بعض ملامح المشهد الثقافي في المنطقة الشرقية في السبعينيات الهجرية (4-4) إسهام شركة أرامكو
ارتبط اسم شركة أرامكو خلال العقود التسعة الماضية بمسيرة المملكة الاقتصادية ارتباطاً وثيقاً، وبحركة التنمية في المنطقة الشرقية على وجه الخصوص، وأصبح دورها فاعلاً في هذين المجالين- الاقتصادي والتنموي- بعيد انتهاء الحرب العالمية الثانية، بعد استئناف تصدير البترول من المملكة بكميات كبيرة. ولن اتطرق هنا إلى نشأة أرامكو وتحولها من “كاسوك” إلى “شركة الزيت العربية الأمريكية” ثم إلى “أرامكو السعودية”، خصوصا وأن الشركة قد أصدرت في عام 2012 كتاباً من جزئين بعنوان: “إمداد العالم بالطاقة: قصة أرامكو السعودية” يجد فيه القارئ معلومات ثرية ووافية عن مسيرة الشركة. ولكن سأورد فقرتين موجزتين عن تاريخها. بدأت مباحثات حكومة المملكة مع شركات بريطانية- شركة نفط العراق- وأمريكية في نهاية عشرينيات القرن الميلادي الماضي حول منح امتياز للتنقيب عن النفط واستخراجه في المملكة، وأجريت بين عامي 1928 وأوائل عام 1933 م عمليات مسح لمنطقة امتياز مقترحة تبدأ من حدود العراق في الشمال، وتمتد غرباً إلى حدود الدهناء، وجنوباً إلى صحراء الربع الخالي وشرقاً إلى سواحل الخليج العربي. وفي الشهور الأولى من عام 1933 م وضعت شركة “سوكال”- اختصار لاسم Standard Oil of California وهي تحالف من سبع شركات نفط أمريكية- مسودة اتفاقية بين الجانبين السعودي والأمريكي درست بعناية من الجانب السعودي، وتم الاتفاق المبدئي عليها في الأسبوع الأول من مايو 1933 م. ثم، في اجتماع المجلس الاستشاري للملك عبدالعزيز في مكة المكرمة، وبعد الاستماع للمواد السبع وثلاثين المستقلة (من اتفاقية الامتياز)، والتي قُرِأت جهراً خلال الاجتماع؛ وجَّهَ الملك عبدالعزيز الوزير عبدالله السليمان بالتوقيع قائلاً: “توكَّل على الله ووقِّع”. وبناءً على التوجيه الكريم وقع السليمان ومحامي شركة “سوكال” الأمريكية لويد ن. هاملتون على الاتفاقية في جدة بتاريخ 29 مايو 1933 م. وتغطي اتفاقية الامتياز مساحة شاسعة قدرها 829.000 كيلومتر مربع؛ ونُشر المرسوم الملكي بالموافقة على هذه الاتفاقية التي حددت مدتها بستين عاماً في جريدة “أم القرى”، العدد 448، في 21 صفر 1352 هـ، الموافق 14 يوليو 1933 م، ونشرت بقية مواد الاتفاقية في العدد التالي. وبعد عامين، في 30 أبريل 1935 م، حفر البئر رقم 1 في “قبة الدمام”- وهي البئر الأولى على نطاق المملكة- وانتج البئر الغاز الطبيعي بكميات كبيرة؛ “ولكنها كانت عديمة الفائدة بالنسبة إلى “كاسوك”- وهي الشركة التي أنشأتها “سوكال” في أوائل نوفمبر 1933 م لتضم جميع أعمال الشركة في المملكة العربية السعودية، اختصاراً لاسم California Arabian Standard Oil Company.