وزارة التعليم..

قبل أن نفقد العقل.

التعلّم طريق شاق وطويل من المحاولة، والشك، والخطأ، والتكرار، وكل مرحلة فيه تبني، إلى جانب المعرفة، قدرةً جديدة في العقل. ولكننا، منذ امتطينا صهوة الذكاء الاصطناعي، صرنا نطوي هذا الطريق، حتى نبلغ نهايته دون أن نتكبد شيئًا من عنائه، وأخشى أن تكتشف الأجيال القادمة أنها دفعت لهذا الاختصار ثمنًا غاليًا. فهذا الطريق، على خلاف غيره، علينا أن نقطعه بكل تضاريسه حتى ننجو! ففي كل خطوة منه دراية، ومع كل عثرة يقين، وتسقي كل قطرة عرق فيه وعيًا جديدًا، وكلما طال؛ طالت أعناقنا في سماء المجد. إن دور العقل أعظم من أن يقتصر على طرح الأسئلة، بينما تقوم الآلة بمهامه؛ وإن ركن إلى ذلك، سيصبح الاجتهاد الذهني مع مرور الوقت عملًا مرهقاً وغير مبرر. فالقدرات العقلية، مثل الحفظ والتحليل والاستدلال، حين تُركن جانبًا، لن تجد الفرصة الكافية لكي تتطور، وقد ينتهي بها ذلك إلى الخمول والضعف والتراجع. لقد أثرت المقاطع القصيرة في قدرتنا على المشاهدة الطويلة، حتى أصبح كثير من الناس يجدون صعوبة بالغة في متابعة محتوى يمتد دقائق معدودة. وأخشى أن يقود الاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعي إلى أثر مشابه، فيصبح التفكير حتى في المسألة البسيطة عملًا مضنيًا، يدفعنا إلى (تسكيبه) أو وضعه في خانة (المحفوظات) إلى أجل غير مسمى. جميع الآلات التي دخلت حياتنا كان لها دور كبير في تغييرنا بشكل أو بآخر. كيف كانت سرعة الكتابة وجمال الخط قبل لوحة المفاتيح؟ وماذا حل بذاكرتنا بعد أن دخلت الهواتف الذكية في حياتنا؟ وكيف خبا نشاطنا ووَهَنت قوتنا بعد تطور وسائل النقل المريحة؟ تلك الوسائل التي دفعت المختصين إلى حث الناس على ممارسة الرياضة للمحافظة على صحتهم البدنية. ولا يختلف الأمر كثيرًا مع عقولنا؛ فهي كسائر الجسد، بحاجة إلى التدريب والممارسة حتى لا تضمر قدراتها كما تضمر عضلات الجسد. ولعل هذا التخوف ينسجم مع ما يعرف في علم الأعصاب بمبدأ “استخدمه أو افقده”، الذي يشير إلى أن القدرات الذهنية تحتاج إلى الممارسة للحفاظ على كفاءتها. لذلك، فكما قاومنا آثار وسائل النقل بإنشاء مسارات للمشي وبرامج للحفاظ على اللياقة، ينبغي أن نقاوم الآثار المعرفية للاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعي بالوسائل التي من شأنها تنمية التفكير، والتحليل، والتركيز، والاستقلالية المعرفية. وأولى الجهات المعنية بذلك وزارة التعليم، وذلك من خلال إعداد برامج وقائية وإرشادية تعزز هذه القدرات، وتوضح الاستخدام الواعي للذكاء الاصطناعي، وخطورة الاعتماد المفرط عليه. فالسباق الهائل في تطوير الذكاء الاصطناعي يجب أن يوازيه سباق هائل في تطوير البرامج التي تحمي الإنسان من أضراره. وبمثل هذه الجهود – بحول الله – سوف نتمكن من مقاومة المد الهائل للذكاء الاصطناعي، وفي الوقت نفسه نسير نحو تحقيق مستهدفات رؤية 2030 في تنمية القدرات البشرية، بإعداد مواطن قادر على المنافسة عالميًا، يوظف التقنية في بناء نفسه ووطنه، دون أن يخسر شيئًا من قدراته وإمكاناته.