الفنان عبد المحسن أبا حسين..

رحلة فنية حافلة لتوثيق العمارة والزخارف النجدية .

يشكّل الفنان التشكيلي عبد المحسن أبا حسين واحدًا من أبرز الأسماء التي حملت التراث النجدي من بيئته الأولى إلى فضاءات الفن الحديث، مستندًا إلى تجربة شخصية بدأت في بلدة أشيقر، حيث وُلد عام 1384هـ، ودرس مرحلتي الابتدائية والمتوسطة قبل أن ينتقل إلى ثانوية شقراء لعدم وجود مدرسة ثانوية في بلدته. ولاحقًا، أكمل دراسته الجامعية في جامعة الملك سعود، متخصصًا في الفنون والتربية الفنية. في سنواته الأولى، كان لمعلم التربية الفنية عبد الرحمن بن محمد المليك – رحمه الله – أثرٌ بالغ في تشكيل حسّه الفني، ليس فقط عبر دروس الرسم، بل من خلال البيئة التي كان يعيشها الطلاب في بيوت الطين، وهي البيئة نفسها التي كان المليك أحد البنّائين المهرة فيها، يمارس النقش على الجبس ويشيّد المجالس والمنازل بطرازها النجدي المعروف. وقد أطلقت تلك التفاصيل الأولى الشرارة التي سترافق الفنان لاحقًا في مشروعه الفني. على امتداد مسيرته، وجد أبا حسين نفسه قريبًا من الفنون الواقعية التي ترتبط بحياة الناس اليومية، وتستمد موضوعاتها من البيئة المحيطة. فالفن الشعبي – كما يراه – ليس مجرد أسلوب، بل ذاكرة جمعية تعيد للمتلقي صور المكان والزمان اللذين عاشهما، وتستحضر مشاعر الانتماء والحنين. لذلك اتجه إلى هذا اللون الفني بوصفه امتدادًا طبيعيًا لتجربته، ولارتباطه العميق بالإنسان وبيئته. ومع تطور تجربته، بدأ الفنان يقترب من أسلوب أكثر دقة وتوثيقًا، متجاوزًا حدود النقل الواقعي التقليدي إلى تسجيل الزخارف والرموز كما هي في أصلها الأول. ولم يكن هذا التحوّل وليد المصادفة، بل جاء بعد سنوات من البحث والتجريب، حتى أصبح أسلوبه اليوم قائمًا على الجمع بين الواقعية الدقيقة وروح التراث التي تمنح العمل الفني هويته الخاصة. ولكي يبني هذا الاتجاه، قام أبا حسين بجولات واسعة في مدن وقرى نجد، ملتقطًا مئات الصور للأبواب والمنازل القديمة، ومجالس النقش، وأنماط البناء التقليدي. كما التقى بكبار السن والحرفيين الذين مارسوا النجارة والنقش على الأبواب، ومن بينهم الفنان الراحل الشيخ علي النقيدان، والد الفنان صالح القيدان.  وقد فتحت هذه اللقاءات أمامه بابًا واسعًا لفهم الزخارف النجدية ومصادرها، ليصبح “الباب النجدي” محورًا رئيسيًا في أعماله، ومرجعًا أصيلًا لا يقبل التحريف، يعتمد عليه في توثيق التراث بصورته الحقيقية. هذا الالتزام بالتوثيق قاده إلى الانتشار سريعًا، إذ وجد الجمهور في أعماله ما يشبه استعادة لجزء من تاريخهم الشخصي. ومع اتساع دائرة الاهتمام، وصلت أعماله إلى أسماء بارزة في عالم السياسة والاقتصاد، كما حظي بدعم كبير من القيادة السعودية، وفي مقدمتهم خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وسمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، اللذين كان لدعمهما للفنون أثرٌ مباشر في تعزيز حضور الفنانين السعوديين. وقدّم أبا حسين أعمالًا مهداة لعدد من الشخصيات الدولية، من بينها ملك بلجيكا فيليب، والمستشار الألماني هارد شرودر، ووزير التجارة الفنلندي، والرئيس مهاتير محمد، إضافة إلى شخصيات اقتصادية بارزة مثل رئيس مركز شيكاغو التجاري، وعدد من الأمراء في المملكة. واليوم، يمضي عبد المحسن أبا حسين في مشروعه الفني بوصفه رحلة بحث مستمرة، لا تكتفي بتوثيق التراث، بل تسعى إلى إعادة تقديمه بصيغة فنية معاصرة تحافظ على أصالته وتمنحه حياة جديدة. وما بين الطين والزخرفة والصورة، يواصل الفنان كتابة سرديته الخاصة، مستندًا إلى ذاكرة المكان، وإلى شغفٍ لم ينقطع منذ أول درس رسم في مدرسة أشيقر.