، إذ لم تكن الشركة تعرف كيف تنقله وتخزنه، لذا عمد المهندسون إلى سد البئر مؤقتاً على عمق 725 متراً في يناير 1936 م. وبعد جهود استكشافية مضنية واستثمار الملايين من الدولارات كاد مستوى اليأس أن يصل بالشركة إلى وقف عملياتها، لولا فضل الله ثم “الحدس المذهل” للمهندس الجيولوجي الأمريكي ستاينكي Max Steinke الذي أوصى الشركة الأم في أمريكا بالاستمرار في الحفر في البئر رقم 7. ووسط ذلك اليأس وصلت برقية مؤرخة في 4 مارس 1938 إلى سان فرانسيسكو تفيد بأن بئر الدمام رقم 7 ينتج 1585 برميلاً في اليوم، على عمق كيلومتر ونصف تقريباً في الصخور الجيرية المسامية. وعلى ضوء هذه النتيجة المفرحة تم تعميق البئرين رقم 2 و4 إلى العمق نفسه، واكتشف الزيت فيهما أيضاً. ترتب على ذلك الإسراع في بناء مرافق تحميل الزيت إلى السوق، وفي غضون بضعة أشهر صنعت خزانات للتجميع، ومحطة تحميل صغيرة في الخبر، وارسال شحنات بترول صغيرة في صنادل- مراكب صغيرة- إلى مصفاة تكرير شركة نفط “بابكو” في البحرين. وفي 16 أكتوبر 1938 م أعلنت “كاسوك” أنها بدأت الإنتاج التجاري للزيت. ثم في الأول من مايو 1939- أي بعد ست سنوات من توقيع اتفاقية الامتياز- أدار الملك عبدالعزيز شخصياً وفي احتفال كبير بلغ حضوره قرابة ألفي شخص الصمام الذي سمح بتدفق الزيت إلى ناقلة سوكال “دي. جي . سكوفيلد”، وبذلك دخلت المملكة مجال انتاج النفط وتصديره، ثم تكريره وتصنيع منتجاته على مستوى العالم ومن أوسع الأبواب. حضور أرامكو في المشهد الثقافي والإعلامي السعودي أطلق على اسم “شركة الزيت العربية الأمريكية” اسم أرامكو لأول مرة عام 1944 م (“قصة أرامكو السعودية”، ص. 55). ومنذ ذلك التاريخ بدأت الشركة تعلن عبر الصحيفة الوحيدة التي كانت تصدر في المملكة ذلك العام- “أم القرى”- عن وظائف في مواقع الشركة في المنطقة الشرقية، وواحد من تلك الإعلانات اجتذب فهمي بصراوي، وهو شخصية ستلعب- كما سنرى لاحقاً- دوراً مهما في محطة تلفزيون أرامكو وفي إدارة الشئون العامة في الشركة وأصبح أول مذيع تلفزيوني في المملكة، واجتذبت تلك الإعلانات الكثير من أبناء المملكة غيره. وفي أواخر عقد الستينيات الهجرية- الأربعينيات الميلادية- أصبح حضور الشركة ملحوظاً في الصحافة السعودية بعد استئناف صدورها بنهاية الحرب العالمية الثانية- صحيفتا “البلاد السعودية” و”المدينة المنورة”-، سواءً من حيث الأخبار أو ما يكتب عن شؤونها من مقالات أو عن “مناطق الزيت”، أو من حيث التواجد المتعاظم لإعلانات الشركة في تلك الصحف والمجلات. ويلزم القول بأن نشاط الشركة الثقافي والإعلامي كان لتوثيق العلاقة مع المجتمع السعودي ولإيجاد سمعة حسنة عن الشركة وبناء صورة ذهنية إيجابية عنها في المملكة وخارجها، وفي الوقت نفسه يعتبر ودون شك رافداً ثرياً من روافد الحياة الثقافية والإعلامية في المملكة. وقبل المضي قدماً في استعراض موجز للنشاط الثقافي والإعلامي لأرامكو، يتوجب تصنيف هذا النشاط حسب الآتي: 1- الإعلان، 2- المحاضرات والمكتبات والمعارض، 3- الصحافة، 4- التلفزيون و5- العلاقة مع الصحافة السعودية. النشاط الثقافي سبق في الجزئين السابقين التطرق إلى بعض النشاطات الثقافية لشركة أرامكو في مجال دعوة محاضرين من خارج المملكة لإلقاء محاضرات على موظفي الشركة وتنظيم دورات توعوية لعمالها ابتداءً من عام 1370 هـ، وكذلك توفير الشركة لقاعات مطالعة لموظفيها وعمالها في مختلف مناطق نشاطها، والتي اسمتها مجلة “صوت البحرين” “مكتبات أدبية”- العدد 8 السنة الرابعة، في شوال 1373 هـ، يونيو 1954- ضمن خبر ورد فيه: “لقد فتحت أرامكو في جميع مناطق حقول النفط مكتبات أدبية حسبما يفرض عليها نظام الحكومة؛ ضَمَّت بين جدرانها بعض المؤلفات الأدبية على مختلف مذاهبها واتجاهاتها، وزودتها بمختلف المجلات والجرائد...”. وتطرقت مجلة “قافلة الزيت”، في العدد التاسع من السنة الأولى، في ذي الحجة 1373 هـ، أغسطس 1954 م، إلى “المكتبة الفنية” التابعة لإدارة التدريب في الشركة، والتي تضم- عدا الكتب- “فروعاً” من ضمنها واحد يحتوي على “ما يزيد على ستين اشتراكاً دائماً في جرائد ومجلات متنوعة”. ونشرت المجلة لاحقا- في رجب 1379 هـ، يناير 1960م، “قصة مصورة”- ريبورتاج- عن المكتبات في مناطق العمل: مكتبتان في مبنى الإدارة العامة في الظهران من ضمنها المكتبة الفنية ومكتبة الأبحاث العربية، ومكتبة الإدارة الطبية ومكتبتان في حي المنيرة وحي السلامة في الظهران، ومكتبات في رأس تنورة وبقيق، ويتضمن كل منها قاعة مناسبة للمطالعة. والحديث عن المكتبات يجر إلى الحديث عن المستعرب الأمريكي الدكتور جورج رنتز George Rentz (1912-1987)، الذي التحق بالعمل في شركة أرامكو عام 1946م، في سن الرابعة والثلاثين من العمر، مترجماً ثم مؤسساً لقسم الأبحاث والترجمة في إدارة العلاقات الحكومية في الشركة ومديراً له حتى عام 1963 م، العام الذي ترك فيه الشركة. وهو حاصل على شهادة الدكتوراه من جامعة بركلي عام 1948م، والتي كان موضوعها عن حركة الشيخ محمد بن عبدالوهاب في المملكة. وكان للدكتور رنتز دور مهم في تأسيس المكتبة الفنية وتزويدها بأهم المراجع والخرائط والمخطوطات والأبحاث عن المملكة والمنطقة وجلبها من مختلف مناطق العالم، بالإضافة إلى التعاقد مع مستشارين غير متفرغين من المملكة ومن جامعات عربية، وخصوصاً من الجامعة الأمريكية في بيروت، ومن جامعات أمريكية وغربية. وأول ذكر للدكتور رنتز في الصحافة السعودية ورد ضمن خبر عن زيارة جلالة الملك عبدالعزيز للظهران عام 1947 م، حيث ذكرت “البلاد السعودية” في 5/3/1366 هـ، الموافق 27/1/1947 م، أن “المستر جورج رنز المستشرق الأمريكي” ألقى ترجمة باللغة العربية للخطبة الترحيبية النفيسة” لقائد بعثة التدريب العسكرية الأمريكية في مطار الظهران، الذي كان من ضمن من ألقوا كلمات ترحيبية في حفل استقبال جلالته في المطار. كما كان له نشاط في تقديم المحاضرات عن تاريخ المملكة والجزيرة العربية وجغرافيتها...، وأوردت صحيفة “المدينة” في 6/5/1372 هـ، الموافق 22 يناير 1953 م، خبراً عن محاضرة ألقاها في الجامعة الأمريكية في القاهرة عن الجزيرة العربية وجغرافيتها...