يُنسب الشاعر إبراهيم الحضراني إلى (بلدة حضران)، بمحافظة ذمار اليمنية، التي ولد فيها نحو عام1918م؛ في بيتِ علم وأدب وبطولة، فوالده القاضي والشاعر والراوية أحمد الحضراني، الذي تولَّـى تعليمه قبل أن يُلحقه بالمدرسة الشمسية بذمار. وقد مرَّ في صباه بتجربةٍ قاسية؛ إذ استبقاه شيخُ إحدى القبائل رهينةً لديه حتى يُسَدِّدَ والدُهُ دينًا عليه، وعُومِلَ بقسوة، وكُلِّف بأشقِّ الأعمال، حتى عاد والده من رحلته إلى الهند وأندونيسيا، وسدد الدين وأطلق ابنه، ولا شك أن لهذه التجربة المريرة أثرًا باقيًا في نفسه. تنقل إبراهيم الحضراني مع والده في بعض مدن اليمن، واتصل بكبار الأدباء اليمنيين، أمثال الزبيري، والبردوني، ثم أقبل على قراءة الأدب المترجم إلى العربية، وكان أحد المناضلين في سبيل الحرية، وعاش حياة السجن، واقترب سيف الإعدام من عنقه؛ لولا صلة والده الوثيقة بالإمام. وبعد تحول اليمن إلى النظام الجمهوري عام1962م عُين وكيلاً لوزارة الإعلام اليمنية، ثم عضوًا في الوفد اليمني الدائم في الجامعة العربية بالقاهرة، ثم مستشارًا ثقافيًا في سفارة اليمن بالكويت، وبغداد، والقاهرة. ثم استقرَّ في اليمن حتى وفاته عام2007م. وإبراهيم الحضراني شاعرٌ مخضرم عاش طويلاً، وكانت له صِلاتٌ بكبار الأدباء العرب، وعاصر منعطفات مهمة في حياة اليمن والوطن العربي، والعالم بأسره. وهو غزير في إنتاجه الشعري، غير أنَّه مُهْمِلٌ لِشِعْرِهِ، لم يجمعه، ولم يُصدره في ديوان، فشعره إما مُضيَّعٌ، أو مبثوث في الصحف والمجلات العربية، وقد جمع بعضَ قصائده صديقُه الأديب أحمد الشامي في ديوانٍ بعنوان: (القطوف الدواني من شعر إبراهيم الحضراني)، صدر عام1991م، وقال في تقديمه الديوان، وهو المعاصر للحضراني والخبير بشعره: «إبراهيم في طليعة الطبقة الأولى من شعراء اليمن، - لا أقول – في القرن الرابع عشر الهجري، بل عبر العصور في الجاهلية والإسلام». وكذا جَمعَ الأستاذ (علوان مهدي الجيلاني) ما توافر من قصائده، وصدرَ بعناية وزارة الثقافة اليمنية عام2004م، بعنوان: (ديوان إبراهيم الحضراني)، كما أصدر اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين كتابًا تناول سيرته بعنوان: (الحضراني يُعانق الخلود). وقد أسهم الحضراني في حضور القصيدة اليمنية، بتجربته الشعرية الممتدة؛ وكتب كثيرًا في القضايا الوطنية والنضالية، ومقارعة الظلم والجهل والفقر، والإعلاء من القيم الإنسانية، والمبادئ السامية، والتضحية في سبيل الوطن، وهو معدود في صف شعراء النضال اليمني: الزبيري والبردوني، والمقالح، وأمثالِـهم. عاش الحضراني آلام وطنه ومواطنيه، وكابد في صباه المحن، فأثَّرَتْ فيه تلك النشأة القلقة، وزاد عليها غيابُ والده الدائم في المهمات التي ينوطها به الإمامُ، ولعل تلك الظروف هي التي جعلته ينتقد المتباكين على عمر الصبا، فيقول: أهذه هي أيامُ الصِّبا وإلى رجوعها يَتَمَنَّـى العاجزُ العاني؟ ماذا سوى أنَّةٍ حَرَّى يَكادُ بها قلبي يذوبُ وجفني دمعُهُ قاني دُنيا وعالمُ أشجانٍ أعيشُ بـه وحدي وللناسِ عالـــم ثاني تلك النشأة التي تتابعت خلالها الآلام عَبَّرَ عنها في إحدى نفثات الشكوى؛ قائلًا: ففي امة منكوبةٍ كان مولدي إليها نَفَى الله الشقا والتوانـا نشأتُ وما صدرٌ إليه يَضُمُّنِـي يتيمًا، بأحضانِ الشقا مترامـيــا أئنُّ وما كَفٌ تهدِّئ روعتــــــــي وللريحِ دمعي إن أنا قُمْتُ باكيا ويُشَخِّصُ الحضراني داء العرب القديم المتجدد بمشرط الطبيب، ويضع يدَهُ على أشد أدوائهم؛ فيقول: ما دامَ قومي بأسُهم بينهم فَلْتَحْزَني يا نفسُ ولتندُبي وفي خطابٍ إنساني نبيل يدعو الحضراني إلى اقتلاع نَزَعَاتِ الكراهية، وتنمية غراس الحب فيقول: يا رفاقي. إلى المحبَّةِ نُنْمِي غَرْسَها في القلوبِ أيَّ نماءِ قد بلونا البغضاءَ دهرًا طويلاً فــجـــنـــينا مرارةَ البغـضاءِ إنها رقة الشاعر التي تحيل المناضل الشجاع إلى مُحبٍ مُستكين بين يدي المحبوب: حبُّكِ! ما أَقْوى، وما أعمقـا قد علّم الأشياءَ أن تنطِقَـا قالت لي الصخرة: لا تَنْسَـهُ وكيف أنسى حبي الأسبقا! والنهرُ لما جئته مُفْـرَدًا يسألني عن موعد الملتقـى والروض حتى الروض ما لم تكن بجانبي يَنْظُرُني مُـحْنَقـا والعطر يأبى كلما رُمْــــتُـــــهُ مِن غيرِ أنفاسِكِ أن يَعْبِقا عَلَّمْتِ ما حولي حديثَ الـهوى وكيفَ يُضني قلبِيَ الشَّيِّقا ويبدو هذا التناغم مع الطبيعة جليًّا في شعر الحضراني، ومن ذلك ما حكاه الراوية: (محمد عبدالواسع حميد الأصبحي) في لقاء عبر إذاعة دمشق عام 1997م، فقال: مَرَرْنا على شلال، ثم عدنا إليه ذات يوم وقد جَفَّ، فقال لنا إبراهيم الحضراني: قفوا، ونزل إلى الموضع الذي كان يجري فيه الماء وكتبَ أبياتًا: يا حبيبي قد مررنا بهذا النَـبْعِ يومًا وحبنا دفاقُ فرجعنا إليه والنبع قد جـفْفَ وجفَّت في قلبكَ الأشواقُ هكذا قالت الطبيعةِ: إنَّـا هكذا هكذا لقًا وفراقُ يا حبيبي سيرجع العشب غضاً وسيلهو كعهدنا العُشاقُ والعصافيرُ في الروابي تُغَنِّـي والشذى والزهــــــــــورُ والأوراقُ غيرُ قُلْ لي ربيعُنا بعدما غـــابَ، أيُرجى لصُبحِهِ إشــــــراقُ؟ وللحضراني قدرةٌ فائقة على التعبير العميق عن شعور المحب، وما ذلك حالُ شاعرٍ يعالج فنون القول؛ فهذه الذاتية والغنائية والحساسية الشعرية قلَّما تتأتى إلا لمن جرَّبَ الـحُبَّ: مستهامٌ يعبثُ الشوقُ به عَبَثَ الموجِ بأنَّاتِ الغريـقْ قلبه الدامي وقد حمَّلهُ من تباريخ الهوى ما لا يطيقْ ليس ينفكُّ حزيناً مُوجَعًا يصحبُ الأيامَ بالـجُرحِ العميقْ وسيرة إبراهيم الحضراني تسلكه في نظام الأبطال، ولكن ذلك لا يحول بينه وبين الانكسار تحت وطأة الأحزان، والخيبات؛ فآماله ومساعيه نحو العدل والحرية فوق أن تحققها الحياة على يد شاعر، مهما بلغ من القوة والإرادة: أنا ثورةٌ كبرى، تلوحُ وتـختفـي أنا مَن أنا؟ أنا جذوةٌ لا تنطــــفـي أنا روحُ جبارٍ تَئنُّ حزيـــــنــةً تحتَ الإسارِ، وما لها من مُسْعِــفِ أنا أنَّةُ المسكـينِ تأخذُ حَقَّـهُ كفُّ الغنيِّ، وما له من مُنصــفِ أنا خطْرةُ الصوفيِّ في مِـحْرابِهِ عَظُمَتْ، ففاضَتْ عن نطاقِ الأحرفِ لا الدَّهْرُ يسعفني بما أهوى، ولا هذه الحياة بها فؤادي يكتـفي وبرغم ذلك القلب الثائر، والروح المقاومة، فقد آل الأمر في حياة الحضراني إلى الشعور المرير بالغربة والأسى، ومعاناة الخذلان؛ بعد أن غاضت الأحلام، وتبدَّدت الآمال، وتفرَّق الرفاق: النُّدامى؛ وأين مِنِّـي الندامـى؟ ذهبوا يَمْنة، وسرتُ شآمـا يا أحباءنا تنكَّر دهــرٌ كان بالأمسِ ثغرُه بسَّامـا ما عليكم في هجرنا من مـلام قد حملنا عن الليالي الملاما وطوينا على الجراحِ قلوبًا دَمِيَتْ لوعةً، وذابت غَراما سوف يدري مَن ضيَّع العهدَ أنَّا مِنْهُ أسمى نفسًا وأوفى ذِماما وأي شيءٍ أقسى من انطفاء الأمل، وخبو البوارق، وانتظار الفجر بعد الفجر، وكلما مَرَّ فجرٌ لم يختلف عن الفجر الموهوم الذي سبقه؛ فكلها كواذب: كــلُّ فجرٍ مرَّ فجرٌ كاذبٌ فمتى يأتي الذي لا يكذبُ وتتابعت السنوات وتساقطت الآمال، ومضت تسعون الحضراني في دروب النضال، وهو يتلَمَّسُ الجمالَ، ويبثُّ بذور الحب؛ فما كافأته السنواتُ إلا بالفواجع والخيبات؛ فيتساءل: حتَّامَ يمضي للرزيةِ والأسى عامٌ ويأتي بالفجيعةِ عامُ وما أشَدَّ المرارة حين يتصرَّمُ العمر ولم يتحقَّقْ من الآمال الوطنية والقومية والإنسانية شيءٌ، وتذهب سنواتُ النِّضالِ أدراجَ الرياح، فما بقي للحضراني إلا الموت خلاصًا: آه ما أروع مأساتي، وما أشقى حياتي لا أراني أجدُ الراحةَ إلا في مـــماتي وانقضى عمرٌ من النضال، والحب، وانتظار الفجر الذي لم يأتِ؛ فكان بحقٍ أحدَ مظاليمِ الأدبِ والنضال، بل أحدَ مظاليمِ الحياةِ بأسرها.