعها أمامنا، ثم تنسحب في هدوء، تاركةً للمشاهد متعة الاكتشاف. وهكذا ندرك أن أكثر الناس ضجيجًا قد يكون أكثرهم وحدة. --- ولعل أجمل رموز الفيلم ذلك الكلب الذي لا يراه في الجبل إلا “فيل”. كان يقف أمام السفح، ويرى صورةً كاملة، بينما لا يرى الآخرون سوى صخور متناثرة. وربما لهذا السبب ظل هذا المشهد يرافقني طويلًا. فبعض الوحوش لا تعيش في البراري، بل في أعماق الإنسان. لا تعوي، ولا تكشف عن أنيابها، وإنما تتقن الاختباء خلف الكبرياء، والقسوة، والصمت. كان “فيل” يرى الكلب في الجبل... لكن “بيتر” كان يرى “فيل”. لم ير الصورة التي صنعها الرجل لنفسه، بل رأى ما خلفها؛ خوفه، ووحدته، والسر الذي ظل يحرسه سنوات طويلة. وهنا، في ظني، تبلغ الحكاية ذروتها. فليست البصيرة أن ترى شكلًا خفيًا في الصخور، بل أن ترى الإنسان كما هو، لا كما يريد أن يبدو. --- بعد انتهاء الفيلم، لم تشغلني نهايته بقدر ما شغلني سؤال آخر: كم إنسانًا يعيش حياته كلها حارسًا لصورة صنعها بنفسه؟ كم موهبة دُفنت لأنها لم توافق توقعات الآخرين؟ وكم كلمة لم تُقل، وكم حلم أُجِّل، وكم عمر مضى في الدفاع عن قناع، حتى نسي صاحبه ملامح وجهه الحقيقية؟ قد تختلف الأقنعة... لكن الخوف الذي يصنعها يكاد يكون واحدًا. --- ليست قيمة هذا الفيلم أنه يحكي قصة رجل في الغرب الأمريكي. قيمته أنه يهمس لكل واحد منا بسؤال يصعب الهروب منه: أيُّ صورةٍ يعيشها الناس عنك... وأيُّ إنسانٍ تعيشه أنت في داخلك؟ وربما لم يكن السؤال الحقيقي الذي تركه الفيلم في ذاكرتي: من رأى الكلب في الجبل؟ بل: من رأى الوحش الذي كان يختبئ في قلب صاحبه... قبل أن يلتهمه؟ ربما كانت الحكايات العظيمة لا تُرينا العالم كما هو... بل تُرينا أنفسنا كما لم نجرؤ يومًا على رؤيتها.