؛ وكان في مقدمة المدعوين لحضورها “سمو الأمير نواف بن عبدالعزيز المعظم”. وفي فترة مبكرة من عمله في أرامكو اهتم رنتز بتسجيل جانب من التاريخ الشفهي للرواة البدو لتوثيق جغرافية المناطق الصحراوية في المنطقة الشرقية، وتضمين ما فيها من معلومات في وثائق الشركة وخرائطها. وبعد تقاعد رنتز من العمل في أرامكو عام 1963 م عاد إلى أمريكا وعمل أستاذاً في جامعة برنستون، وتحتفظ جامعة جورج تاون في العاصمة واشنطن بقسم من مجموعته الخاصة؛ ومن أقدم محتوياتها المتعلقة بالمملكة مجموعة صور توثق حملة مكافحة الجراد في المملكة عام 1945 م. وقد اقتنت مكتبة الملك عبدالعزيز العامة العام الماضي جزءً من مجموعة مجموعته، نُشرت تفاصيل عنها في عدد من الصحف في حينه. الإعلان: تطلب توسع أعمال الشركة وتشعبها في مختلف مواقع نشاطها في المنطقة الشرقية الإعلان بشكل شبه دائم عن حاجتها إلى عمال وموظفين في كافة الصحف السعودية، مع ذكر للوصف الوظيفي والراتب وشروط التوظيف والمميزات التي يحصل عليها الموظف والعامل. وكانت تلك الإعلانات الوسيلة الأهم لاجتذاب الآلاف من أبناء المملكة من المنطقة الشرقية ومن كافة المناطق الأخرى، ومن خارج المملكة أيضاً للعمل في الشركة. من جانب آخر، بدأت الشركة منذ مطلع السبعينيات الهجرية في نشر إعلانات ذات طابع آخر؛ طابع مرتبط ببناء صورة ذهنية إيجابية عنها داخل المملكة وخارجها، من خلال رسائل تحريرية مصورة ومُبّسَّطة تظهر اهتمام الشركة بعمالها وموظفيها وبالمجتمع عموماً في مجالات عديدة، مثل السلامة في مواقع الإنتاج والعمل والتدريب والتعليم والصحة والإسكان والنقل ومساندة جهود الدولة في تقديم الخدمات للمواطنين وغير ذلك، فضلاً عن الإعلانات المتعلقة بإبراز إنجازاتها في مرافق الإنتاج والتكرير والمنشآت والمرافق العديدة المتعلقة بفصل الغاز والكبريت عن الزيت وإنتاج المشتقات البترولية...، والخدمات المساندة لها التي توفرها الشركة أو يوفرها مقاولون ومتعهدون سعوديون. وكانت تلك الإعلانات تنشر في كافة الصحف والمجلات السعودية- الحكومية والأهلية- دون استثناء، وتشكل مصدر دخل لتلك الصحف والمجلات الأهلية؛ كما كانت كافة الإعلانات المتعلقة بالصورة الذهنية للشركة تنشر في كافة الصحف والمجلات العربية، بما في ذلك المجلات المتخصصة، مثلما كانت تنشر في صحف ومجلات أمريكية والأوروبية. والاستثناء الوحيد هو الصحف والمجلات التي كانت تصدر في دول توجد بها شركات بترول منافسة، مثل البحرين والكويت والعراق. وحدث أن حجبت أرامكو إعلاناتها وألغت اشتراكاتها عن صحيفتين في جدة والدمام- بواقع خمسين نسخة في كل منهما-، دأبتا على انتقاد الشركة وتوجيه الاتهامات لها. فتحت عنوان “إعلانات أرامكو”، قالت “ الخليج العربي” التي كانت تصدر في الدمام في 18/12/1378 هـ، الموافق 24/6/1959 م ورد الآتي: “المهيمنون على أرامكو ما زالوا يتمسكون بمنطق القوة.. وكان هدفنا من نقد أرامكو التعاون معها على إصلاح الأخطاء، ولكن الأسياد فيها أبوا ذلك وحاولوا إغرائنا بشتى الطرق، فلما وجدوا منا إعراضاَ وصدوداً كشفوا عن أوراقهم الأخيرة بقطع الإعلانات عنا...”