ثم أَجْهَى السَّحاب.

في كتابه الأخير، جمع الأديب والصحفي خالد الطويل، ما يقارب مئة وتسعين مقالاً، سماه “إذا أجهى السحاب”، وفيه الكثير مما كتبه في تواريخ متفرقة في الصحف والمجلات من بينها مجلة “اليمامة”، وقد أحسن صنعًا بجمع هذه المادة، وكأنه يصغي لسؤاله وهو يبحث في أحد المقالات عن أعمال توثق عبر الأدب جزءًا من تاريخنا وهويتنا، في مهمة ضمنية للكتابة، وقد فعل! لأننا.. نجد أن المؤلف يجمع المقالات حسب موضوعها، وليس تسلسلها الزمني، وابتدأ تقسيمها بالكتابة وهمومها، ثم الشعر، الطريق الأسمى للتعبير، وتوالت الأقسام إلى أن يختم بمتفرقات لم تدخل حيز موضوع بعينه. وهذا أدعى لتتبع موضوع معين، وكيف تناوله المؤلف، تواليًا، وكيف كانت الأفكار حوله، فخالد الطويل، على الرغم من صوته الحاد في بعض المقالات، ومغايرته لبعض السائد، إنما يعلّق الجرس تارة، أو ينقل الجو العام لفكرة قيد النشوء أو التحول تارة أخرى. ولأنني قارئ أبحث عن علامات بين السطور، أجد الطويل الكاتب قريبًا من نفسه، يؤثث أفكاره ويعقد بينها وتحيل بعضها إلى بعض، فمهما تباعد المقال عن الآخر في توقيته، فالفكرة تبدأ في الأقدم وتنضج مع الوقت، طالما يكتب في ذات الموضوع، فالمقال قصيدة، والكتابة إلهام غير مشروط، ويؤمن بأن الكتابة قدر، سيتقاطع إن عاجلاً أو آجلاً مع قارئ يجد فيها ضالته. ولعل جمعه لهذا الكتاب الصادر عن دار يسطرون للنشر دليل ملموس بين يدي على معرفته بنفسه، فهو يوثّق كما ذكرت، ويطبق المقال المستل من أواسط كتابه (التوثيق في الأدب). وفضلاً على ذلك، هو يدوّن ما عايشه وسمعه وقرأه وكتب عنه، في النخيل والمدينة المنورة وناديها الأدبي، والحراك الثقافي الذي جعل لأدباء المدينة سمتًا ومدرسة تُعرف ولا تُعرّف إلا بالحدس والشعور. ولم يفت عليه توثيق السفر والاختلاء بالنفس، لأنه الشاعر الذي امتلأت شغاياه ففاضت، والقارئ الذي عاصر أجيالاً كانت تغويها القواميس وأصالة التراث. كما عاصر فتات الكلمات، وهي تخرج منسقة بتوليد الآلة الذكية، التي تزاحم القريحة بوكلاء الذكاء الاصطناعي، وقد خصص لها قسمًا يناقش فيه تحولات المرحلة، التي لم تهدأ بعد، وأغلب الظن إن ما يحدث بسببها الآن هو ما قبل البداية! وقد شدّني أن المؤلف في تبويبه للكتاب، جعل وسائط تسبق في قسمها الذكاء الاصطناعي، وهو فهم عميق للصيرورة التاريخية بين ما يحمل الإبداع وبين أداة تحاول خلقه، والتدخّل في منطقة اختص بها الإنسان: التعبير والتأمل! “ إذا أجْهَى السَّحاب” كتاب يمثل مسيرة الكاتب والإعلامي خالد الطويل الرشيقة في العمود الصحفي، ودلالة على وعيه الثقافي وجهده الأدبي، وإعجابي بجمعه للمقالات وفق موضوعها، هو ما يجعلني أجده كتبًا في كتاب واحد، كان يسيرًا عليه أن يشتتها تحت أسماء متعددة، ولكنه آثر التوثيق على الضياع، فهنيئًا يا خالد. *كاتب وناقد