«أبناء قوقل وأحفاد المتنبي»..

إبراهيم زولي يرصد تحولات الإنسان بين الورق والشاشة .

صدر حديثًا للكاتب والشاعر السعودي إبراهيم زولي كتاب «أبناء قوقل وأحفاد المتنبي: بين ذاكرة الورق وإغواء المنصات»، عن دار متون للنشر والتوزيع، في طبعته الأولى لعام 2026، متناولًا جملة من التحولات التي أحدثتها البيئة الرقمية في القراءة واللغة والعلاقات الاجتماعية وصناعة الشهرة وصورة الإنسان عن نفسه. وينطلق الكتاب من عنوان يقوم على مقابلة لافتة بين «أبناء قوقل» و«أحفاد المتنبي»، لا بقصد المفاضلة بين جيلين، أو الانتصار للورق في مواجهة الشاشة، وإنما لاستكشاف المسافة التي تفصل بين نمطين في تلقي المعرفة وتكوين الذات. الأول نشأ في فضاء سريع تتزاحم فيه الصور والمقاطع والتنبيهات، والآخر تشكل في صحبة الكتاب والقراءة المتأنية وانتظار المعرفة والعيش الطويل مع النص. ويطرح زولي في كتابه سؤالًا يتجاوز أثر التقنية في أدوات القراءة والكتابة إلى أثرها في الإنسان نفسه: كيف تغير الانتباه؟ وكيف انتقلت القراءة من الإقامة في النص إلى المرور السريع عليه؟ وماذا جرى للغة تحت ضغط الاختصار والتفاعل الفوري؟ وكيف أصبحت الصورة جزءًا أساسيًا من بناء الهوية، لا مجرد وسيلة لتمثيلها؟ وعلى امتداد اثني عشر فصلًا، يلاحق الكتاب مظاهر هذا التحول في تفاصيل الحياة اليومية. يتوقف عند الإنسان الذي يتعلم العالم عبر الشاشة، وتحول القارئ إلى متصفح، وتبدل اللغة في فضاء المنصات، وتأثير الهاتف في الجلسة العائلية، وصعود اقتصاد جديد للشهرة يمكن أن يسبق فيه الظهورُ المنجزَ، ثم ينتقل إلى سلطة الخوارزمية في توجيه ما يراه المستخدم وما يقرأه، وإلى تقدم الصورة على السيرة، وما يواجهه الأدب من تحديات في زمن السرعة. ولا يخلو الكتاب من بعد نقدي واضح، لكنه يتجنب الوقوع في خطاب التحسر على الماضي. فالمؤلف لا يقدم العالم الرقمي باعتباره خرابًا مكتملًا، بل يتوقف كذلك عند مكاسبه: سهولة الوصول إلى المعرفة، واتساع دوائر التعبير، وانفتاح المجال أمام أصوات لم تكن تملك سابقًا أدوات الظهور والانتشار. ولهذا يبدو الكتاب أقرب إلى مساءلة التحول منه إلى محاكمته. ويستعين زولي في بناء رؤيته بعدد من الأفكار النقدية والفكرية المرتبطة بالثقافة والصورة والوسائط، مستحضرًا أسماء مثل رولان بارت، ومارشال ماكلوهان، وغي ديبور، وأمبرتو إيكو، وعبد الله الغذامي، غير أن هذه المرجعيات تظل مرتبطة بأسئلة الحياة المعاصرة، ولا تتحول إلى عبء نظري على القارئ. وتتضح نبرة الكتاب بصورة أكبر في فصوله الأخيرة، حيث يبحث المؤلف إمكان المصالحة بين الجيل الورقي والجيل الرقمي، مؤكدًا أن المسألة لا تتعلق بجيل «صحيح» وآخر «خاطئ». فالجيل الرقمي يمتلك سرعة الوصول والمرونة والتكيف مع الوسائط الجديدة، فيما يحتفظ جيل الورق بخبرة البطء والصبر والألفة مع اللغة والنص الطويل. وما يحتاجه الطرفان، وفق الرؤية التي يطرحها الكتاب، هو تبادل ما ينقص كل واحد منهما. ويخلص «أبناء قوقل وأحفاد المتنبي» إلى أن التحدي الحقيقي لا يكمن في إقصاء التقنية أو الاستسلام لها، وإنما في الحفاظ على القدرة على التركيز والصمت والتأمل والقراءة العميقة وسط عالم يزداد سرعةً واتصالًا. ويأتي الكتاب ضمن تجربة إبراهيم زولي الشعرية والنثرية، التي تضم عددًا من الدواوين، من بينها «رويدًا باتجاه الأرض»، و«أول الرؤيا»، و«الأجساد تسقط في البنفسج»، و«حرس شخصي للوحشة»، و«أغانٍ سيئة السمعة»، إلى جانب أعمال نثرية وثقافية منها «شجر هارب في الخرائط»، و«مخرج للطوارئ»، و«ما وراء الأغلفة – روائع القرن العشرين». وبهذا الإصدار، يواصل زولي اشتغاله على أسئلة الكتاب والثقافة، واضعًا هذه المرة الإنسان نفسه في مركز السؤال: ماذا يتبقى من قدرتنا على بناء المعنى، في عالم صار فيه كل شيء تقريبًا قابلًا للتمرير؟