. وانتقدت الصحيفة في عدد آخر- في 6/11/1380 هـ- نشر أرامكو إعلانات متعلقة بمبيعات ومشتريات للشركة في صحيفتها “الشمس والوهج Sun and Flare” التي تصدرها لموظفيها الأمريكيين ووجهت الصحيفة نداءً إلى المديرية العامة للإذاعة والصحافة والنشر لمنع ذلك “وحماية حقوق الصحافة السعودية”... وبموازاة ذلك، دأبت أرامكو على تنظيم “معرض الزيت” الذي كان يتنقل بين مدن وبلدات المملكة كل عام ويقام في خيمة ضخمة مكيفة ومجهزة بكل ما يلزم لمعروضاتها وللزوار؛ يفتتحه الملك سعود في الرياض أو جدة وأمراء المناطق والمدن والبلدات الأخرى حين يقام فيها، ويتاح لسكان تلك المدن والبلدات الاطلاع على مجسمات ونماذج مصغرة من منشآت صناعية. وتصف الشركة هذا المعرض بأنه ثقافي، مثلما ورد في إعلان بعنوان “معرض الزيت في جدة” الذي نشر في الصحف والمجلات السعودية في منتصف عام 1377 هـ، ومنها “عرفات”، في 23/12/1957 م، والذي ورد فيه: “صمم هذا المعرض الثقافي ليظهر كل نواحي صناعة الزيت وما يتعلق بها من مرافق. فهو يحتوي على نموذجين مصغرين أحدهما لجهاز الحفر والآخر لمعمل التكرير في رأس تنورة، ونموذج مجوف بالحجم الكامل لمحرك طائرة نفاثة. هذا بالإضافة إلى معروضات أخرى جذابة. وعند زيارتك ستجد أشخاصاً يستقبلونك، ويجعلون زيارتك على أكثر ما تكون فائدة ومسرة. الدخول إلى المعرض مجاني للجميع...”. وحددت ساعات لزيارات طلاب المدارس، وساعات أخرى لزيارة أفراد الجمهور. وأوردت مجلة “عالم أرامكو” التي تصدر باللغة الإنجليزية تفاصيل في عدد نوفمبر/ديسمبر 1963 عن كيفية التحضير لإقامة المعرض، وإعادة محتوياته من معدات ومجسمات إلى الظهران وقيام فنيين سعوديين بفحصها وترميم ما يلزم منها. صحافة أرامكو أصدرت أرامكو عدداً من الدوريات ابتداءً من شهر يوليو 1946 م. أولها نشرة بقطع التابلويد من أربع صفحات باللغتين العربية والإنجليزية في الأول من شهر يوليو من العام نفسه، بعنوان “الشمس والوهج Sun and Flare”، لتغطي أخبار الشركة في الظهران وراس تنورة وبقيق والخرج. وغير اسم الصحيفة لاحقاً- في الستينيات إلى “الشمس العربية The Arabian Sun”. وثاني تلك الدوريات هي مجلة “عالم أرامكو” “Aramco World”، باللغة الإنجليزية، والتي كانت تصمم وتحرر وتطبع في نيويورك، من خلال شركة الأخوين روي وراي غراهام (Roy/Ray Graham)، وهي الشركة التي انتجت العديد من الأفلام التثقيفية والتوعوية القصيرة للشركة في المنطقة ابتداءً من عام 1948 م، كما سنرى لاحقاً. صدرت في البداية من مكتب أرامكو في نيويورك في نوفمبر 1949 م كنشرة من أربع صفحات؛ لتكون معيناً لموظفي الشركة الأمريكان الذين كان عددهم يبلغ قرابة ألف موظف لمعرفة بعضهم البعض على نحو أفضل، ولتسهيل تعريفهم بالمجتمع السعودي، حسبما ذكر محرر تلك النشرة ويليام تريسي في مقال له نشر في عدد نوفمبر/ديسمبر 1999 م. وفي عام 1952 انتقلت مقرات أرامكو الإدارية Corporate Headquarters من نيويورك إلى الظهران، مع مكتب تمثيلي في نيويورك ومكتبان إقليميان في بيروت- مكتب أرامكو ما وراء البحار- وآخر في أمستردام للعمليات المحاسبية. وتبعاً لذلك أسست شركة الأخوين غراهام مطبعة في بيروت، أطلق عليها اسم “مطبعة الشرق الأوسط للتصدير”، وأصبحت تنتج وتطبع لشركة أرامكو كل إصداراتها، عدا مجلة “عالم أرامكو” التي استمرت تصدر في نيويورك باللغة الإنجليزية وتحولت في ديسمبر من ذلك العام إلى مجلة