إلى صفحة جديدة يا «اليمامة».
كنتُ أشعر، وأنا أعود إلى الكتابة بعد عشر سنوات من الغياب، أنني أستعيد جزءًا مني ظننتُ أنني فقدته. تغيّرت أشياء كثيرة في الكتابة والحياة خلال تلك السنوات، حتى إنني كنتُ أتساءل أحيانًا: هل ما زال هناك مكان للكاتب الذي يعود بعد كل هذا الوقت؟ كانت عودتي إلى الكتابة قد بدأت بالرواية، ثم امتدت إلى المقالة، مقالًا بعد آخر. وحين أرسلتُ أول مقالاتي إلى «اليمامة»، لم أكن أعرف كيف ستستقبلني، ولم أتوقع أيضًا أن المقال الأول سيكون بدايةً لسلسلة من المقالات التي وجدتُ فيها طريقًا جديدًا لصوتي. وما فاجأني لم يكن النشر وحده، بل الطريقة التي استُقبلت بها كلماتي. نُقل المقال إلى الملحق الثقافي ليرى النور في مساحة أرحب، ورافقه تعليقٌ أبهجني، وبعدها وجدتُ نفسي في «الكلام الأخير»، وكأن المقال الأول فتح أمامي بابًا لم أكن أعرف ما الذي ينتظرني خلفه. ومنذ فبراير الماضي، صارت «اليمامة» جزءًا من هذه الرحلة؛ أكتب فيها، وأرى كلماتي تجد طريقها إلى القرّاء. ومع كل رسالة تصلني بالموافقة على نشر مقال، كنتُ أشعر بأنني أقترب أكثر من المكان الذي غبتُ عنه طويلًا. ولم تكن علاقتي بـ«اليمامة» قد بدأت مع عودتي إلى الكتابة. نشأتُ وأنا أراها حاضرةً في المشهد من حولي؛ تتسع للثقافة والأدب، وتفتح صفحاتها للكتّاب والقرّاء. كان للصحافة الورقية آنذاك إيقاعها الخاص: عددٌ ننتظره، وصفحاتٌ نقلبها، وأسماءٌ نألفها، وموضوعاتٌ تستوقفنا. كان وصول المجلة إلى اليد يحمل شعورًا خاصًا في ذاكرتنا. وربما لهذا كانت المجلات والصحف أكثر من وسيلةٍ لنقل الأخبار والأفكار؛ كانت جزءًا من علاقتنا بالعالم. كنا ننتظرها بفضول، ونقرأها على مهل، ونعود إلى بعض صفحاتها مرةً أخرى. وكانت أسماء الكتّاب تكبر معنا؛ فلا نقرأ ما يكتبونه فقط، بل نألف حضورهم، ونتابع تحولاتهم، ونشعر أن للكتابة أصحابًا نلتقي بهم على صفحات نعرفها. وربما لهذا ظلّت «اليمامة» بالنسبة لي مرتبطةً بشيء يتجاوز النشر نفسه. كنتُ أعود إلى شيء أعرفه، وإلى ذاكرة صحفية وثقافية نشأتُ معها. وحين منحتني فرصةً أكتب فيها، بدا الأمر كأن دائرةً قديمة تكتمل على نحو لم أخطط له: وجدتُ في مجلة نشأتُ على حضورها مكانًا يحتفي بما أكتب، ويمنحني فرصةً أرى فيها الكتابة من زاويةٍ أخرى. ولعل أجمل ما في هذه الصفحة الجديدة أن «اليمامة» تحمل معها ما صنعته عبر مسيرتها إلى فضاءٍ أوسع؛ ذاكرةَ الكتابة، وأصوات كتّابها، والأثر الذي تركته في قرّائها. فالصفحات قد تتغير، وطريقة الوصول إلى القارئ قد تتبدل، لكن ما صنعته الكلمة من صلةٍ بين الكاتب وقارئه يبقى حاضرًا. ولهذا أراها تفتح صفحةً جديدة من مسيرتها، حاملةً معها كل ما جعلها قريبةً من قرّائها. إلى صفحة جديدة يا «اليمامة»؛ صفحة تتغيّر فيها الوسيلة، وتبقى الكلمة قادرةً على أن تصل وتترك أثرها. أما أنا، فسأبقى ممتنّةً لتلك الصفحة التي فتحتِها لي في عودتي إلى الكتابة، وأمضي معك إلى صفحاتٍ جديدة؛ أكتب أكثر، وأتسع في تجربتي، وأترك للوقت أن يأخذني إلى ما ينتظرني من كتابة.