مصورة من 24 صفحة، باللونين الأبيض والأسود. وانتقل اصدار المجلة إلى بيروت لتطبع في المطبعة المشار إليها أعلاه، بأربعة ألوان ابتداءً من عدد يوليو/أغسطس 1964 م، ثم بعدد ملون كامل في مارس/أبريل 1965 م. وكانت المجلة- ولا زالت- توزع مجاناً على منسوبي الشركة، بمضمون يركز على تعدد الثقافات، ومواضيع عن مختلف الجوانب الثقافية في المملكة في معظم أعدادها. تلتها مجلة “قافلة الزيت” الشهرية التي كانت بمثابة نقلة نوعية في الصحافة الصادرة في المملكة. وصدر عددها الأول في الظهران في صفر 1373 هـ، أكتوبر 1953 م. وكانت تطبع في المطبعة المشار إليها سابقاً في بيروت، حتى عام 1965 م، وهو العام الذي أصبحت تطبع فيه في مطابع المطوع بالدمام؛ التي أنشئت عام 1960 م بدعم من أرامكو. وهذه المجلة التي كانت توزع على موظفي الشركة وعلى المسؤولين في الدولة والشخصيات الثقافية ودور الصحف والكليات والمعاهد والمكتبات العامة... مجاناً تعتبر أول مجلة مصورة تصدر في المملكة؛ إذ سبقت مجلة “الرياض” بستة أشهر، التي صدرت في جدة في شهر شعبان 1373 هـ، الموافق لشهر أبريل 1954 م، وسبق الحديث عنها وعن المؤسسة التي أصدرتها في العدد 2918 من هذه المجلة. تولى رئاسة تحرير المجلة منذ صدورها وحتى شهر شعبان من العام التالي حافظ البارودي- من السودان الشقيق-، ثم خلفه في رمضان 1374 هـ، الموافق لشهر مايو 1955 م الكاتب شكيب الأموي، الذي كان يعمل في إدارة الشئون العامة بالشركة، وذلك حتى عدد ذي القعدة 1382 هـ. وقد سارت مجلة “العربي” الكويتية التي بدأت الصدور في ديسمبر 1958 على المنهج الذي سارت عليه “قافلة الزيت”، أي تخصيص استطلاع صحفي مصور عن إحدى مدن المملكة أو احدى مؤسساتها أو شركاتها- واستطلاع صحفي مصور آخر عن جانب من نشاطات الشركة. وبالمثل كانت مجلة “العربي” تنشر استطلاعاً مصوراً عن جانب من جوانب الحياة في الكويت واستطلاعاً مصوراً آخر في العدد نفسه عن مدينة عربية. وهنالك تماثل بينهما فيما يخص بقية المواضيع أيضاً، من حيث الاهتمام بالمقالة الأدبية والتاريخية والعلمية... والشعر والقصة القصيرة، واستكتاب شخصيات بارزة من مختلف أنحاء العالم العربي، بالإضافة إلى شخصيات من المملكة في حال مجلة “قافلة الزيت”. وصدرت في التاريخ نفسه صحيفة “قافلة الزيت”: وبخلاف كل ما نشر حتى الآن عن هذه الصحيفة من حيث تحديد تاريخ صدورها بعام 1959 م، فتاريخ صدورها الفعلي كان في شهر شعبان 1373 هـ، فبراير 1954 م- انظر صورة العدد المرفق-، أي التاريخ الذي صدرت فيه المجلة، وكانت مثلها تطبع في بيروت وتصدر شهرياً، في أربع صفحات بقطع التابلويد، زيدت إلى 8 صفحات عام 1959 م، وتعنى بأخبار الشركة وموظفيها، وخصوصاً المناسبات والتعيينات والترقيات والأخبار الاجتماعية... رأس تحريرها الكاتب شكيب الأموي، ومدير تحريرها الكاتب عبدالعزيز مؤمنة، الذي نشب بينه وبين إدارة الشئون العامة في الشركة خلاف عام 1378 هـ، أدى إلى فصله منها. وأدى فصل عبدالعزيز مؤمنة- الذي كان مديراً لتحرير مجلة “قافلة الزيت” ايضاً إلى معركة بين عدد من الصحف السعودية وأرامكو، نصرة له. تلفزيون أرامكو سبق لكاتب هذه السطور أن تحدث عن تلفزيون أرامكو، في موضوع بعنوان “الصفحة التي طويت ولم تكتب بعد: تلفزيون أرامكو”، نشر في مجلة “الإعلام والاتصال”، العدد 104، صفر 1428 هـ، الموافق فبراير 2007 م. وذكر فيه بأن المحطة لقيت ترحيباً من المجتمع، وأنه لم يجد أثراً لمعارضة تذكر، اللهم إلا نقد بعض البرامج التي تتضمن مشاهد عنف، مثل “المصارعة الحرة”. وتضمن الموضوع ما نشر عن محطة أرامكو التلفزيونية من مقالات بأقلام صحفيين وكتاب ومواطنين، من تعليقات على برامجها وثناءٍ على بعضها ونقد لبعض منها. وتضمن كذلك جولة صحفية في المحطة تضمنت مقابلة مع مدير المحطة جيمي فولرتون أجرته صحيفة “الخليج العربي”، ونشر في 19 ذو القعدة 1380 هـ، الموافق 4 مايو 1961 م. وخلال تلك المقابلة ذكر فولرتون أن المحطة تخصص 54% من برامجها للترفيه من خلال المسلسلات والأفلام الأمريكية التي تدبلج في المحطة في قسم مختص والأفلام العربية، وتخصص 31% للتعليم والثقافة، و7% للرياضة و3% للمواضيع الدينية، و3% للأخبار المحلية. والمحطة- مثلها مثل دوريات أرامكو- لا تتعرض في برامجها للسياسة. بدأت المحطة البث في مساء يوم الثلاثاء 16 سبتمبر 1957 م، الموافق 2 ربيع الأول 1378 هـ بواقع خمسة أيام في الأسبوع- من السبت إلى الأربعاء-، وبمعدل ساعة واحدة في اليوم. وبعد قرابة شهر أصبحت تبث برامجها طوال أيام الأسبوع. وفي أبريل 1958 م أصبحت مدة بث البرامج ساعتين ونصف الساعة، زيدت في يناير 1959 إلى ثلاث ساعات في اليوم، ثم ابتداءً من أول شهر فبراير 1960 م إلى ثلاث ساعات وخمس وأربعون دقيقة يومياً خلال أيام العمل الأسبوعية، تزيد ساعة في يومي الأربعاء والخميس. أما مضمون المحطة فقد جمع بين الترفيه والتعلم ، وتنقسم البرامج التي تقدمها المحطة إلى ثلاثة أقسام، وهي: 1- البرامج المستوردة من الخارج باللغة الإنجليزية والتي يقوم قسم خاص في المحطة بتعريبها وتسجيلها بالصوت العربي، 2- البرامج التي تستورد من الخارج باللغة العربية، وهذه تشمل الأفلام العربية والأفلام الوثائقية و3- البرامج التي تصور محلياً مثل: الأخبار المحلية، برامج “صحتك”، و”بيتك”، و”السلامة تبدأ بك”، و”المباراة الثقافية بين المناطق الثلاث” و”فنجان قهوة” و”تعلم اللغة العربية” و”تعلم اللغة الإنجليزية” و”زاوية الكتب” وبرنامج الأطفال “بابا حطَّاب” ومباريات كرة القدم بين فرق مناطق عمل الشركة ومباريات رياضات كرة السلة وكرة القدم الأمريكية وغيرها الكثير. افتتح اليوم الأول بتلاوة مسجلة من القرآن الكريم، وتلاه حديث لفؤاد بصراوي- أحد موظفي إدارة العلاقات العامة والذي اختارته الشركة للعمل مذيعاً فيها، شرح فيه للجمهور الذي قدر بأقل من ألف مشاهد الهدف الذي وجدت القناة لأجله. وعرض في مساء ذلك اليوم فيلم “جزيرة العرب” وهو فيلم درامي انتجته الشركة بعنوان “الجزيرة المقدسة” عام 1953 م- عبر شركة الأخوين روي وراي غراهام (Roy/Ray Graham) التي سبق الحديث عنها، حول أحداث دخول الملك عبدالعزيز الرياض عام 1319 هـ والاستيلاء على حصن المَصْمَك. كان في المنطقة قرابة 200 جهاز تلفزيون عند بدء المحطة العمل، وهي أجهزة كانت تستخدم لمشاهدة برامج محطة تلفزيون بعثة التدريب العسكرية الأمريكية التي كانت تبث من مطار الظهران. وذكرت مجلة “عالم أرامكو” أنها بدأت البث عام 1956 م وتوقفت عام 1961 م، بينما يذكر فؤاد بصراوي في مقابلة أجرتها معه جريدة “اليوم” ونشرت في 002/11/14 أنها بدأت عام 1954م، واعتقد أن قوله هو الأدق، ويؤيد هذا القول الكاتب البحريني خالد البسام في كتابه “من هنا بدأت البحرين”. وبالنسبة لزيادة عدد أجهزة التلفزيون في المنطقة فقد بلغت قرابة 15000 جهاز عام 1961 م، وبلغ عدد مشاهدي القناة قرابة مائة ألف مشاهد في المنطقة الشرقية والبحرين وقطر. وحسب المقابلة مع مدير المحطة جيمي فولرتون بين عامي 1957 و1964 م- خلفه صالح المزيني في إدارة المحطة- كان معدل الرسائل التي تصل المحطة شهرياً قرابة 12000 رسالة، معظمها تتضمن طلبات للاشتراك في البرنامج الجماهيري الأسبوعي “المباراة الثقافية بين المناطق الثلاث” الظهران وبقيق وراس تنورة الذي كان يعده ويقدمه فؤاد بصراوي على مدى خمس سنوات- كما ذكر في المقابلة المشار إليها آنفاً، والرسائل الأخرى تتضمن اقتراحات وانتقادات. وفضلاً عن الأفلام والمسلسلات العديدة تضمن برنامج المحطة الأسبوعي برامج ثابتة ومنها: “تعلموا اللغة العربية” و”تعلموا اللغة الإنجليزية”، بواقع ثلاث ساعات لكل منهما كل أسبوع، وكان يعدهما ويقدمهما فهمي بصراوي أيضاً. وقد أسهم البرنامج الأول في دعم جهود محو الأمية في المنطقة. ويضاف إلى تلك البرامج برنامج “صحتك”، وبرنامج جماهيري آخر وهو “المصارعة الحرة” كان يقدمه عيسى الجودر- من البحرين والذي كان يعمل في أرامكو آنذاك-. وكانت المقاهي تمتلئ والحماس يستعر من المشاهدين حين بث البرنامج- حسبما ذكر لي عبدالله شباط-، وهم يستمعون إلى تعليقه وهو يستخدم عبارات حماسية مثل: “(طقه.. اذبحه.. عليك به، ول ول، عضه.. اسدحه). وتضمنت البرامج الثقافية برنامجان شهيران وهما: البرنامج الأسبوعي “زاوية الكتب” الذي كان يقدمه إسماعيل الناظر (المحامي)- احد موظفي الشركة منذ عام 1952 م- ويستعرض خلاله كتاباً بالإضافة إلى الصحف السعودية”، وبرنامج “فنجان قهوة” قدمه في الأشهر الأولى- كما ذكر لي إسماعيل الناظر في مقابلة معه في الخبر في نوفمبر 1991- علي قناديلي- ابن وكيل الأمن العام في الدمام آنذاك الزعيم حسن قناديلي-، ثم تولى الناظر تقديمه، واستضاف فيه شخصيات ثقافية ذكر منها المؤرخ عبدالقدوس الأنصاري وأستاذ اللغة العربية في الجامعة الأمريكية في بيروت أنيس مقدسي، والروائي المصري محمود تيمور... وبلغ عدد العاملين في المحطة حتى عام 1963 م 65 موظفاً: 11 موظفاً أمريكياً بما فيهم مدير المحطة، و54 سعودياً، وقد توقفت عن البث في 25 شعبان 1389 هـ، عندما بدء بث التلفزيون السعودي في المنطقة من الدمام. والواقع أن الحضور الثقافي لأرامكو في المنطقة وفي المملكة يستدعي حديثاً أطول، ولعل ما ذكر فيما تقدم ما يكمل جزءً من المشهد الثقافي في المنطقة الشرقية في تلك الفترة.